الوطن ليس لعبة تنتقل من يد لأخرى …. والوطنية ليست وجهة نظر

د كرار حيدر الموسوي 

لقد دفع العراق ثمنا غاليا ولا زال يدفعه نتيجة الأحتلال الأمريكي والأحتلال الإيراني ووصول عناصر نهبت البلاد والعباد الذي ترك يعيش تحت خط الفقر وقامت بنشر الطائفية والتخلف المذهبي بين أوساطه .

ما زالت ملفات الفساد في العراق، تشكل التحدي الأكبر أمام الحكومات التي تشكلت عقب الغزو الأمريكي للبلد في 2003، حيث ذهبت مليارات الدولارات من أموال العراقيين إلى جيوب الفاسدين.

أن رجال الدين الذين يقبلون على أنفسهم استباحة أملاك الدولة وهي شرعا وقانونا أملاك عامة للشعب وليست كما يدعون بأنها أملاك مجهولة المالك، فهم يتبعون نهجا مخالفا للدين والمذهب الذي لم يصرح لهم بالتجاوز على أملاك الغير.

لكن ما يجري في الحلقات الدينية من طروحات من قبل المعلمين بخصوص ترخيص الاستيلاء على الأموال مجهولة المالك تناقض ما ينشر على لسان المراجع على مواقع الفتاوى، فتشريع مثل هذه الأمور يعود بالسبب الرئيسي إلى أن المرجع أو الولي الفقيه يعتبر نفسه هو الحاكم الشرعي وله الحق في أموال الدولة

التعاون مع العدو خيانة… ويبدو أن لا تاريخ محدد لها، فهي قديمة كالدعارة كأقدم مهنة في التاريخ. ولتكتمل الحلقة … هناك مخلصون يفتتدون أوطانهم يقدمون على الموت بسرور، وهناك ساكتون عن الحق وهم كشيطان أخرس، ولكنهم يخرجون من جحورهم ويحتفلون مع المنتصر.. وهناك سفلة وساقطون في قاع المجتمع، وعبر التاريخ يحاولون إيجاد تبريرا لخيانتهم، فمنهم من يقول أرغمت، ومن يقول غرر بي فخدعت، وهناك من يقول الخوف دفعني، وهناك أيضا ربما من يفلسف هزيمته وسقوطه فيقول أنا أردت إنقاذ ما تبقى… وأي كان ادعاء المتعاون فسوف يلصق به ما لا يمكن مسحه أو غسله بكل مياه بحار العالم … الخيانة العظمى …

المتعاون مع العدو هو من يرتكب كبرى الجرائم التي يطلق عليها في القانون ” الخيانة العظمى “. والخيانة العظمى هي الفقرة الأكثر سواداً، يوجه فيها الادعاء العام أقصى العقوبات، ويلحق العار بمرتكب هذه الجريمة، وللأسف بالأبرياء من عائلته، ممن يحملون لقب العائلة. وفي أوربا يستبدل أقارب وذوي معظم من يدانون بهذه الجريمة الشنعاء، يستبدلون أسمائهم(يجيز لهم القانون ذلك)، تهرباً من نظرات الإدانة، أو ربما الخزي والعار، وربما حتى ممن يشفق على أولئك الأبرياء الذين لا ذنب ولا جريرة فيما أرتكب أبائهم أو أقربائهم.

المتعاون مع العدو خائن ولكن ليس كأي خيانة، ففي اللغات اللاتينية (الإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها) تطلق كلمة ومصطلح خاص (Collaboration) ، فيما نطلق باللغة العربية كلمة خائن بصفة عامة على خائن الأمانة، أو خائن العهود والخائن بصفة عامة، وحتى في الخيانة الزوجية. فيما نجد أن اللفظة اللاتينية هي أدق وأكثر تحديداً، بالمتعاون (Collaborator) لفظة تطلق على حصراً على الخائن المتعاون مع العدو

ولكن جرائم التعاون مع العدو، والعدو هو الطرف الذي أشهر العداء للوطن، والبلاد معها في حالة حرب فعلية معلنة، وتدور عمليات حربية، أو أحتل العدو البلاد أو جزءاً منها، وحتى في حالة وجود هدنة لا تلغي حالة العداء. والمتعاون قد أبدى أي نوع من أنواع التعامل من خلال تعاون متعدد الصنوف تؤدي لمصلحة العدو، لقاء فائدة مادية أو معنوية يتلقاها المتعاون، أو أي نوع من أنواع التعاون يفضي إلى إلحاق الأضرار المادية والمعنوية بالبلاد.

