بمناسبة زيارة اربعين الحسين عليه السلام: الفرق بين النظام السابق والحالي (ح 6)

الدكتور فاضل حسن شريف

ان الحسين عليه السلام في السابعة من عمره حين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم توفيت فاطمة عليها السلام بعد ذلك بستة أشهر فعاش الحسين في كنف أبيه علي عليه السلام وأخذ عنه الفصاحة وحديث رسول الله وحفظ القرآن الكريم. شارك الحسين في فتح شمال افريقية، وفي فتح طبرستان، وحصار القسطنطينية، وكان من المدافعين الذين حرسوا عثمان يوم حاصره الثائرون عليه, كما اشترك مع أبيه الإمام علي في وقعة الجمل ويوم صفين ومعركة النهروان. قال الامام الحسين عليه السلام (ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر).

وردت كلمة الاربعين في بعض الآيات القرآنية قال الله تبارك وتعالى “وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ” ﴿البقرة 51﴾، و “قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” ﴿المائدة 26﴾، و “وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ” ﴿الأعراف 143﴾، و “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً” ﴿الأحقاف 15﴾. وفي الاحاديث الشريفه يتم ذكر عدد الأربعين حيث قال الإمام الصادق: (من حفظ من شيعتنا 40 حديثاً بعث الله يوم القيامة فقيهاً عالماً فلم يعذبه). وكذلك قال عليه السلام (إذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين فقالوا اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا قال الله تبارك وتعالى قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون)، وقال (من قدّم في دعائه أربعين من المؤمنين ثم دعا لنفسه أستجيب له). وقد ورد عن أبي ذر الغفاري وابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَ الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً). والأربعون ذكره كذلك الكتاب المقدس لليهود والنصارى العهد القديم والعهد الجديد كما جاء في قصة الفيضان التوراتية تدوم 40 يوما. الشعب العبراني يبقى في الصحراء 40 سنة. ويونان النبي يخبر اهل نينوى بالدمار مالم يرجعوا ويتوبوا خلال فترة 40 يوم. واليا النبي يسير 40 يوما قبل بدء رسالته. والسيد المسيح يصوم في البرية 40 يوما.

لم تقتصر الشعائر على العراق وإيران، بل امتدت إلى بلدان أخرى، فالمقريزي في خططه يذكر (أن شعار الحزن يوم العاشر من المحرم كان أيام الإخشيديين، واتسع نطاقه في أيام الفاطميين، فكانت مصر في عهدهم بوقت البيع والشراء تعطل الأسواق، ويجتمع أهل النوح والنشيد يكونون بالأزقة والأسواق، ويأتون إلى مشهد أم كلثوم والسيدة نفيسة وهم نائحون باكون). وتروي تواريخ الدولة العبيدية بمصر، اهتمام الملك المعز الفاطمي بأمر إقامة عزاء الحسين في خارج البيوت أيضاً، فكانت النساء يخرجن في أيامه ليلاً كما يخرج الرجال نهاراً. وقد اتخذ الاحتفال بهذا اليوم في مصر شكلاً رسمياً وأصبحت الدولة تحتفل به وتعتبره عيداً من أعيادها الرسمية. ولكن على العكس من الأعياد الأخرى كلها كان عيد حزن وبكاء، ففي هذا اليوم كانت تعطل الأسواق وتقفل الدكاكين ويخرج الناس ومعهم المنشدون إلى الجامع الأزهر وتتعالى أصواتهم بالنحيب والبكاء والنشيد، وعندما بني المشهد الحسيني في أواخر الدولة كان خروج الناس إلى هذا المشهد لا إلى الجامع الأزهر. وإذا اتجهنا إلى الأندلس، نجد إشارة ذات أهمية كبرى في إحدى النسخ الخطية الفريدة من المؤلف التاريخي (إعلام الأعلام فيمن بويع بالخلافة قبل الاحتلام) للسان الدين ابن الخطيب أحد أعلام المفكرين في القرن الثامن الهجري، والنسخة محفوظة في خزانة جامعة القرويين بمدينة فاس، حيث ذكر عادات الأندلسيين وأهل شرق الأندلس خاصة في ذكرى مقتل الحسين عليه السلام من التمثيل بإقامة الجنائز وإنشاد المراثي. ووصف إحدى هذه المواسم وصفاً حياً شيقاً حتى ليخيل لنا أننا نرى إحياء هذه الذكرى في بلد شيعي.. وذكر أن هذه المراثي كانت تسمى الحسينية وأن المحافظة عليها بقيت ما قبل تاريخ عهد ابن الخطيب إلى أيامه. وننقل هنا بعض هذا الوصف على لسان صاحبه (ولم يزل الحزن متصلاً على الحسين عليه السلام والمآتم قائمة في البلاد يجتمع لها الناس ويحتفلون لذلك يوم قتل فيه، فكانوا على ما حدثنا شيوخنا من أهل المشرق يعني شرق الأندلس يقيمون رسم الجنازة حتى في شكل من الثياب خلف سترة في بعض البيت، ويحتفل بالأطعمة والشموع ويجلب القراء المحسنون ويوقد البخور ويتغنى بالمراثي الحسينية).

