الصبر ذاق صبر العراقيين ولم يطيقه ولا تحمله

د. سمير ناجي الجنابي

ويعبر الشاعر محمد مهدي الجواهري عن ما عنده من الأسى والهم، مثل كل العراقيين وهمومهم :

أنا عندي من الأسى جبلُ يتمشى معي وينتقلُ

المعروف عن العراقيين-سياسيا كشعب- اختلافهم عن بقية اخوانهم العرب او شعوب المنطقة في جزئية التعامل مع الحكام الفاسدين والمستبدين “والحقيقة ان هذا هو طابع حكام العراق دائما” منذ نهاية العصر العباسي الاول ، وقبله ايام الامويين ايضا ، بل حتى من تولى العراق في العصر الراشدي -الاكثر صلاحا- كانت عليه مؤشرات وشكي بعضهم الى الخليفة و اتهم بعضهم بنزاهته .

وفي ذلك العصر لم تختف تلك الميزة تماما من طبع العراقيين فقد حصبوا بعض الامراء بالحصى على المنابر و ضربوا بعضهم وضغطوا على بعضهم حتى اضطر الخليفة الى استبدالهم ، كذلك شارك العراقيون بل شدوا الرحال الى المدينة المنورة ليشاركوا او ليقودوا في الحقيقة اقبح خروج على الحاكم الشرعي في تاريخ المسلمين وهو سيدنا عثمان رضي الله عنه وقتلوه بنفس الطريقة المعروفة ، ولم يكن ليتجرأ اهل الجزيرة ولا غيرهم التلطخ بدم صحابي جليل ومجهز جيش العسرة و صهر النبي مهما قصر في أداء عمله لولا جرأة العراقيين الذين وجهوا من كان قادما من مصر ومن كان مقيما في الجزيرة ، وخلص من الاشتراك في هذا الذنب من كان في الشام لوجود المتمكن من حكمه “معاوية”.

وبعد هذا الحدث الصادم من قتل خليفة المسلمين المبايَع ، نقلت الخلافة الى العراق ، و استمرت البلابل ولم يهدا للدولة الاسلامية بال طالما العراقيون في المشهد السياسي ، فحدثت معارك و محن منها مقتل الامام علي عليه السلام غيلة في الكوفة ثم مقتل ابنه حفيد النبي عليه الصلاة والسلام في كربلاء و معه نفر من اهل بيته وانصاره وسالت دماؤهم الطاهرة على ارض العراق ،

ثم قتل العراقيون بعض ولاة الامويين وسحلوهم على فترات و طردوا البعض الآخر ، و كان يّستبدل لأهل العراق كل شهر وال -وهذه كانت وصية الخبراء من الخلفاء- دونما رضا او استقرار او سكينة حتى مع قدوم الحجٌاج ، فهو الآخر لم يسلم -كما يعتقد الناس خطأ- من المضايقات والثورات والانتفاضات من قبل العراقيين بل سجّل التاريخ اشرس الانتفاضات ضده من العراقيين فقد ثار على الحجاج جنده من اهل البصرة سنة 76 هجرية بقيادة عبد لله بن الجارود.ثم ثار عليه جنده من اهل الكوفة سنة 77 هجرية بقيادة مطرف بن المغيرة.ثم ثار عليه جنده من العراقين في البصرة والكوفة بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث سنة 81 هجرية ولم يستطع الحجاج اخضاع

التمرد الاخير الا بواسطة جند اهل الشام الكثيري العدة والعدد “المعروفين بالولاء المطلق” وبقي محتفظا بهم ليضبط ولايته، وبنى لهم مدينة واسط لكي لا يختلطوا بالعراقيين فيتأثروا بهم ، وعطفا على هذا لابد ان نذكر عرضا ان “الخلفاء في صدر الاسلام وبعده كانوا يصدرون تعليمات مفادها منع اختلاط العراقيين الوافدين الى الحجاز والمدينة او الشام للتجارة او الحج او الزيارة من الاختلاط بالاهالي هناك خوفا من البلبلة والتأثير السياسي ويعاقب من يخالف بعقوبات شديدة”* وهذا يعطيك صورة عن التمرد الجيني في ابدان العراقيين ونفوسهم،

و عودا فقد كان التمرد الاول ضد الحجاج محدودا وكان يستهدف الحجاج خاصة دون خلع بني امية، وانتهى التمرد بقتل ابن الجارود، ولما كتب الحجاج الى عبد الملك بخبره أجابه: (اذا رابَكَ من أهل العراق ريب فاقتل أدناهم يُرعَب منك أقصاهم) ، وحاول مطرف في ثورته ان يحيي منهج ابن الزبير بشكل عام، فقد اعلن ثورته عام 77 هجرية وخلع عبد الملك والحجاج، ويروي البلاذري عن ابي عبيدة وابن الهيثم ان مطرفا سمع الحجاج يقول :”أرسول أحدكم أكرم أم خليفته؟ فوجم وقال :كافر، والله والله ان قتله حلال.”

