مظلوميّة الشّيعة: حقيقة أم ذريعة للسّلطة؟ (2)

حميد الكفائي*

لم يكن الشيعة طوال تاريخهم طائفةً هامشية، كي يقال الآن إنها استعادت حقوقها المغصوبة على أيدي جماعة لم تنجز شيئاً سوى لنفر من قادتها، بل كانوا في مركز الحوادث، وقد أبدعوا وابتكروا وحكموا في العراق وإيران وسوريا ومصر والمغرب واليمن والهند وباكستان وتركيا وأذربيجان، في فترات مختلفة من التاريخ، وكانوا منسجمين مع باقي المذاهب الإسلامية، ومتحالفين معها.

وكان الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، من أشد المدافعين عن الإمام زيد بن علي، وكان لا يتردد في الذهاب إلى مجلس الإمام جعفر الصادق والتعلم منه، وكان الإمام الصادق يفعل الشيء نفسه ويتردد على مجلس أبو حنيفة. والصادق وزيد هما أبرز إمامين لمذهبين شيعيين لهما أتباع كثيرون هذا العصر، بل تَسَمّى المذهبان باسميهما، الجعفري والزيدي.

مؤسس دولة باكستان، محمد علي جناح، شيعي، وكان أول رئيس لهذا البلد الكبير ذي الغالبية السنية، ولم يتحسس منه السنّة لأنه شيعي، ولم يلتف حوله الشيعة لأسباب طائفية، بل لأسباب وطنية وإسلامية عامة. وكان شيعة باكستان يؤيدون بقوة رئيس الوزراء السنّي، ذو الفقار علي بوتو، وابنته الراحلة بي نظير بوتو، التي أخبرتني في لقائي الأخير معها عام 2007 في برنامج “زمن السؤال”، الذي تبثه “بي بي سي”، أن شيعة باكستان يؤيدون حزب الشعب الذي أسسه والدها، “وأن بعضهم يعتقد أننا شيعة لأننا لا نفرق بين أبناء الشعب على أسس طائفية، وكذلك بسبب اسم أبي الذي يبدو شيعياً”.

إمام اليمن، حميد الدين، شيعي، والدولة الفاطمية في مصر شيعية، والأدارسة في المغرب شيعة، والدولة الحمدانية في سوريا شيعية، وكان فحول الشعراء العرب، وأولهم المتنبي، يتغنون بقائدها الشهير سيف الدولة. كما حكم الشيعة عدداً من الولايات الهندية، ومنهم عائلة النوّاب التي استمدت اسمها من عنوانها الوظيفي “النواب” أي نائب الملك.

أما العراق فقد حكمه شيعة في فترات مختلفة، وأبرز تلك الفترات كانت فترة حكم البويهيين، أيام الخليفة العباسي المستكفي، منذ عام 945م ولمدة قرن كامل، إذ تحول الخليفة العباسي في عهدهم إلى مجرد دمية بأيديهم. وقد تولى السلطة الفعلية حكام شيعة أقوياء، كالصاحب بن عباد، الذي اشتهر بتمييزه بين الناس في التوظيف على أسس طائفية، وقد كتب ذات مرة إلى أحد ولاته “مَن نظر إلى دينه نظرنا إلى دنياه، فإن آثرت العدل والتوحيد، بسطنا لك الفضل والتمهيد، وإن أقمت على الجبر فليس لكسرك من جبر”، (الثعالبي – “يتيمة الدهر في محاسن العصر”/ ج3، ص201).

وكما هو معروف، فإن “العدل والتوحيد” هما من أصول الدين الخمسة عند الشيعة، إلى جانب النبوة والإمامة والمعاد، وكأن الصاحب بن عباد يقول صراحة إنه يبسط الفضل والتمهيد لمن يعتبر “العدل والتوحيد” أصلين من أصول الدين، أي من يتبع مذهبه فقط، وهذا واضح أيضاً في قوله “من نظر إلى دينه نظرنا إلى دنياه”، أي أنه يساعد فقط من يتوافق مع دينه.

وفي عصر المأمون كان الشيعة حكاماً، وكان ولي عهد الخليفة العباسي، الإمام الثامن عند الشيعة الإمامية، علي بن موسى الرضا، المدفون الآن في مدينة مشهد الإيرانية.