جاء في موقع شبكة الكفيل العالمية: تكملة للحلقة السابقة حول انتفاضة صفر 1977: وثائق للتاريخ: في مطلع تشرين الأول سنة 1977 كتب مدير أمن محافظة النجف الى مدير الامن العام كتابا ذكر فيه : (ادناه اسماء المجرمين الذين أعدموا في أحداث الشغب في النجف إبان زيارة الاربعين لعام 1977 واهم المعلومات عنهم وهم : يوسف ستار عبد الحسن الاسدي وناجح محمد كريم المشهداني و غازي جودي محمد خوير وكامل ناجي مالو الخالدي. وهنالك اخر صدر عليه حكم الاعدام كونه من عناصر حزب الدعوة حيث سبق واوقف لهذا السبب فضلا على أنه كان يلتزم المناسبات الدينية وهو : وهاب عزيز حميد الطالقاني). الى هنا انتهت برقية مدير الامن العام. فبحسب هذه الوثيقة يبدو ان الالتزام الديني والموقع الاجتماعي اللذين يتمتع بهما كل واحد من هؤلاء المعدومين قد اقلق مدير الامن العام فكتب الى أحد ضباطه وهو النقيب نوري احد ضباط الشعبة الخامسة في مديرية الامن العامة قوله:) اعلامنا عن كيفية التحرك على عوائل المذكورين والطريقة التي يجب اتباعها في التحرك عليهم حيث انهم من العوائل الملتزمة دينيا والتي لها ومواقع اجتماعية ويجب إعداد دراسة عنهم تتضمن ما يلي: 1-اسماء أشقاء المعدومين وأعمالهم وكذلك ذويهم. 2- المعلومات المتوفرة عن سيرة وميول وعلاقات المذكورين ووضعهم المادي. 3- تشخيص العناصر التي يخشى منها أن تستغل للإخلال بالأمن. 4-الموقف العائلي الحالي لعوائل المعدومين وذويهم من السلطة. 5- الأسلوب الافضل للتحرك لكسب المذكورين وتشخيص من يمكن الاستفادة منه. نتائج انتفاضة صفر1977م: واليك الحقائق التاريخية التي انبثقت عن انتفاضة صفر الخالدة وهي كالاتي : 1- ان الانتفاضة هي اول تحدي شعبي جماهيري عام للنظام الديكتاتوري البائد، فهي إذن حولت المواجهة مع النظام من العمل الحزبي النخبوي الى العمل الجماهيري، ولذلك فإنها المفصل في عملية التحدي والتغيير. 2- انها اول دماء تراق على الأرض في مواجهة شعبية في وضح النهار، وبذلك تكون الانتفاضة قد نقلت وقود الثورة وعملية التغيير من السجون المظلمة الى الشارع وأمام مرأى ومسمع الراي العام. 3- ولأول مرة يكتشف النظام الديكتاتوري مدى حجم الرفض الشعبي لسياساته الرعناء التي تعتمد على تكميم الافواه وعلى التضليل، فيما نبهت العراقيين كذلك الى حجم الظلم الواقع عليهم ليستعدوا لمواجهته. 4- كما أن الانتفاضة كانت سببا لوقوع الخلاف والاختلاف في صفوف النظام البائد وقياداته وازلامه، فكلنا يتذكر الموقف الانساني الذي وقفته بعض قيادات النظام آنئذ عندما رفضت التصديق على احكام الاعدام التي اصدرتها المحكمة الصورية الخاصة التي شكلها الطاغية الذليل صدام حسين شخصيا لمحاكمة من شارك في الانتفاضة، هذا الموقف الذي دفعت ثمنه تلك القيادات آجلا بالقتل بعد ان تمت تصفيتهم من قيادة الحزب الحاكم والدولة عاجلا. 5- ان انتفاضة صفر الظافرة قد كسرت حاجز الخوف للجماهير من خلال دخولهم في معركة حاسمة مع فلول النظام البعثي الكافر على طريق نجف – كربلاء والتي استمرت للايام المتتالية يوم 17و18 و19 و20 من صفر وتدمير فلول النظام الجائر . 6- كشفت القناع الاسلامي المزيف الذي كان يتقنع به الحزب الكافر. 7- بينت الانتفاضة للاستبداد عملية تلاحم الامة مع مرجعيتها في إتخاذ القرار. وفي نهاية قولنا نؤكد على أنّ انتفاضة صفر المباركة كان لها الدور الفعّال والمهم في تغّير تأريخ العراق السياسي. حيث كان لها الفضل في تعرية الحزب البعثي الكافر ومهّدت لانتفاضات ومواقف جهادية أخرى مثل انتفاضة رجب 1398هجرية وانتفاضة الخامس عشر من شعبان 1415هجرية وآخرها سقوط النظام الصدامي ونهاية عصر الطواغيت في العراق. كما اكتشف النظام بالانتفاضة ان كل اساليبه التي تعتمد الدعاية والتضليل لم تمض بالعراقيين الذين اثبتوا بانهم على وعي كامل بما يحيكه النظام من سياسات ظالمة يراد بها اسكات الصوت الحر لهذا الشعب الابي. ولولا تلك التضحيات الجسام التي قدمها العراقيون على طريق ذكرى واقعة الطف العظيمة، لما شاهدنا اليوم كل هذا الزحف المليوني الى مرقد سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام في كربلاء المقدسة، فالدماء والتضحيات الجسام التي قدمت في تلك الانتفاضة نلمس ثمراتها اليوم ونحن نعيش عصر الديمقراطية في العراق فالدستور العراقي الجديد كتبه المخلصون بدماء اولئك الابطال الذين لازالت اصواتهم الى يومنا هذا تصرخ (يحسين بضمايرنه …صحنا بيك امنا). إنه الثمن الذي لابد ان يدفعه اي شعب ينشد العيش بحرية وكرامة، وصدق الشاعر عندما قال: لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى حتى يراق على جوانبه الدم.

