القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٠٢

ضياء الشكرجي

[email protected]

ما كانَ إبراهيمُ يَهودِيًّا وَّلا نَصرانِيًّا وَّلاكِن كانَ حَنيفًا مُّسلِمًا وَّما كانَ مِنَ المُشرِكينَ (٦٧)

كما لم يكن إبراهيم – مع فرض وجوده – مسلما بالمعنى الخاص، أي منتميا لدين محمد.

إِنَّ أَولَى النّاسِ بِإبراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعوهُ وَهاذَا النَّبِيُ وَالَّذينَ آمَنوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤمِنينَ (٦٨)

كل دين يحتكر لنفسه ملكية الحق والهدى والصراط المستقيم والنجاة والجنة، كما ويحتكر لنفسه فيما يحتكر ملكية إبراهيم، فاليهود على سبيل المثال هم أيضا يعتقدون أو يدّعون أنهم أولى الناس بإبراهيم وموسى ويعقوب وإسحاق وداوود وسليمان وباقي مسلسل الأنبياء قبل عيسى ومحمد.

وَدَّت طّائِفَةٌ مِّن أَهلِ الكِتابِ لَو يُضِلّونَكُم وَما يُضِلّونَ إِلّا أَنفُسَهُم وَما يَشعُرونَ (٦٩)

وكذلك ودّ المسلمون لو يضلون اليهود والمسيحيين والحنفاء والزرادشتيين والإيزيديين والمندائيين ليتبعوا دينهم ونبيهم وقرآنهم، وهم أيضا يمكن أن يقال عنهم أنهم بذلك لا يضلون إلا أنفسهم، وكل هدى يدعو أي دين إليه، ما هو إلا دعوة للتحول من ضلال إلى ضلال آخر.

يا أَهلَ الكِتابِ لِمَ تَكفُرونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنتُم تَشهَدونَ (٧٠) يا أَهلَ الكِتابِ لِمَ تَلبِسونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وَتَكتُمونَ الحَقَّ وَأَنتُم تَعلَمونَ (٧١)

وهكذا يمكن أن يقول المسيحيون للمسلمين لم تكفرون بآيات الله وتنكرون حقيقة أن المسيح ابن الله، وتنكرون صلبه، وتنكرون قيامته بعد صلبه ودفنه، وتنكرون أن الله تجسد في ابنه اليسوع، وكذلك يمكن للمسيحيين ولليهود وأتباع الديانات الأخرى، ويمكن للمؤمنين بالله دون الإيمان بأي دين أن يقولوا عن المسلمين أنهم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون. أكثر أتباع الديانات يرثون انتماءهم وإيمانهم بدينهم وثوابته وضروراته ولوازمه ومحرماته ومباحاته وفرائضه عن آبائهم. أكثرهم يرون الحق فيما عندهم، وليسوا من الذين يعلمون أن من الحق ما هو عند غيرهم، ومع هذا يصرون على اتباع الباطل وهم يعلمون، فلم لا يترك كل على عقائده وقناعاته بشرط قبول الناس لبعضهم الآخر واستعدادهم للتعايش مع مخالفيهم في العقيدة بسلام ومحبة وعلى قاعدتي المثل الإنسانية والمبادئ العقلانية؟

وَقالَت طّائِفَةٌ مِّن أَهلِ الكِتابِ آمِنوا بِالَّذي أُنزِلَ عَلَى الَّذينَ آمَنوا وَجهَ النَّهارِ وَاكفُروا آخِرَهُ لَعَلَّهُم يَرجِعونَ (٧٢)

وهكذا يسلك الكثير من المسلمين، لاسيما الإسلاميين، فكأنهم يقولون لبعضهم البعض: آمنوا وجه النهار بالديمقراطية والدولة المدنية وحقوق الإنسان والحريات ومساواة المرأة بالرجل ومساواة غير المسلم بالمسلم في المواطنة، واكفروا بكل ذلك وغيره آخر النهار، لعلكم تحققون أهدافكم في إقامة الدولة الدينية (الإسلامية) فتقمعوا الحريات كما تظنون أن الله يأمركم بذلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وَلا تُؤمِنوا إِلّا لِمَن تَبِعَ دينَكُم قُل إِنَّ الهُدى هُدَى اللهِ أَن يُؤتى أَحَدٌ مِّثلَ ما أوتيتُم أَو يُحاجّوكُم عِندَ رَبِّكُم قُل إِنَّ الفَضلَ بيدِ اللهِ يُؤتيهِ مَن يَّشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليمٌ (٧٣)

وهنا أيضا يقال لم تنهون الآخرين عن فعل أنتم فاعلوه، فأنتم أيضا لا تعترفون إلا بمن اتبع دينكم، بل هكذا تتصرفون تجاه بعضكم البعض، فيما تختلفون فيه بمذاهبكم وفرقكم، وهكذا هو شأن كل أتباع دين فيما بينهم، حتى أن كلا منهم أراق دماء بعضه البعض أحيانا كثيرة أكثر مما أراق دماء أتباع دين آخر.

