بمناسبة زيارة اربعين الحسين عليه السلام: الفرق بين النظام السابق والحالي (ح 2)

الدكتور فاضل حسن شريف

ورد عن النبي صلى الله عليه وآله قوله لابن مسعود: (اعْلَمْ أَنَّ الله تَعَالى خَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيّاً مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألفَيْ عَامٍ: فَفَتَقَ نُورِي فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَفَتَقَ نُورَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالبٍ فَخَلَقَ مِنْهُ العَرْشَ وَالكُرْسِيَّ. وَفَتَقَ نُورَ الحَسَنِ فَخَلَقَ مِنْهُ اللَّوْحَ وَالقَلَمَ. وَفَتَقَ نُورَ الحُسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُ الجِنَانَ وَالحُورَ العِينَ. (الفضائل ص 129)). ولكن اعداء اهل البيت يكذبون مثل هذه الاحاديث الشريفة ويعتبروها اساطير كما قال الله تعالى “وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الذينَ كَفَرُوا إِنْ هذا الاَّ أَساطيرُ الأَوَّلينَ” (الأنعام 25). و لو قلت لهؤلاء المكذبين عن كرامات أهل البيت عليهم السلام فلا يصدقوك “وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ” (الانعام 28). وعلى الموالي لأهل البيت ان لا يحزن على المكذبين بأحقية أهل البيت عليهم السلام وكراماتهم والمستهزئين بمحيي شعائرهم كما قال الله تعالى “وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ في‏ ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ” (النمل 70). والطغاة واعوانهم الذين يظلمون ويستهزؤن بمن يحي شعائر أهل البيت نتيجتهم الدمار حتى قيام الساعة “قَدْ مَكَرَ الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بُنْيانَهُمْ مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ العَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ” (النحل 26). والله جل جلاله خير الماكرين “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” (الانفال 30)، و “وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ” (ال عمران 54).

قال الكاتب نزار حيدر في مجلة النبأ: لقد عرف النظام الشمولي البائد جيدا ان الظلم وعاشوراء نقيضان لا يجتمعان، ولانه كان يخطط لاحكام قبضته الحديدية على العراق بسياسات ظالمة تبدأ بالتمييز الطائفي والعنصري ولا تنتهي بمطاردة الشرفاء وتكميم الافواه وقمع المعارضة، لذلك فكر اولا في أن يقضي على الجذوة التي تشعل التمرد على الظلم في نفوس العراقيين، وهي ليست الا عاشوراء وذكرى الطف وتضحيات ابا الاحرار وسيد الشهداء الحسين بن علي السبط، فقرر ان يقضي على كل ما يمت بالذكرى من صلة ليقضي على روح الثورة، ليصفو له الجو فيحكم كيف يشاء وباية طريقة ووسائل يريد. فجاءت انتفاضة صفر المظفر العظيمة في العام 1977 لتجدد روح عاشوراء وقيم كربلاء وتضحيات الحسين السبط واهل بيته وصحبه الميامين، ولذلك يمكن اعتبار الانتفاضة على إنها ديمومة عاشوراء على قاعدة (كل يوم عاشوراء، وكل ارض كربلاء) فلازال هناك ظلم في زمن ما وفي أرض ما، يجب أن تتجدد عاشوراء بقيمها وتضحياتها، لتاخذ على يد الظالم وتوقفه عند حده وتجدد روح الثورة والتمرد على الظلم في نفوس المظلومين. وفي ذكرى انتفاضة صفر الظافرة، اود هنا، كشاهد عليها شارك في مشاهدها منذ البداية وحتى النهاية، اود ان اسجل الحقائق والمقترحات التالية: اولا: ان الانتفاضة هي اول تحدي شعبي جماهيري عام للنظام الديكتاتوري البائد، فهي إذن حولت المواجهة مع النظام من العمل الحزبي النخبوي الى العمل الجماهيري، ولذلك فانها المفصل في عملية التحدي والتغيير. ثانيا: انها اول دماء تراق على الأرض في مواجهة شعبية في وضح النهار، وبذلك تكون الانتفاضة قد نقلت وقود الثورة وعملية التغيير من السجون المظلمة الى الشارع وأمام مرأى ومسمع الراي العام. ثالثا: ولأول مرة يكتشف النظام الديكتاتوري مدى حجم الرفض الشعبي لسياساته الرعناء التي تعتمد على تكميم الافواه وعلى التضليل، فيما نبهت العراقيين كذلك الى حجم الظلم الواقع عليهم ليستعدوا لمواجهته. رابعا: كما ان الانتفاضة كانت سببا لوقوع الخلاف والاختلاف في صفوف النظام البائد وقياداته وازلامه، فكلنا يتذكر الموقف الانساني الذي وقفته بعض قيادات النظام آنئذ عندما رفضت التصديق على احكام الاعدام التي اصدرتها المحكمة الصورية الخاصة التي شكلها الطاغية الذليل صدام حسين شخصيا لمحاكمة من شارك في الانتفاضة، هذا الموقف الذي دفعت ثمنه تلك القيادات آجلا بالقتل بعد ان تمت تصفيتهم من قيادة الحزب الحاكم والدولة عاجلا. كما اكتشف النظام بالانتفاضة ان كل اساليبه التي تعتمد الدعاية والتضليل لم تمض بالعراقيين الذين اثبتوا بانهم على وعي كامل بما يحيكه النظام من سياسات ظالمة يراد بها اسكات الصوت الحر لهذا الشعب الابي. ولولا تلك التضحيات الجسام التي قدمها العراقيون على طريق ذكرى واقعة الطف العظيمة، لما شاهدنا اليوم كل هذا الزحف المليوني الى مرقد سيد الشهداء في كربلاء المقدسة. انه الثمن الذي لابد أن يدفعه اي شعب ينشد العيش بحرية وكرامة، وصدق الشاعر عندما قال: لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى * حتى يراق على جوانبه الدم.

