بمناسبة زيارة اربعين الحسين عليه السلام: الفرق بين النظام السابق والحالي (ح 7)

الدكتور فاضل حسن شريف

ففي المستدرك بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحسين وهو مقبل في حجره وقال: (أن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا). يروى أن الامام السجاد عليه السلام ما يقدم له من طعام وشراب إلا وبكى على أبيه الحسين عليه السلام. كان الإمام زين العابدين عليه السلام عند مروره في سوق القصابين يذكرهم بمصاب أبيه الحسين عليه السلام. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: أنه قال لفضيل: (تجلسون وتتحدثون.؟. قال: نعم جعلت فداك. قال: أن تلك المجالس احبها فأحيوا أمرنا يا فضيل. فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر).

جاء في معالي السمطين ج 1 ص 311: أن الحسين عليه السلام قال لأصحابه: (ألا ومن كان في رحله إمرأة فلينصرف بها الى أهلها) فقام علي بن مظاهر الأسدي وقال: ولماذا يا سيدي؟ فقال عليه السلام: إن نسائي ستسبى بعد قتلي وأخاف على نسائكم من السبي فمضى علي الى خيمته وأخبر زوجته بذلك فقالت له: وما تريد أن تصنع؟ قال: قومي حتى ألحقك بأهلك فقالت له: لا والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء فرجع علي وهو يقول للحسين عليه السلام: أبت الاسدية إلا مواساتكم فجزاهم الحسين عليه السلام خيراً. لقد غمر حب الحسين جميع أهل هذا البيت الاسدي الطاهر وعلى رأسهم حبيب، أمتاز حبيب بمزايا قل نظيرها عند غيره من الرجال فالوفاء والبصيرة واليقين والحلم والكرم والعلم والشرف وكرم الاصل والنفس والعفة والشجاعة والزهد وغيرها من الصفات العظيمة، التي أمتاز بها حبيب هي التي جعلته محل ثقة مولاه أمير المؤمنين عليه السلام فخصه بعلم خاص لم يخصه سوى الصفوة المختارة من أصحابه وهو علم المغيبات.

الإمام زين العابدين عليه السلام عندما دخل ركب السبايا إلى المدينة طلب من بشر بن حذلم أن ينعى الامام الحسين عليه السلام لاهل المدينه فقال له: ادخل المدينة وانع أبا عبدالله عليه السلام قال بشر :فركبت فرسي فلما بلغت مسجد النبي ص رفعت صوتي بالبكاء وانشأت اقول: يا اهل يثرب لامقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منه على القناة يدار. عن ملحمة الطف يقول السيد الحميري: أمرر على جدث الحسين وقل لأعظمه الزكية * يا اعظما لازلت من وطفاء ساكبة روية * مالذ عيش بعد رضك بالجياد الاعوجيه قبر تضمن طيبا آباؤه خير البرية * آباؤه اهل الرياسة والخلافة والوصية * وَالخَيرِ والشِّيــــمِ المهذَّبـــةِ المَطيّبةِ الرّضيّه. من قصائد عبد الرزاق عبد الواحد، ومنها ألواح الدم التي يستدعي فيها الحسين ويجعله نداءاً عظيماً يهتف به: يا حسين * إن للصمت في أرضنا آيتين * أن يكون كريماً، عظيماً، رحيماً، كصمتك * ممتلئاً بالمروءة، ممتلئاً بالنبوة، ممتلئاً بالنشوز * غبشاً يتوسط بين انتهاء الحياة وبدء القيامة * وعليه علامة * انه مفعم بالحضور أو يكون كصمت القبور.