يَختَصُّ بِرَحمَتِهِ مَن يَّشاءُ وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ (٧٤)

الله يتعالى عن أن يختصّ أتباع دين برحمته دون أتباع الأديان والعقائد الأخرى، بل يتعالى عن أن يختص برحمته المؤمنين به دون غير المؤمنين. فإذا كان هناك ثمة اختصاص، فليس في ضوء ما ينتمي إليه الناس من أديان ومذاهب وعقائد، بل بمقدار ما يتحلى كل منهم بالنزعة الإنسانية ويتحلى بالأخلاق السامية.

وَمِن أَهلِ الكِتابِ مَن إِن تَأمَنهُ بِقِنطارٍ يُّؤَدِّهِ إِلَيكَ وَمِنهُم مَّن إِن تَأمَنهُ بِدينارٍ لّا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إِلّا ما دُمتَ عَلَيهِ قائِمًا ذالِكَ بِأَنَّهُم قالوا لَيسَ عَلَينا فِي الأُمّيينَ سَبيلٌ وَّيَقولونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُم يَعلَمونَ (٧٥)

وكم رأينا من مسلمين متدينين يفهمون إن من لوازم دينهم وتدينهم وتقواهم ألا تكون حرمة لمال أتباع الديانات والعقائد الأخرى من «الَّذينَ كَفَروا» أي لم يؤمنوا بما آمنوا هم به، وهكذا هو الأمر مع حرمة الدماء وحرمة الكرامة وغيرها من الحرمات، فلا حرمة على اليهودي من مال وكرامة ودماء إلا لليهودي، كما ولا حرمة على المسلم من مال وكرامة ودماء إلا للمسلم. فكما يقول هؤلاء حسب هذه الآية «لَيسَ عَلَينا فِي الأُمّيينَ سَبيلٌ»، أي إنهم ليسوا مسؤولين أمام الله بالوفاء للمسلمين أو غيرهم من غير أتباع دينهم، ومثل هذا يفكر ويتصرف مسلمون تجاه غير المسلمين، ولسان حالهم يقول «لَيسَ عَلَينا فِي غَيرِ المُسلِمينَ سَبيلٌ»، وتشابهت أقوالهم وطرق تفكيرهم. ولذا وجدنا الكثير من اللاجئين أو المهاجرين إلى بلاد (الكفر) من المسلمين المتدينين جدا، يرون ألا حرمة لسرقة (الكافر)، أو الكذب عليه، أو غشه والاحتيال عليه.

بَلى مَن أَوفى بِعَهدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقينَ (٧٦)

هنا تدارك واستثناء من الحالات التي ذكرت في الآية السابقة لسلوكيات أهل الكتاب (أي اليهود والمسيحيين)، مع فرض إن المقصود بهم هم يهود ومسيحيو الجزيرة في زمن محمد، ربما وبدون التعميم. المستثنون من أولئك الذين نقدت الآية السابقة سلوكهم هم كل «مَن أَوفى بِعَهدِهِ وَاتَّقى»؛ إذن هناك صفتان تخرجان هؤلاء من الحالة المدانة في الآية السابقة، هما الوفاء بالعهد، والتقوى، والصفة الثانية هي الأهم، إذ استحقت أن يحظى المتحلون بها بمحبة الله لهم، بقول «فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقينَ». إذا فهمنا التقوى بمعنى الاستقامة، فنعم المعنى، ولكننا عندما نعلم إن التقوى لا تتحقق إلا بالإتيان بما أوجبه الله، والانتهاء عما حرمه الله، وعندما نعلم إن ما فرضه الله وما نهى عنه حسب عقيدة الإسلام هو ما أوجبه الإسلام من فرائض، وما نهى عنه من محرمات، وحيث إن هذا لا يكون، إلا باعتناق المرء للإسلام، نخرج بنتيجة أن المستثنى من الذم الوارد في الآية السابقة والمستحق للمدح في هذه التي تليها من أهل الكتاب، هم فقط الذين تحولوا من دينهم الكتابي السابق إلى الدين الجديد، أي الإسلام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close