تحركات أمريكية في ظروف خطرة

د. سالم الكتبي

الحقيقة أن التصرفات الأمريكية المتكررة في الآونة الأخيرة بشأن تايوان لا يمكن رؤيتها بمعزل عن بعضها البعض، ولا يمكن وصفها بالعفوية، بل إن التوصيف المفاهيمي الأدق لها أنها سلوك إستفزازي يصب الزيت على نار التوترات الدولية المتفاقمة، ما يطرح تساؤلات جدية حول نوايا واشنطن وأهدافها من وراء هذه الممارسات.
بالأمس القريب، أعتقد الكثيرون أن زيارة نانسي بيلوسي رئيس مجلس النواب الأمريكي لتايوان أوائل شهر أغسطس الماضي، قد جاءت من دون تنسيق أو ضوء أخضر من الرئيس جو بايدن، وذهب البعض في تفنيد مبررات الزيارة إلى حد إعتبارها تصرفاً شخصياً من كبيرة المشرعين الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي، لتنتزع لنفسها مكسباً سياسياً نوعياً قبل إنتخابات التجديد النصفي للكونجرس باعتبارها أعلى مسؤول أمريكي يزور الجزيرة منذ 25 عاماً، ولكن توالي زيارات أعضاء الكونجرس الأمريكي عقب تلك الزيارة، بأيام قلائل يستحق التوقف عنده ملياً، لاسيما أن الأمر لم يقتصر على تلك الزيارات بل شمل مرور قطع بحرية أمريكية عبر مضيق تايوان، في خطوة قوبلت بغضب صيني، بينما وصفها الأسطول السابع الأمريكي بأنها تأكيد على إلتزام أمريكي بحرية المرور في المضيق!
هذه التحركات الأمريكية، التي لا يشك أي مراقب في كونها محسوبة بدقة شديدة، لا تصب بالتأكيد في مصلحة الأمن والإستقرار العالميين، لأن من الصعب أن تتكرر هذه الممارسات وتنتظر واشنطن الإستجابة الصينية نفسها، وهي ضبط النفس والتعاطي الحذر مع الموقف؛ فالصين ليست كما كانت قبل عقدين أو حتى عقد واحد من الزمن، بل راكمت ـ ولا تزال، عناصر القوة الشاملة، بشكل تدركه الولايات المتحدة جيداً، وبالتالي من الصعب الرهان على الصبر الإستراتيجي الصيني في إدارة مثل هذه الأزمات، لاسيما أن هناك التهديدات الصينية المتكررة لم تعد تؤتي أكلها مع الإصرار الأمريكي على تصعيد الضغوط على بكين، والتشويش على صورتها النمطية وسمعتها كقوة دولية صاعدة.
هناك فارق واضح بين الضغوط المحسوبة التي كانت تمارسها الإدارات الأمريكية السابقة، بما فيها إدارة ترامب، والمجازفات غير المحسوبة التي تقوم بها الولايات المتحدة في عهد بايدن، وباتت هناك قناعة دولية متنامية بأن السياسة الخارجية الأمريكية باتت تتسم بقدر كبير من الإندفاع والتهور بشكل ربما يفوق ما كان يؤخذ عليها خلال عهد ترامب، والمثال على ذلك في الدعم العسكري المتواصل لأوكرانيا بموازاة التضحية بمصالح الشعوب الأوروبية، التي تواجه أسوأ أزمة طاقة في العصر الحديث، وكذلك في ممارسة سياسة حافة الهاوية بشكل مبالغ فيه في الملف التايواني رغم كل ما يحيط بهذا الملف من حساسيات وسوء توقيت وبيئة دولية لا يمكنها تحمل أي حرب أخرى من العيار الثقيل!
معلوم أن أحد بعض الدوائر الأمريكية تسعى إلى تسريع وتيرة المواجهة الإستراتيجية مع الصين، أو دفعها إلى التراجع على الأقل عن دعم روسيا، وإستغلال رغبة الصين في مواصلة مسيرتها التنموية من دون التورط في فخ الإستدراج الذي يحاك لها، فالحقائق تقول إن تأجيل المواجهة مع الصين يصب في مصلحة الأخيرة ويضعف فرص الولايات المتحدة في مواصلة دورها كقوة دولية مهيمنة، وبالتالي فإن زيارة بيلوسي وغيرها من التحركات ليست سوى مقدمات لإستفزاز التنين الصيني للتخلي عن حذره والتورط في صراع عسكري يستنزف قواه المتنامية مبكراً، وهذا مايفسر إستمرار هذه التحركات خلال المدى المنظور.
من الواضح أنه لا يمكن القول بأن إدارة الرئيس بايدن لا تتفهم جيداً الظروف الدولية الراهنة ومدى حساسيتها، فهو من دشن ولايته الرئاسية بالإعلان عن عودة أمريكا، ولكن يبدو أن لديه تفسير ذاتي مختلف لهذه العودة، حيث تعود الولايات المتحدة بالفعل ولكن لإثارة الأزمات والدفع باتجاه إشعال الحروب والصراعات لا تهدئتها. في مقابل ذلك، نجحت الصين حتى الآن في إدارة أزمة زيارة بيلوسي وغيرها لتايوان، وأمسكت بزمام المبادرة ولم تندفع وراء الإستفزازات، وهذا أمر بديهي في الثقافة الصينية، وهذه الحكمة الكونفوشيوسية جنبت العالم أزمة أخطر وأشد تأثيراً وعمقاً من الأزمة الأوكرانية.
ما يجب أن تنتبه له الولايات المتحدة جيداً أنها تخسر بشكل سريع رصيدها العالمي، والأمر هنا لم يعد يتعلق بكونها قوة مسؤولة تتصرف في إطار القانون والمبادىء الدولية، بل وتصنف ـ ولو نظرياً ـ كقوة ضامنة لهذا القانون وتلك المبادىء، ولكن بإنزلاقها تدريجياً إلى موقع يجعل منها في نظر الكثيرين، مصدر تهديد للأمن والسلم الدوليين، وهذا الأمر يسهم بل يعجل بنشر الفوضى والإضطرابات في مختلف أرجاء العالم، ولعل مانراه في دول ومناطق شتى من تفاقم للصراعات والأزمات يدق أجراس الخطر من خطورة المرحلة المقبلة في العلاقات الدولية، وينبه الجميع إلى أن التهديدات المحتملة لم تعد تقتصر على المصادر التقليدية وغير التقليدية، التي يدركها غالبية المتخصصين والمعنيين، بل باتت تطال غياب السيطرة وفقدان الرقابة على النظام العالمي بما يغري الكثيرين حول العالم بالدفع باتجاه العنف وإشعال صراعات وحروب وأزمات جديدة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close