والتعاون مع العدو، عمل لا يحتمل أي نوع من أنواع التبرير، بوصفه ألحق الضرر بكافة مفردات وتفاصيل ورموز المجتمع المادية والمعنوية. وترمي القوانين الوضعية والسماوية التعاون مع العدو وتصفه بالخيانة، ولا ينفع الدفاع عن فعل التعاون مع العدو أي نوع من إبداء التراجع والأسف، فحتى رجال السياسة وكبار القادة، الذين قد تقبل منهم أخطاء كبيرة ارتكبوها بحسن نية، كالطبيب الذي يخطأ أثناء قيامه بعملية جراحية، ولكن في جرائم التعاون مع العدو لا ينفع معها تراجع أو اعتذار.

أن التعاون مع الأجنبي الطامع بالبلاد ليست عملاً سياسياً حتى لو ارتدى هذا اللبوس، بل هي خيانة عظمى، وبصرف النظر عن عقوبتها الجزائية، فإن جزائها الوطني والاجتماعي، عقوبة مميتة ولطخة عار أبدية لا تزول

المحتل المستعمر لا يصغي لصوت الحكمة عندما يلوح الفشل أمامه، بل يكثف من جهود هي في نهاية المطاف فاشلة، ويجازف بإعادة المحاولة، عله يكتشف وسيلة جديدة تمكنه من البقاء أو تطوير بقاءه. ومن جملة ما يحاوله المستعمر، هو الدخول إلى جملة المعادلات الاجتماعية / الثقافية ويحاول أن يدخل تعديلات فيها من أجل الدخول إلى قلب المعادلة السياسية، فيغيرها لصالحه، وهو يدرك أن مفتاح الشعوب هو تقاليدها الاجتماعية والثقافية (الدينية / الإيمانية / العقائدية).

هكذا يفعل المستعمرون والقوى الشبه استعمارية التي تهدف إلى التوسع، قديماً وحديثاً. بدرجات متفاوتة من النجاح، ولكن هذه السياسة التي تذر الرماد في العيون لإخفاء وتضليل الهدف الحقيقي للمستعمر، وهو الاستيلاء على البلاد.

الحقيقة أنه أمر لا يكاد يصدق، لماذا يقدم رجل أو إمرأة على خيانة الوطن ..! من دراستي خلال إعداد هذا المؤلف، قرأت لملفات الكثير من الأبطال والخونة، أن المقاوم هو عاشق للوطن، هو ذو نخوة وغيرة وكرامة، وأن الخيانة بالمقابل هي توليفة، فيها شيئ الميل للإيذاء، وشراهة نحو شيئ وفره له العدو بسخاء ليخون وطنه ( مال، ميول وأهواء، احترام مفقود) إضافة إلى انحدار خلقي جبل عليه ربما من طفولته، لعيب خلقي في بدنه، أو حفرة عميقة في نفسيته بسبب الغيرة والحسد، أو بعض من أمراض نفسية تدفع المرء إلى الانحطاط. وهناك في علم النفس وعلم الإجرام وعلم النفس الجنائي بحوث عميقة الغور، من سوء الحظ أن يسقط فيها أحدهم أو إحداهن، فيتحول إلى خائن…في إحدى قصص التجسس، أحدهم يخون الجهة التي ائتمنته، لقاء المال، وكانت له فيها شراهة، وبعد مدة طويلة من التعامل، كان الجاسوس يختزن فيها المال القذر الذي يناله نظير خيانته، وبعد مدة أكتشف أن النقود التي كان يستلمها هي مزورة، لا تساوي الورق المطبوع عليها.