الشريف الرضي، أحد زعماء الشيعة وفقهائهم وشعرائهم في العصر العباسي، كان يقرن نفسه بالخليفة من دون خوف، وقد خاطب الخليفة الطائع لله بقصيدة مثبتة في ديوانه، جاء فيها:

عطفاً أميرَ المؤمنين فإننا في دوحة العلياء لا نتفرقُ
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ أبداً كلانا في المعالي معرقُ
إلا الخلافةَ ميزتك فإنني أنا عاطلٌ منها وأنت مطوقُ
(“الديوان”، ج1، ص 42)

والدولة الصفوية الشيعية حكمت إيران والعراق وأفغانستان وأذربيجان وأجزاء من تركيا وجورجيا وأرمينيا من مطلع القرن السادس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وكانت دولة غاشمة تقسر الناس على اعتناق المذهب بالقوة. وفي العهد العثماني الأول كان الحكام العثمانيون يتبعون المذهب البكداشي، وهو مذهب صوفي قريب من الشيعة، بل وحتى في العهد العثماني السني اللاحق، فقد تولى حكم بغداد قادة شيعة، منهم الوالي علي رضا، الذي أدخل العزاء الحسيني إلى العراق، وكان يقيم المجالس الحسينية في بغداد ويبكي فيها بكاءً عميقاً، حسبما ذكر العلامة الدكتور علي الوردي في كتابه السفر “لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث”.

وخلال العهد العثماني، لم يكن الحكم دينياً رغم ظاهره الديني، ولم يكن مركزياً، بل كانت هناك مشايخ وإمارات شيعية في معظم مناطق العراق، وهي مرتبطة بالدولة العثمانية من حيث إنها تدفع لها الضرائب، لكنها تحكم رعاياها الشيعة من دون العودة إلى الأستانة، وفي كل الأحوال فإن الحكم لم يكن سنياً بحتاً.

مصاعب الشيعة بدأت عندما قرر قادتهم الدينيون (الإيرانيون) الاصطفاف مع الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، فأعلنوا الجهاد وذهب آلاف الشيعة للقتال مع العثمانيين بقيادة جاويد باشا في الشعيبة جنوب العراق، فقتل معظمهم في حرب كان واضحاً أنها خاسرة، وقد عُزل على إثرها جاويد باشا وعُيِّن محله سليمان باشا عسكري، الذي بدأ المعركة مع الإنكليز بقتل قاضي البصرة العراقي، معتبراً إياه خائناً، وواصل الحرب مستعيناً بالمحاربين الشيعة بقيادة مهدي الحيدري، الذين رجَّحوا كفة العثمانيين في الحرب وأجبروا الإنكليز على الانسحاب موقتاً.

وقد قُتل في تلك المعركة وحدها 3 آلاف منهم (“لمحات”، ج4، ص176). وفي النهاية اندحر سليمان باشا العسكري ثم انتحر، وحل محله نور الدين بك، وهكذا حتى انتهت الحرب بتقسيم ممتلكات الدولة العثمانية. كان واضحاً أن المعركة خاسرة، لكن بسطاء الشيعة استجابوا لنداء مراجعهم الدينيين – وكان معظمهم إيرانيين – الذين أفتوا بالجهاد، وقد دفع الشيعة الثمن غالياً.

والمصيبة الأكبر من فاجعة الهزيمة والمجازر المتتالية التي لحقت بهم، أن قادة الشيعة الدينيين، وحلفاءهم من شيوخ العشائر، واصلوا معارضتهم وحربهم على بريطانيا حتى بعد انتصار الحلفاء، امتثالاً لتوجيهات المرجع الشيعي الميرزا محمد تقي الشيرازي، الذي انتقل لأسباب غامضة من سامراء إلى كربلاء ليكون مرجعاً موازياً للمرجع الأعلى آنذاك السيد كاظم اليزدي، الذي عُرِف بالعقلانية والتسامح والميل نحو الهدوء والسلام، فأشعلوا ثورة العشرين ضد بريطانيا التي انطلقت من الرميثة وراح ضحيتها الآلاف، إذ بقيت العشائر هناك تحارب حتى بعد استسلام المناطق الأخرى، ولم تهدأ المعارك إلا بعد مفاوضات ووعود بتأسيس الدولة.

