بمناسبة الاعتصامات العراقية: التفرقة والاختلاف في القرآن الكريم (ح 1)

الدكتور فاضل حسن شريف

نهى الله تعالى المؤمنين عن الفرقة والاختلاف “وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ” (الانعام 153)، و “أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” (الشورى 13). الفرقة والاختلاف يؤدي الى الاقتتال كما قال الله تعالى “وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا” (البقرة 253). اذا لم تتوقف التفرقة والاختلاف بعد محاولات الاصلاح واعلام الفرقاء بذلك فالينتظروا عذاب الله النازل “وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (ال عمران 105)، و “وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ” (ال عمران 19).

قال الله تبارك وتعالى عن التفرقة “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ” ﴿البقرة 87﴾ ان استمرار التناحر والتفرقة بين الاطار التنسيقي والتيار في العراق قد يؤدي الى الاقتتال لا سمح الله، و “فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ” (البقرة 102) فاذا كانت التفرقة بين الزوج والزوجة فما بالك بالتفرقة بين كتلتين بشريتين، و “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” ﴿البقرة 136﴾ الله سبحانه طلب من عباده عدم التفرقة بين الرسل لان مبدأ التفرقة يعمل على الضغينة والحقد، و “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ” (البقرة 285) ان التفرقة تعمل على تشويش في الرؤية، و “قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿آل عمران 84﴾ طالما ان كل رسول يدعو الى التسليم بان الله تعالى هو رب العالمين فلماذا التناحر والفرقة؟، و “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” (ال عمران 130) ان اعتصام التيار التنسيقي والتيار بحبل الله واجب طالما المنتمون مؤمنون فالواجب منهم عدم التفرقة، و “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿آل عمران 105﴾ العذاب سيلاحق الاطار التنسيقي والتيار طالما لم يتفقوا ويتناحروا، و “إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ” (النساء 150) وبما ان الاطار التنسيقي والتيار مؤمنون فان التفرقة من مبادئ الكفار، و “وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿النساء 152﴾ المؤمنون الذين لا يؤيدون الفرقة لهم مغفرة ورحمة من الله سبحانه، و “كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ” ﴿70 المائدة 70﴾ على الاطار التنسيقي والتيار ان يبتعدوا التكذيب والقتل لا سمح الله فيصبحوا اعداء الله ورسله.

جاء في شبكة النبأ المعلوماتية عن الكاتب مسلم عباس: لا الإطار التنسيقي يعترف بالشرعية الانتخابية للتيار الصدري، ولا التيار يعترف بالشرعية السياسية التوافقية للإطار التنسيقي، فإذا كان التيار يملك أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، فإن الإطار التنسيقي يضم تحت عباءته أكبر عدد من القوى والجماعات السياسية الشيعية. أي حكومة يشكلها التيار الصدري لن تدوم طويلاً فالإطار التنسيقي سوف يستخدم كل قوته، فضلاً عن استخدام ملف التظاهرات مجدداً لإسقاط حكومة التيار الصدري، وهذا ما لا يريده لا التيار ولا القوى السنية والكردية. في المقابل، فإن أي حكومة يشكلها الإطار التنسيقي بالتوافق مع السنة والكرد، سيكون مصيرها بنفس مصير التيار الصدري المتفردة، فالتيار أكثر خبرة في استخدام التظاهرات والتحكم بالشارع. والأهم أن أي حكومة يشكلها الإطار سوف تصطدم ب73 نائباً صدرياً يقفون بوجه الحكومة الإطارية، والعكس هو الصحيح عندما يشكل التيار حكومة صدرية، فإنه يصطدم بحوالي 70 نائباً إطارياً يعرقلون عمل الحكومة و يشلونها تماماً. والحل المقنع يعني توافق التيار والإطار على تشكيل حكومة توافق، وهذا شبه مستحيل من قبل التيار الصدري، لأنه لا يريد تحمل مسؤولية حكومة هو في الأساس جزء منها وليس المسؤول عنها كلياً، إنه يريد حكومة صدرية خالصة، تحت يافطة حكومة الأغلبية. المرجح أن المرجعية لن تتدخل في حل الأزمة الراهنة، وتريد من المنظومة السياسية مواجهة مصيرها، لا سيما وأن الشارع العراقي غاضب على جميع أطراف المنظومة ولا يريد من أحد إنقاذها هذه المرة. وفق المؤشرات الحالية فإن الحل المتوقع هو الترضية والتوافق بين المتصارعين، بما أن الكل يتصارع ولا يعترف بالآخر ويريد الاستيلاء على السلطة بأي ثمن كان، فلا حل إلا بإقصاء الآخر، أو الترضية والتوافق. يستبعد الآن خيار الإقصاء، ويبقى خيار الترضية والتوافق، وهذا الخيار قد تعتبره الكتل السياسية حلاً آنياً لمسألة تشكيل الحكومة، والتسمية الفعلية له هي حالة الهروب إلى الأمام، تماماً مثلما كان يجري مع كل أزمة سياسية. لان الحكومة التوافقية تعني تقاسم الوزارات والمناصب بين الكتل السياسية، والتقاسم يعني حكومة مشلولة، لأن رئيس الوزراء لا يستطيع محاسبة وزرائه، والوزراء لا يستطيعون محاسبة وكلائهم والوكلاء لا يستطيعون محاسبة من هم دونهم. السبب في هذه السلسلة من غياب المحاسبة أن الوزير والوكيل والمدير وحتى الموظف البسيط لم يأتي عبر الطرق الرسمية والقانونية، بل، عبر تقاسم السلطة، ونحن نعرف أن الحساب في حكومة المحاصصة لا يكون على مقدار الخدمة المقدمة للمواطن، بقدر ما يكون على مقدار الخدمة التي يقدمها المسؤول الحكومي لحزبه واقربائه ومن جاء به للمنصب. هذه ليست صورة سوداوية للمشهد العراقي، إنما هي تبسيط للتعقيدات التي تراكمت منذ عام 2003 وحتى هذه اللحظة الراهنة، فالاحزاب والجماعات السياسية ترى المشكلة في كل مرة ولا تجد لها حلاً إنما تهرب للأمام، وعند كل لحظة هروب تضاف تعقيدات وأزمات جديدة يصعب حلها، وهذه الأزمة رغم صعوبتها وتعقيداتها الشديدة بحاجة إلى حكماء يوقفون نزيف الوقت الذي لايتسع لمزيد من حالات الهروب إلى الأمام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close