المجرمون يحرقون الارض ، والطيبون يحيونها-موقفان ، بعيدان جداً عن بعضهما ، ومراميهما ،

 

الكثيرين الآن (وبتخصصات مختلفة) وصلوا إلى ما وصلوا إليه من مراكز ومناصب بالتزوير والكلاوات والمحاصصة المقيتة، وذلك باستثمار علاقاتهم، السياسية (منح الولاء السياسي وهي غير القناعات المبدئية ..!) أو قدراتهم المالية، أو علاقاتهم الأسرية والعشائرية، أو قابليتهم في التملق والتسلق والتحليق للمراتب العليا، بلا كفاءة ولا استحقاق وبما نسميها في العراق (باللواكة)، وفي بلاد الشام تسمى (مسح الجوخ) ولربما أكثر والله أعلم ..! وقد أصبح في أيامنا الكالحة هذه بحد ذاته مدرسة فنية طويلة عريضة. وليس من الغريب في هذه الحالة أن يتقدم هؤلاء المتسلقون الصفوف، ويقدمون خدمات تنطوي على التملق والاستخذاء …

بتقدير الكثير من العلماء والمختصين، فإن واحدة من أشد نكبات البلدان النامية (العالم الثالث)، هو حلول شخصيات سياسية أو تكنيكية في مواقع لا تستحقها، بمعنى أنها غير مؤهلة وبالتالي قادرة : على أولاًــ إيفاء موقعها حق قدره، كفاءة وعطاء، وثانياً ــ تطوير الموقع نفسه، وهذه مستحيلة، وغالباً ما يتم ذلك على حساب إقصاء العناصر القديرة والكفوءة، وهذا يتم تحت شتى المبررات. ويجري هذا في داخل البلد وخارجه، ففي داخل البلاد، الكثير جداً ممن يتبؤون مناصب كبيرة لا يحملون تأهيلاً حتى بسيطاً، وبالتالي من المؤكد أنهم لا قدرة لهم على إدارة مستحقات الوظيفة ولو بالحد الأدنى من الكفاءة. وقد تدور هذه العملية بتخطيط متعمد، والهدف هو واحد : هو تسليم البلاد لمن لا يستحقه. ولكن العملية تدار أحياناً بشعارات وعناوين أخرى لتصبح مهضومة، وقد شاع هذا الطراز من القيادات الوظيفية وجرى تطبيعه بحكم القانون والاستمرارية، وعبثية الاعتراض والاحتجاج حتى أصبح ” طبيعياً “، واليوم أصبح هذا الضرب من الوصول والتوصل مفهوماً عاماً وقد سأم حتى الرأي العام عن الحديث به …. بل أصبح من النادر أن نصادف خلال حياتنا العملية موظفاً كفوءاً يقوم بواجبه بصورة صحيحة. ويجري هذا في كافة مرافق الحياة دون استثناء والمحصلة واضحة، كارثة على جميع المستويات.

وفي العمل الخارجي، طالما شاهدنا شخصيات أوفدت للخارج للعمل كسفراء، وهم في الواقع مبعدون عن الحياة السياسية، أو شخصيات يراد لها أن تستمتع بمزايا الخدمة الخارجية ولكن دون استحقاق ولو بدرجاته الدنيا، فتجد سفراء لا يعلم معنى الدبلوماسية، ولا حتى ألف باء العمل الدبلوماسي، وملحقون عسكريون لا يعرف أبسط المفاهيم العسكرية، وملحقون اقتصاديون لا يعرفون حجم التبادل التجاري بين بلادهم التي أوفدتهم، والبلد الذي يعمل فيه ..! فقد أرسل ليتولى هذا المنصب فقط لأنه شقيق زوجة المسؤول الفلاني، أو قريبه بدرجة ما. أو من عشيرته، أو من بلدته، أو من الحزب السياسي الذي ينتمي له. ولهذا تعاني المؤسسات من عجز لا يمكن تصوره، والنتائج بطبيعة الحال لا تسر القارئ. وأمثال هؤلاء الموفدون لا يجهدون أنفسهم حتى بتعلم المهنة، لأنه نالها دون استحقاق وسيتمتع بها طالما هو يتمتع بالصلة (س) الذي أهلته لهذا المنصب المهم الذي يدفع الشعب راتبه وتمتعه من عرق جبين الكادحين.

 

والكارثة الأكبر هي عندما يصل البعض للزعامات القيادة في الأحزاب الثورية بأساليب ما أنزل الله بها من سلطان فهذا هو عجب العجاب والعجائب. وفي تقاليد الحركات الثورية، هناك شروط صارمة لتولي المناصب القيادية وهي قائمة على ثلاثة شروط رئيسية وسوى ذلك صعود غريب سيحين يوم سقوطه الغريب :

1. القدرة التنظيمية: وهذا يتطلب أن تكون له خبرة وإمكانية جيدة عمل في مختلف القيادات السياسية.