يسمى يوم عاشوراء في العراق بيوم الطبگ أي اليوم الذي انطبقت فيه السماء على الأرض على أثر استشهاد الإمام الحسين في كربلاء. في العاشر من محرم (353هـ – 963م) جرت ولأول مرة احتفالات فريدة في بغداد في ذكرى استشهاد الإمام الحسين حيث أغلقت الأسواق وسارت النادبات في شوارع بغداد وقد سودن وجوههن وحللن شعورهن ومزقن ثيابهن وهن يلطمن وجوههن ويرددن مرثية حزينة. وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن الشيعة كانوا يلبسون السواد، وقد زاروا قبر الحسين في كربلاء. وفي كربلاء خرجت النساء ليلاً وخرج الرجال نهاراً حاسري الرؤوس حفاة الأقدام لمواساة الحسين. وبحسب ابن الجوزي ، كان معز الدولة البويهي قد أمر بغلق الأسواق، حيث عطل القصابون أعمالهم، وتوقف الطباخون عن الطبخ، وفرغت الأحواض والصهاريج مما فيها من الماء، ووضعت الجرار مغلقة باللباد في الشوارع والطرق لسقي عابر السبيل والعطشان ، وكانت النسوة يمشين بشعور منثورة وأوجه مسودة وملابس ممزقة، يلطمن ويولولن حزناً على الحسين الشهيد. من خلال تلك الأحداث التي رواها المؤرخون يمكن أن نعد فترة الحكم البويهي في العراق، من أهم الفترات في تاريخ نشوء وتطور الشعائر الحسينية. أما (الشكل الشائع لعاشوراء على النحو المعروف لنا في الوقت الحاضر أي رواية سيرة الحسين في محافل شعبية فتعود جذوره على الأرجح إلى القرن العاشر للهجرة / السادس عشر للميلاد، عندما اعتلى الصفويون سدة الحكم في إيران، واتخذوا من التشيع عقيدة رسمية لدولتهم. وكان لهم دور في انتقالها إلى الهند وأذربيجان التركية والأناضول وبعض مناطق سيبيريا. ومع الوقت، تطورت هذه الشعائر بنوعيها المعروفين لنا في الوقت الحاضر، أي رواية سيرة الشهيد مسرحة في تجمعات شعبية حافلة تليها المواكب، وكانت حصيلة الدمج بين هذين النمطين في إيران إبان القرن الثامن عشر، ولادة ما يعرف في هذا البلد بمسرح التعزية.

في باكستان، فقد بدأت مجالس العزاء الحسيني في القرن الرابع عشر الميلادي، وخصوصاً في منطقة بلتستان المعروفة باسم التبت الصغرى حيث أقيمت الحسينيات في كل بقعة من بقاعها وتسمى هناك مأتم سرائي ويسمى القارئ سوز خوان وأكثر ما تبدأ المجالس بعد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله بقراءة شيء من شعر الشاعر الإيراني الشهير وصال. ويعرض الشعراء في مراثيهم لصبر الحسين عليه السلام وأصحابه وثباتهم وتبيان مبادئهم وأثر المأساة في النفوس الإنسانية السليمة. كما أن المرثية على العموم تبدأ أول ما تبدأ بأبيات تمهيدية في وصف الدنيا وغدرها، ثم في عرض موقف من مواقف كربلاء. ومن أكبر وأهم مواكب العزاء في باكستان هو موكب الزناجيل الذي يتكون من مجموعات عديدة، كل فرد منهم يحمل في يده مجموعة من السلاسل الصغيرة التي تنتهي بسكاكين حادة الجانبين.. وعلى صوت النوحخان يضرب حاملو السلاسل الحديدية على ظهورهم وتسيل منها الدماء.. وترفع في بداية المواكب أعلام عديدة وملونة. ومن أهم تلك الأعلام راية العباس وهو علم أخضر اللون يرفع عالياً في المواكب أو الإمام برا وقد كتب عليه يا عباس.

أما في الهند فيتفق أغلب المؤرخين على أن بداية الاحتفالات بذكرى استشهاد الحسين في الهند تعود إلى زمن تأسيس الدولة المغولية في بداية القرن السابع عشر. وكانت في البدء على شكل مجالس عزاء نوحخاني) وروضخاني. وإلى جانب نوحخان وروضخان هناك مراسيم وشعائر وطقوس أخرى يدعوها الهنود بـزيارت وهي مواكب عزاء وعروض مسرحية شعبية بسيطة تقام بصورة خاصة، يوم عاشوراء ويوم الأربعين، حيث ينصب مسرح شعبي يبنى من خشب البامبو، وتنصب أمامه أعلام كثيرة وبأشكال وألوان مختلفة ترمز إلى رايات الحسين وأهل البيت.. وقد يوضع أحياناً كف ذهبية أو نحاسية تدعى پنجه وترمز هذه الكف إلى يد العباس بن علي الذي قطعت يداه حينما ذهب لجلب الماء من نهر الفرات. وهناك الضريح وهو حجرة صغيرة لها قبة مدورة، وترمز إلى القاسم بن الحسن. ثم يأتي فرس الحسين المدعو ذو جناح وهو أبيض اللون ذو سرج ثمين وملون بألوان زاهية. وخلال الاحتفالات بعاشوراء تقدم تبريكات وهي أنواع من المأكولات والمشروبات الباردة التي توزع على الناس مجاناً.. ويحمل الضريح في موكب يخترق شارع المدينة الرئيسي مع مجموعة من الخيول المطهمة والأعلام السوداء ومجموعات من الجنود.. وفي المساء تقام مجالس التعزية في الحسينيات إمام برا ويتبعها عزاء الزناجيل شيني زاني ثم عزاء الغرباء شامة غريبان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close