جاء في موقع شفقنا: من أجل أن نتعرف على بعض جوانب هاتين الكرامتين، زيارة الأربعين وكرم العراقيين، لابد أن نشير إلى بعض الأرقام الخاصة بزيارة الأربعين التي جرت في العام الماضي (2015): عدد زوار أربعين الإمام الحسين عليه السلام وصل إلى 25 مليون زائر، منهم 17 مليونا و500 ألف من داخل العراق و 7 ملايين و500 ألف من خارج العراق ، وشكل الرجال 40 بالمائة و النساء 60 بالمائة من الزوار، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد الزوار هذا العام (2016) عدد زوار العام الماضي. في أربعينية العام الماضي، شكل الإيرانيون نسبة 60 بالمائة من عدد الزوار الأجانب، والسعوديون 17 بالمائة، واللبنانيون 7 بالمائة، والبحرينيون 4 بالمائة، والكويتيون 3 بالمائة ، والباكستانيون 2 بالمائة ، والقطريون 1 بالمائة ، وباقي دول العالم ( 80 بلدا) 8 بالمائة. ولما كانت عملية استقبال هذه الأمواج الهادرة من الزوار على جوانب الطرق المؤدية من مختلف المحافظات العراقية والمعابر الحدودية والمطارات ، إلى كربلاء المقدسة ، تقع على عاتق الناس العاديين ، فكان هناك 7137 موكبا ، تقدم مختلف الخدمات من الطعام والشراب والمبيت والخدمات الطبية وباقي الخدمات الأخرى ، بينها 7060 موكبا عراقيا، و 77 موكبا أجنبيا. 25 مليون زائر مشوا على مدى أيام من مختلف مناطق العراق الى كربلاء ، ومن ثم عادوا الى بلدانهم ومدنهم وبلداتهم وقراهم، دون ان يحملوا معهم شيئا او يدفعوا فلسا واحدا في مقابل المأكل والمشرب والمبيت والخدمات ، فكل ما كانوا يحتاجون اليه، كان يقدم اليهم بالمجان ودون اي مقابل، بل على العكس تماما، كان هناك من يُقبّل اقدام الزوار ويدلكها ، في ظاهرة لم ولن يشهدها العالم اجمع، الا على طريق كربلاء وبين العراقيين. ظاهرة الكرم العراقي تتكثف اكثر لو علمنا ان كل ما احتاجه الـ25 مليون زائر ، تم توفيره من قبل مواطنين عراقيين عاديين، من العمال والفلاحين والموظفين والكسبة والتجار ، ولا تتدخل الحكومة العراقية في هذا الشان مطلقا ، فحريا بالكرم الحاتمي، ان يذوب خجلا امام كرم العراقيين. في هذا العام 2016 يتوقع اغلب المراقبين أن يتجاوز عدد زوار الحسين عليه السلام الـ25 مليون زائر، بالاضافة الى تحسن واضح في الخدمات التي تقدمها المواكب المتراصة و المتلاصقة مع بعضها على جميع الطرق المؤدية الى كربلاء. زيارة الاربعين وكرم العراقيين ، ومشهد الشباب والشيوخ ، الذين يخدمون زوار الحسين عليه السلام بكل تفان واخلاص، والكتل البشرية المندفعة نحو كربلاء دون كلل او ملل ، هي بعض كرامات الحسين عليه السلام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close