جاء في مجلة النبأ عن أكلة أيام محرم وصفر: في سياق المراسيم الحسينية التي تقام كل عام في العراق، مثل بناء السرداق والخيم، وتهيئة الزنجيل والطبول الكبيرة والرايات والأعلام ومكبرات الصوت، وما الى ذلك من الترتيبات الاخرى، يجهد المشاركون في تلك الشعائر المقدسة في خدمة الوافدين والمقيمين على حد سواء، عادون ذلك اسوة تصاحب المراسيم، املا في الأجر والثواب. الا ان هناك علامة فارقة تختص بها الشعائر في نوع الاطعمة التي تقدم في هذه المناسبة، وقد اشتهرت كطعام رديف يفرق على حشود المشاركين في الشعائر، وهي اكلة القيمة والرز، وعي عبارة عن غموس يوضع فوق الرز فقط. القائم على موكب عزاء النهضة الحسينية، والذي تأسس في العام 1974 على يده والده محمد خنجر الكعبي بحسب قوله، يؤكد على كون اكلة القيمة تعتبر من الاكلات الرئيسية والاساسية التي تقدم للزوار بالإضافة الى بعض الاكلات التي تقدم لكن بشكل نادر، مثل البرياني والتشريب واكلات اخرى. ويقول الكعبي، (اعتقد بان اكلة القيمة لها مدلولات وأبعاد نفسية وايمانية، خصوصا أن عملية تجهيز وإعداد هذه الوجبة قد يستمر لخمسة ساعات او اكثر، وهي متعبة ومجهدة، قياسا بإعداد وجبات الطعام اخرى. من جملة المواد والحبوب الغذائية التي تتضمن اعدادها، هي الحمص واللحم، على اعتبارهما المادة الاساسية لإعداد هذه الوجبة، بالإضافة الى السمن والبصل ومادة معجون الطماطم والنومي بصره المطحون والبهارات الخاصة. فيما يعتبر الحاج على محمد عباس الخفاجي الملقب أبو أحسان ان اكلة القيمة هي من الاكلات المحببة والمفضلة لدى الزوار والمشاركين في العزاء الحسيني، الا ان تلك الاكلة المشهورة في المناسبات الدينية لها عدة اصناف، توجد القيمة الكربلائية والقيمة النجفية، بالإضافة إلى القيمة الايرانية. الا ان ما يميز القيمة العراقية بشكل عام هو كثافتها وجودة طهويها، وتعد من اهم الاكلات للموروث الشعبي.) في حين يرى البعض ان تناول القيمة لها أبعاد روحية ونفسية تساعد على الشفاف والوقاية من الامراض، فيرى الشاب حسين كاظم محمد محسن أن تناول القيمة مبارك وشفاء للابدان، فيقول، هناك العديد ممن يتناولون تلك الاكلة لغرض الاستشفاء من بعض الامراض او طلب المراد ايضا، حيث يقترن تناولها في بعض الاحيان بالنذور. الى ذلك يوضح عدنان صاحب وهو مسؤول موكب ولاية علي عليه السلام في وسط مدينة كربلاء المقدسة، الى كون التسمية تتأتى من ما يحتويه الغموس، أي قيمة المواد الداخلة في اعدادها، فيقول، (نظرا الى كثرة المواد التي تدخل في إعداد القيمة جاءت التسمية كمدلول على تكلفتها بالاضافة الى قيمتها الروحية، كونها توزع في سبيل تفريقها في عاشوراء والمناسبات والشعائر الحسينية بشكل خاص. يشكل اللحم نسبة عالية في القيمة حيث يهرس مع البقوليات والحبوب المضافة، وهي ذات طعم شهي. نلاحظ ان الزوار العرب والأجانب يتنافسون للحصول على طبق منها، وبعضهم يحتفظ بكمية منها مجمدة، لكي يفرقها بين اهله والاصدقاء بعد عودة من زيارة الامام الحسين عليه السلام، للتبرك وطلب المراد).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close