وفاة ملكة جمال الكون !

ا.د حلمي الفقي
أستاذ الفقه المشارك بجامعة الآزهر

اكتب علي جوجل وفاة ملكة جمال الكون
أو وفاة الراقصة الشابة
أو وفاة الممثل الشاب
أو وفاة الممثلة الجميلة
أو وفاة لاعب كرة القدم
أو وفاة لاعب ناشيء في فريق
وستجد عشرات النتائج ، ومئات التعليقات والمشاركات ، تصدمك بوقائع وفيات كثيرة لفتيان وفتيات وشبان وشباب في ربيع العمر وفي ريعان الشباب وفي قمة الفتوة والجمال
فإذا كتبت على جوجل وفاة شاب بسكتة قلبية مفاجئة .
أو وفاة شابة بسكتة قلبية مفاجئة .
فستجد نتائج لا تعد تأخذ بلبك ، وتذهب بعقلك ، وتأخذ نفسك أخذا شديدا ، وتمطرك بالمئات من علامات التعجب والاستفهام .
ودعنا من هذا وذاك
واكتب علي جوجل وفاة عروس يوم عرسها .
أو وفاة عروس يوم فرحه .
وستجد نتائج مذهلة .
بل في موكب الفرح سيارة العريس والعروس تتعرض لحادث سير مروع وتنقلب فى مجري مائي ويموت كل من فيها بمن فيهم العريس والعروس .
لكن ماذا لو كتبت على جوجل انتحار طالب بسبب رسوبه في الامتحان ستجد نتائج صادمة ومذهلة ، وتذهب بالعقل واللب والوجدان .
وبالمقابل اكتب على جوجل وفاة طالب عقب نجاحه في الثانوية العامة بتفوق ، أو نجاح طالب عقب حصوله علي بكالوريوس الطب ، أو الصيدلة أو الهندسة ، وستجد عشرات النتائج بل أكثر .
أنا شخصيا كنت طالبا بكلية الشريعة والقانون بطنطا قبل ثلاثة عقود من الزمان ، وكانت أقصى أماني الطلاب في هذه الكلية العمل بالنيابة أو بالسلك القضائي عموما ، وأحد زملائنا نجح في كل الاختبارات ، وتم تعيينه بالفعل وكيلا للنائب العام ، ولكن كانت المفاجأة التي لا تخطر علي بال ، هو وصول خطاب التعيين إلى المنزل وتسلم والده الخطاب وزميلنا ممدد علي خشبة الغسل ، في مفاجأة مذهلة وصادمة للجميع !
وقبل حوالي ثلاثة أشهر لقي ثلاثة أشقاء مصرعهم في حادث سير مروع ، وكان الأشقاء الثلاثة طلابا بكليات الطب البشري ، وطب الأسنان ، والصيدلة ، ثكلتهم أمهم في يوم واحد ، وفي حادث واحد ، وفي ساعة واحدة ليجرح القلب جرحا غائرا لا تداويه الأيام ، إلا من استرجع ورضي بقضاء الله وقدره ، وقال إنا لله وإنا إليه راجعون ، رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ورسولا .
ولكن ماذا لو كتبنا علي جوجل وفاة أسرة في حادث سير ، فستجد نتائج بالعشرات ، وربما أكثر ، لحوادث سير أودت بحياة أسر بكاملها في لحظة واحدة ، الأب والأم والأولاد ،
وغير ذلك الكثير والكثير من صور للموت لا تعد ولا تحصى ، بل منها ما لايخطر علي بال صاحبها ، أو أهله وذويه والمقربين منه ، فكم من سيدة كانت تخدم زوجها المريض والملازم للفراش ، ثم ماتت قبل زوجها فجأة بسكتة قلبية .
كان أحد المرضي في حالة صحية حرجة للغاية دخل على إثرها العناية المركزة ، فقام أهله وأحبائه بتجهيز حافلة لزيارته في المشفى ، ولكن كانت المفاجأة حين انقلبت الحافلة في الطريق ومات أكثر من فيها .
قال الشاعر :
كم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وقال آخر :
وكم من عروس زينوها لعرسها ….. وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكثير من هؤلاء الموتي تركوا وراءهم صدقة جارية من ولد صالح يدعو لأبيه ، أو علم ينتفع به ، أو غير ذلك .
وفي المقابل نجد أيضا نفرا غير قليل من هؤلاء الموتي قد تركوا وراءهم سيئات جارية تجلب لهم السيئات وهم في قبورهم ، فحجاب المرأة فريضة شرعية بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وإجماع علماء الأمة ، فكل ملكات الجمال والفنانات والراقصات كل هؤلاء يتركون سيئات جارية بعد موتهم ، بصورهم العارية ، أو شبه العارية ، فهذه الصور سيئات جارية تلاحق اصحابها بعد مماتهم ، فمن يتداولون صور هؤلاء معجبون بجمالها وقوامها وخصرها ونهدها ، ألا فلتعلموا أن الدود أكل جمالهم ، واعتلي نهودهم ، ونتنت وجوههم ، ونتنت ريحهم ، وأصبحت صورهم أبشع مما يتخيل إنسان ، لدرجة أن أقرب الأقربين لا يمكنه الاقتراب منهم ، أو حتي النظر إليهم ، وكل البشر الذين ما زالوا على قيد الحياة ليسوا إلا أموات ، ومثلهم تماما ، وقريبا جدا سنكون معهم تطوينا القبور طيا ، وتغمرنا الأجداث غمرا ، كالملايين بل المليارات من البشر الذين سبقونا إلى القبور .
قال الشاعر :
رب قبر صار قبرا مرارا ضاحك من تنافر الأجساد
ودفين علي بقايا دفين في طويل الآجال والأماد
فإذا كان الأمر بهذه الخطورة ، والدنيا قصيرة ، والحياة حقيرة ، والموت يلاحقنا من كل حدب وصوب ، فعلينا أن نتعظ ونعتبر بمن سبقنا ، فالموت أبلغ واعظ ، والموت يحثنا حثا على المسارعة إلى إرضاء ربنا بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه .
ومشاهد الموت المفزعة من فوقنا ومن تحتنا ، ومن بين أيدينا ، ومن خلفنا ، تجعل المؤمن يوقن يقينا جازما لا شك فيه ، أن الدنيا ساعة فعلينا أن نجعلها طاعة ، وعلينا أن نراقب ربنا في الخلوات والجلوات , ، وأن نخشاه ونخافه ونحذره ونرجوه .
وأن نحيا كل لحظة وكأنها آخر لحظة في حياتنا ، وإذا تكاسل المؤمن عن طاعة ربه ، أو اقترف معصية فليضع الموت نصب عينيه ، وليجعل منه شاحذا لهمته ، باعثا لإرادته ، ومقويا لعزيمته في إصلاح نفسه وتزكيتها وتطهيرها والارتقاء بها في مدارج الصالحين . والحمد لله رب العالمين .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close