وقد ذهب سادة العشائر العربية الشيعية وشيوخها، وبينهم نور الياسري وعلوان الياسري وگاطع العوادي وهادي المگوطر ومحسن أبو طبيخ ومرزوق العواد وصلال الموح ومهدي الفاضل وشعلان الجبر، إلى مكة وطلبوا من الشريف حسين أن يرسل أحد أبنائه ليكون ملكاً على العراق.

وقبلهم ذهب وفد من أهالي بغداد برئاسة جعفر أبو التمن، الذي كان أول من أبرق إلى رفاقه في بغداد بمغادرة الأمير فيصل مكة إلى العراق قائلاً: “سمو الأمير فيصل أبحر اليوم إلى البصرة. أعدوا له الاستقبال اللائق” (علي الوردي – “لمحات” – ج6، ص83).

وكان قادة الشيعة ورجال الدين يحثّون الناس على مبايعة الأمير فيصل. وبين من حث الناس على إرسال برقيات المطالبة بتولية الأمير فيصل عرش العراق، إلى والده الشريف الحسين، السيد محمد مهدي الصدر والمرجع الشيعي المعارض للإنكليز محمد مهدي الخالصي (“لمحات”، ج6، ص73).

زعماء الشيعة، الدينيون والعشائريون والمدنيون، هم من أتوا بالأمير فيصل إلى عرش العراق، أما زعماء السنّة، عبد الرحمن النقيب في بغداد، وطالب النقيب في البصرة وآخرون كثيرون، بينهم الشاعر معروف الرصافي، فقد كانوا معارضين لتولي فيصل عرش العراق، مفضلين أن يكون الملك عراقياً. طالب النقيب رشح نفسه لعرش العراق، وكان يحظى بتأييد الشيخ محمد أمير ربيعة، والشيخ سالم الخيون، شيخ عشيرة بني أسد، (“لمحات”، ج6، ص65)، لكنه لم يحسن التصرف إذ كان يهدد الإنكليز بالقوة العسكرية، ما دفعهم إلى نفيه إلى سيلان.

الشيعي الوحيد الذي رشح نفسه لعرش العراق هو الشيخ خزعل الكعبي، أمير المحمرة، التي كانت جزءاً من العراق حينها، وكان معتمده في بغداد مزاحم الأمين الباجة جي، وهو سنّي، وقد أصبح رئيساً لوزراء العراق في العهد الملكي، وتولى نجله عدنان، منصب وزير الخارجية في العهد الجمهوري وصار رئيساً لمجلس الحكم عام 2004. وقد اعتمد الشيخ خزعل على رجل دين شيعي كي يروّج له في النجف وأعطاه مبلغ عشرين ألف ليرة ذهباً، وكان مبلغاً كبيراً حينها، لكنه احتفظ بالمبلغ ولم يروّج له، ما اضطر خزعل إلى سحب ترشيحه وتأييد الملك فيصل (“لمحات”، ج6، ص 79).

من الواضح أن الشيعة لم يكونوا مظلومين مطلقاً، بل متنفذين، فمرشحهم للعرش أصبح ملكاً، وحتى المرشحون الآخرون للعرش مثل طالب النقيب، تبناهم وأيدهم شيوخ عشائر شيعية كبيرة، مثل ربيعة وبني أسد. أما الشيعي الوحيد المرشح للعرش، والمؤهل له اجتماعياً، باعتباره أميراً وحاكماً، فقد أيده السنّة من دون حرج، وكان مزاحم الباجة جي يخاطبه “حضرة السردار المعظم، بعد التشرف بلثم أناملكم الشريفة”، ويختتم رسائله بـ”العبد المخلص الصادق لسموكم أطال الله بقاءكم ومتعنا بعمركم وجعلكم لي فخراً وذخراً”، بينما غدر به معتمده، رجل الدين الشيعي، بعدما أخذ ماله!

للحديث بقية.

*كاتب عراقي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close