2. القدرة الثقافية / الفكرية: وهذا يتطلب أن يكون القائد السياسي على درجة رفيعة من الثقافة.

3. التاريخ والتجربة النضالية: وهذا يعني أن يكون القائد قد خاض عمار معارك نضالية صعبة اجتازها بنجاح.

وقد هبط اليوم مستوى التقاليد الثورية بدرجة بحيث شاع بدرجة ما توريث الزعامة السياسية للأبناء بعد وفاة الآباء، ويجري ذلك على صعيد توريث الحكم والزعامة الحزبية من ضمنها .. والغريب أن بعض الكوادر القديمة لا تمانع هذه العملية المسلوقة (وأحياناً المشبوهة)علناً، لأنها فقدت القدرة على النطق العلني، فيدور كل شيئ في الخفاء، لذلك تشيع التكتلات الحزبية لأن لا أحد يستطيع الإدلاء برأيه علناً ولا يغامر برأسه، والتكتلات آفة العمل السياسي / الحزبي، وشيوع وأتساع ظاهرة الأستزلام في الأحزاب الثورية، حتى بلغ الأمر أن يمارس الاستزلام والتكتل في القيادات الصغيرة، وهكذا يتسلل العطب للتنظيمات الثورية أيضاً .. فهذه الظواهر متلازمة الواحدة تسحب الأخرى، وتعدد الأقطاب يقود أيضاً إلى سهولة عمليات الاختراق، وهي آفة الآفات، وهكذا يفقد الحزب الثوري خصائصه الثورية ويتحول إلى تجمع لا علاقة له بالتغير الذي تعلق الجماهير آمالها عليه…. !

 

صناعة المجتمع المجرم-تتحول بعض المجتمعات الى مايشبه المنظمة الإجرامية التي تحترف القتل والسرقة والنصب والإحتيال والترهيب والسيطرة على الإقتصاد,,,يكاد العراق يتحول الى هذا الشكل من المنظمات مع إزدياد عدد السكان، وإنهيار منظومة التربية المجتمعية والتعليم، والبطالة، والفساد، وتشكيل مافيات حكم وسلطة تعتني بمصالحها، وتهمل القيم التربوية والأخلاقية، مع إنزياح الشباب نحو شكلين من الضياع

الأول: يتجه الى التدين الأعمى والساذج، ودون تبصر ومعرفة وفهم ماأربك ساحة المجتمع، وقاد الى التخبط، وفقدان المشروع الإنساني الذي يركز على العقل والخلق القويم، وأحدث تشابكا وعنفا وتخلفا فكريا لايمكن الوثوق به مطلقا.

الثاني: يتجه الى التحلل من القيم الأخلاقية والدينية والإلحاد، وممارسة طقوس وعادات غريبة، والبحث عن الملذات دون إهتمام بالقوانين، مع تزايد حالات الإنتحار والقتل والسرقة والفساد الأخلاقي، وظهور جيل من الشبان المنحرفين الذين لايهتمون للقيم التربوية والدينية.

العراق بلد الدكتاتورية والطغيان، بلد الحصارات والموت والجوع والمرض،بلد الحروب التي لاتنتهي واحدة منها إلا وأعقبتها ثانية، بلد الفساد ومافيات الخراب والضياع والولاءات الحزبية والطائفية الباحثة عن المناصب والأموال والسلطة التي تتقدم على ماعداها من قيم الأخلاق والدين والمعرفة.

هل نتحول الى أعضاء في هذا المجتمع المجرم، والمتجه الى هاوية التخلف الفكري والحضاري، والمتحمس للخزعبلات والخرافات والتعصب القومي والمذهبي والمناطقي الذي يحول الإنسان الى آلة تعمل بنظام التوجيه المباشر دون تفكير ودراسة وفهم للوقائع والأحداث؟في مقابل ذلك فإن إرثا حضاريا عظيما يمتلكه العراق، وقيما مقدرة وقوى ناضجة وواعية يمكن أن تعيد الأمور الى نصابها، أو تؤسس لمجتمع متحرر ومتنور وباحث عن فرص حياة أفضل يمكن أن يتفاعل مع التطورات والنهضة الحضارية العالمية الكبرى، وليس مجرد لاعب ثانوي ومستهلك لمايصنعه الآخرون

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close