ثقافة الأستقالة عند المسؤول!

علاء كرم الله

لا أقصد هنا المسؤول العربي ، فثقافة الأستقالة لا وجود لها ليس في قاموسهم السياسي فحسب بل لا وجود لها في تريكبيتهم الفكرية والنفسية والتربوية والأجتماعية وحتى الأخلاقية! فالمسؤول العربي ، ممكن أن يؤمن ويتربى ويتعلم ويهضم كل الثقافات ألا ثقافة الأستقالة وترك المنصب مهما بلغ من رقي وتحضر وثقافة! ، فالمنصب لدى المسؤول العربي ممكن أن ينسيه كرامته وأنسانيته وشرفه وسمعته وضميره ، بل حتى ينسيه كل شيء! ، فالأنسان العربي لم يتربى ولم يعرف أصلا شيء أسمه ترك المنصب وتقديم الأستقالة ، بقدر ما يتربى على كيفية التمسك بالوظيفة والمنصب وعدم التفريط بها مهما كلف الأمر ، فصارت السلطة والمنصب وكيفية الوصول لها بالطرق المشروعة وغير المشروعة! ثم كيفية المحافظة عليها بالأستقتال حتى الموت! ، هو كل ما يهم الأنسان العربي! 0 نشرت وسائل الأعلام العالمية يوم الخميس الموافق 25/8/2022 ، خبر تقديم مدير الشرطة اليابانية (أيتارا ناكامورا) أستقالته من منصبه ، وذلك بسبب فشله في حماية رئيس وزراء اليابان السابق (شينزو آبي) الذي توفى نتيجة تعرضه الى عملية اغتيال بتاريخ 8 / 7/2022 الماضي! ، عندما كان يلقي خطابا أنتخابيا في أحدى المدن غرب اليابان! 0 لم يكن أحد قد طلب من مدير الشرطة اليابانية تقديم أستقالته أو ضغط عليه ، أو تعرض الى مسائلة أو وجهت أليه بعض الأنتقادات على خلفية حادث الأغتيال او شكلت لجنة تحقيقية بحقه! ، بل هو من قدم الأستقالة من تلقاء نفسه ، لشعوره بأنه قصّر في واجبه! ، لأنه لم يتمكن من تأمين الحماية الكافية لرئيس الوزراء الذي تم أغتياله! ، رغم أن المنطق وسياسة وآلية العمل لا تلقي بالمسؤولية عليه لا من قريب ولا من بعيد!0 ولكن شعوره العالي بالمسؤولية وضميره الحي وأحساسه بأن حماية المواطن الياباني أن كان مسؤولا أو مواطنا عاديا وتأمين الأمان وأشعارهم بالطمأنينة أينما كانوا في أية مدينة او قرية ، هو من صلب واجبه وهو مسؤول عنها ، هو الذي دفعه أن يقدم أستقالته!0 بالمقابل أن رئيس الوزراء (شينزو آبي) الذي تم أغتياله كان يحظى بأحترام وحب وتقدير كل اليابانيين ، وأنه فاز برئاسة الحكومة لدورتين بلا تزوير وبالحق والعدل وحسب رغبة المصوتين! ، وبالدورة الرئاسية الأخيرة هو من قدم أستقالته لأنه شعر بأعتلال صحته ، لانه رأى أنه من غير المناسب أن يقود الحكومة وهو مريض! ، موقف رئيس وزراء اليابان هذا (يذكرنا بالرئيس العربي الجزائري عبد العزيز بوتفليقة كيف كان يحكم البلاد وهوعلى كرسي بسبب أصابته بالشلل ولم يفكر بتقديم الأستقالة!) ، ويذكر أن والد رئيس وزراء اليابان (شينزو آبي) الذي تم أغتياله كان وزيرا للخارجية وجده كان رئيس للوزراء! ، فهو من عائلة سياسية عريقة ( يعني أبن خير ودلال ونعمة و مجان أبن فكر ملطلط وخدمته الظروف والصدف وأستلم السلطة والمسؤولية)! ، كما لم تسجل عليه أية شائبة من ناحية نزاهته وكفاءته وسلوكه الوظيفي فلم يسرق ولم يعين أحد من أقاربه أواخوانه أو أبنائه ولم يتقاضى الرواتب والامتيازات الخيالية التي لا يستحقها كما يفعل كل الزعماء العرب! ، أي أنه لم يستغل منصبه لمصالح شخصية ولا حزبية ولم يعمل لدولة جارة ، بل عمل بكل روح وطنية وأخلاص من أجل وطنه اليابان ، وعندما أغتيل كان يقف أمام الجماهير بشكل طبيعي بلا أية حماية فهو لا يخاف من الجماهير لأنه لم يسرق من المال العام او يتسبب بحروب داخلية ولا خارجية يذهب ضحيتها الشباب ، ولم يخرق الدستور ولم يتجاوز على القضاء ، وليست عليه أية تهمة ( ولكن يبقى أرضاء الناس غاية لا تدرك) فتعرض للأغتيال من قبل شخص معتوه ولسبب تافه!0 ويطرح السؤال نفسه : لماذا المسؤول في الغرب لا يغريه المنصب ، وعندما يكلف بالمنصب يتشرف بذلك التكليف ويعمل بكل جد وأخلاص من أجل ان يقدم الخدمات لوطنه وشعبه ، وبالتالي هو يحرص أن يكون عند حسن ظن الشعب به ، ولماذا كرامة المسؤول في الغرب فوق رغيف الخبز بل فوق كل شيء؟ ، ولماذا المسؤول عندنا لا يكون بهذا الشكل والصورة وبهذا التفكير؟ ، ولماذا المنصب لدى المسؤول في بلادنا يعني الطريق للغنى والرفاهية وتغليب المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة الوطنية ومصلحة الشعب؟ 0 وأخيرا يبقى السؤال قائما ومحيرا بنفس الوقت!: ، هل الخلل في تكويينا البنيوي وجيناتنا البشرية ؟ أم في عقولنا وكيفية تفكيرنا؟ أم في تربيتنا البيتية والمجتمعية؟ ، أم لأن الكثير الكثير من مسؤولينا مصابين بمركب الشعور بالنقص! ، ويرى في المنصب والجاه والسلطة شيء من العلاج من مرضه؟ أم لا زالت بذرة الجاهلية تعشعش في أدمغتنا وعقولنا ونفوسنا حتى أصبحت الأنانية وحب الذات والتمسك بالمنصب والجاه والتسلط على رقاب الناس وتخويفهم وأشاعة الرعب فيهم ، هو مرضنا الذي لا أنفكاك منه وآفتنا التاريخية عبر العصور والدهور، وهي سبب تخلفنا والتي أوصلتنا الى مانحن فيه من حال لا نحسد عليه!0 رحم الله العالم العربي أبن خلدون عندما قال ( آفة العرب الرئاسة) ولا حول ولا قوة ألا بالله العلي العظيم0

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close