ما من شيء بعد الآن يحزنني أو يخذلني

بقلم مهدي قاسم

لاحظ التلميذ مارتيريانوس في الأونة الأخيرة أستاذه الحكيم دميانوس أخذ يتجنب صحبة شعراء وحكماء الذين ضجت بهم المدينة بسبب كثرتهم و صخبهم وطفح أطنان أقوالهم و قصائدهم بين هذر و مذر ..

وبدافع الفضول سأله :

ــ عذرا لفضولي .. فقد لاحظتُ يا معلمي الفاضل والمجيد منذ وقت تتجنب مجالس و صحبة شعراء وحكماء المدينة و قوّاليها .

ـــ نعم هذا صحيح !.. ربما أفعل ذلك لكوني لا أريد أن ازيدهم عددا إضافيا ! ..

زاد التلميذ حيرة و استغرابا لهذا الرد دون أن يعلم هل يفسره على شكل سخرية و تهكم ، أم على نحو موقف جدي وحاسم من الأمر فسأل مجددا :

ــ وماذا في ذلك ؟ .. فهب زادوا عددا إضافيا ؟ .. ومن ثم ماذا ؟..

ـــ أعتقد أنا .. أنه عندما في مدينة ما .. يكثرقوّالون ورواة .. ويزداد شعراء وحكماء عددا كبيرا وملفّتا ، حيث في مقابل ذلك يقّل عدد البنائين و زراعي الحقول و حفاري الآبار و السواقي وصانعي الخبز والحليب فأعلم أن هذه المدينة في طريقها إلى ضياع وشيك و حتمي .. عاجلا أم آجلا ..فما كنتُ أحبذ يوما أن تطغى جعجعة كثرة كلام على قلة فعل ..ولا أن تكون تلك الجعجعة بديلا عن عمل نافع ومثمر ملموس .. فهذا هو بالضبط ما يحدث بعينه في هذه المدينة المنكوبة بوباء لامبالاة وعدم اكتراث من قبل غالبية أبنائها الذين يلجئون إلى جعجعة كلام مزّوقة ومزخرفة ليبرئوا ذمتهم .. حتى يريحوا ضمائرهم ..

ــ فهل من أجل هذا أصبحت مؤخرا حزينا ، صامتا طوال الوقت ؟ ..

رد المعلم دميانوس بنبرة نفي واضحة وحاسمة :

ــ لا أبدا .. إنما لقد نضجتُ واستويتُ بما فيه الكفاية في أتون النذالة البشرية ، لذا فما من أحد أو شيء بإمكانه بعد الآن أن يحزنني أو يخذلني استغرابا و دهشة أم ذهولا .. أما صمتي ، فما هو إلا توهجا جوانيا تتجلى روحي من خلاله في صومته الحصينة والمبهرة ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close