الإسلام دين الإنسانية

ا.د حلمي الفقي
استاذ الفقه المساعد بجامعة الازهر

اعتبر الإسلام الناس كلهم أمة واحدة رغم اختلاف الأديان والألوان والأجناس ، فالبشرية كلها أمة واحدة ، وإن اختلفت الاتجاهات والمشارب ، فالناس كلهم إخوة ، لأن أباهم واحد ، وأمهم واحدة ، قال تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً } ( النساء : 1 )
فالبشر كلهم والناس جميعا أبناء رجل واحد وامرأة واحدة ، والناس أخوة فى الإنسانية ، تجمعهم وتربط بينهم الأسرة الإنسانية برباط الحب والتعاون رغم اختلاف الدول والأجناس والأديان والألوان ، واختلاف البشر سنة كونية لا محيص عنها ، ولكنها في نظر الإسلام للتعاون والتدافع والتناصح ، ولينتفع كل إنسان بما لدي الآخر من خير ، قال سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } ( الحجرات : 13 )
فإذا كان فلاسفة الغرب وكبار مفكريه يعدون اختلاف الحضارات للتصادم والتقاتل ومن هؤلاء صمويل هانتنجتون ، فى كتابه (صدام الحضارات ) ، وفرانسيس فوكوياما فى كتابه (نهاية التاريخ ) وكثير غيرهم ، فإن الإسلام يعتبر اختلاف البشر فى الأديان والأجناس والألوان والدول والحضارات هو اختلاف للتدافع والتعاون ، وليس للتصادم والتقاتل ، فالخيرات التي فى الأرض للناس جميعا لا لجنس دون جنس ولا لأمة دون أمة .
جاء فى التفسير القرآني لعبد الكريم الخطيب : ” وهذا الاختلاف فى حظوظ الحياة بين الناس، أمر لازم لإنتظام حياتهم.. فلو كانوا على حال سواء فى كل شىء، لما كانوا إلا كتلة متضخمة ، ليس فيها عين تنظر، أو أذن تسمع، أو أنف يشم، أو يد تبطش، أو رجل تمشى، أو رأس يفكر..
إلى غير ذلك من الأجهزة العاملة فى كيان الإنسان.. والتي بها صار الإنسان إنسانا، بل بها صار الكائن الحىّ.. ذا حياة عاملة.. معطية وأخذة..
وهكذا الناس.. هم هذا الإنسان فى صورة مكبرة.. بعضهم يأخذ مكان الرأس، وبعضهم يأخذ مكان العين، أو الأنف، أو الأذن، أو اليد، أو الرجل وبهذا يقوم الجسد الاجتماعى بوظائفه العاملة فى الحياة حيث تأخذ كل جماعة فيه مكانها المناسب فى هذا الجسد، كما تأخذ أعضاء الجسد فى الإنسان مكانها فيه.. سواء بسواء!”
والإسلام يحترم حرية العقيدة ، وحرية الأديان إلي أبعد مدى ، قال الله عز وجل : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ( الكهف : 29 ) وقال تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ( البقرة : 256 )
ولقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة ذهبية للعالم أجمع وللإنسانية كلها ، لا تجد أفضل منها لتحقيق العدل والأمن والسلام والرخاء للإنسانية قاطبة وللبشر كافة ففى الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم : { لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنقسه } والأخوة المقصودة هي إخوة الإنسانية عامة ، فهي تشمل إخوة الكافر والمسلم ، فالمسلم يحب للكافر أن يسلم كما يحب للمسلم دوام الإسلام ، والمسلم لا يعتدي على أحد ، ولا يحب العدوان على أحد ، مسلما كان أم كافرا ، وإذا كان المسلم يكره أن يظلمه أحد ، فلن يكون مسلما حتي يكره الظلم لأخيه في الإنسانية كما يكره الظلم لنفسه .
فالإسلام لا يعرف التفريق بين المسلم وغير المسلم فقتل المسلم حرام ، وقتل غير المسلم حرام ، وسرقة مال المسلم حرام وسرقة مال غير المسلم حرام ، والزنا بامرأة مسلمة حرام والزنا بغير المسلمة حرام ، واغتصاب امرأة مسلمة حرام واغتصاب امرأة غير بغير مسلمة حرام بلا أدنى فرق .
قال تعالى فى كتابه الكريم : {َمن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } .( المائدة : 32) فانظر إلي نص القرآن الكريم فقد حرم قتل النفس أيا كانت مسلمة أو غير مسلمة ، فقتل أى إنسان حرام في دين الإسلام مهما كان دينه أو لونه أو جنسه ، بل إن الإسلام حرم إيذاء الحيوان فهل يجيز قتل الإنسان ؟
فإذا كان الإسلام على المستوى العالمي يهدف إلي تحقيق العدل والخير للإنسانية كلها فكيف على المستوى الداخلي فى الدولة الواحدة ؟
لقد أرسي الإسلام مبدأ المواطنة داخل الدولة ، وحقق سبقا حضاريا فى التاريخ الإنساني كله ، فبينما لم تعرف أوربا مبدأ المواطنة إلا في عام 1648م في معاهدة وستفاليا بعد حرب الثلاثين عاما بين البروتستانت والكاثوليك والتي راح ضحيتها قرابة عشرة ملايين شخص ، كان محمد صلى الله عليه وسلم أستاذ الإنسانية ونبي الرحمة للعالمين وليس للمسلمين قد وضع دستور المدينة المنورة فى سنة 1 هـ = 623م ، وكان من مبادئ هذا الدستور ونصوصه أن يتعاون جميع سكان المدينة من مسلمين ويهود ووثنيين في صد أي عدوان علي المدينة ، وأن الولاء للمدينة المنورة والدفاع عنها ضد أي غازي أو معتد مقدم على أي ولاء ، وإنفاذ مبادئ هذا الدستور واتفاقية الدفاع المشترك عن المدينة ، فحين هاجم أهل مكة المدينة في غزوة أحد خرج اليهودي مخيريق للدفاع عن المسلمين وحارب معهم في معركة أحد ضد مشركي مكة حتي قتل في المعركة ، فقال صلى الله عليه وسلم { مخيريق خير يهود } ، واعتبر كثير من المؤرخين هذا الدستور مفخرة من مفاخر الحضارة الإنسانية كلها ، وليس الحضارة الإسلامية فحسب .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close