وكان مما خطب به مطرِّف اصحابه: “وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، فمن أحب منكم صحبتي وكان على مثل رأيى فليتابعني ومن أبى فليذهب حيث شاء، فاني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور،” وانتهت بمقتله قرب اصفهان .ثم ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس 81-84 هجرية فبعد قصة نتجاوزها وثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه.

فقال :تبايعوني على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة لي وجهاده معي حتى ينفيه الله من أرض العراق، فبايعه الناس.

ولما دخل الناس فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا :إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن فبايعوه وكانت بيعته: تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين، فإذا قالوا : نعم، بايع.

فلما بلغ الحجاج خلعه وكتب إلى عبد الملك يخبره خبر عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، ويسأله أن يعجل بعثه الجنود إلمدد.

قال أبومخنف حدثني فضيل بن خديج ان مكتبه كان بكرمان وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة، فلما مر بهم ابن محمد بن الاشعث انجفلوا معه” انتهى. * من تاريخ البلاذري.

و حدث مثل ذلك قبله مع زياد بن ابيه وبعده مع كل الولاة فلم يرضخ العراقيون يوما ولم يرضوا على والٍ ولم يهادنوه ، حتى صدّام الحاكم الاقوى والاذكى والاكثر استبدادا في تاريخ العراق والعرب ، لم يطوّع -وبكل هيبته وسلطته- كلّ العراقيين او كل الوقت فقد حصلت ضده تمردات في الغربية وانتفاضات في الجنوب وقُتل من خاصة حرسه الكثير،

ولا يُنسى من قبله من الحقبة الحديثة من قتل الملوك الهاشميين وسحلهم في الشوارع وتعليق جثثهم للطير ، وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وهلم جرا ، الكل قتل و سّحل و لو بعد حين ولم يسلم حاكم من ذلك الا المسالم المهادن الخادم لشعبه مثل البكر وعبد الرحمن عارف الذين انتهى حكمهما بسلام ، و هذا ينسف النظرية القائلة ان العراق لايحكم الا بالاستبداد والقوة ، على العكس تماما فان الذين استخدموا القوة او الترهيب او الفساد او العمالة مع الاجنبي او التعاون معه نعم حكموا ولكن سُحلوا بعد حين ، بل ان الاستعمار البريطاني وغيره لم يستطع ان يحكم العراق لأكثر من بضع سنوات ، فقد كان العراق اخر المحتلين و اول المستقلين من بلدان العرب والشرق ، وقتل العراقيون كبار القادة الاجانب على ارضه ولم يقر لهم قرار الى ان هربوا ، بينما بقوا في بلاد اخرى عشرات العقود او مئات السنين ، ولم يعتبر العراقيون العثمانيين استعمارا لانهم يحكمون بالاسلام والخلافة كمثل بقية اقطار العرب .

الى ان دخلت هذه الطغمة الاخيرة منذ 2003 الى اليوم و الشعب يُخدع مرة بفتوى فينتخب فيُستغَل ويُنهب فيثور فيُخدع مرة اخرى بالدين فيهدأ ثم ينهب ويجوع فيثور ثم يخدع بدعوى الاصلاح فيهدا ثم ينتفض ،وهكذا مناوبة بين الحكام التابعين والشعب المرتبك .ويبدو ان تخطيط ايران المتمرس والخبير بشان العراقيين ،الى جانب نصائح بريطانيا ذات التجربة في العراق ، و امريكا الفاشلة في العراق التي استعصت عليها مدينة عراقية واحدة فاستنزفتها في معركتين كبيرتين فضلا عن تمرد كل مدن العراق الاخرى وحرق الارض تحت اقدام الغازين ، فاليوم يقف علم النفس والسياسة والاجتماع مذهولا امام سكوت العراقيين على عصابة نجحت لعشرين سنة في النهب والسلب وانتهاك الاعراض وتخريب البنية التحتية وتهريب الاموال وافقار الناس والاثراء على حسابهم والعمالة للاجنبي وانعدام الخدمات وقتل الابناء واستحياء النساء وغور الماء واختفاء الكهرباء.

كل هذا لعقدين كاملين والى الان لم ينفذ صبر العراقيين ولم يظهر السحل المعروف والموعود ، فالامر بحاجة الى وقفة بحثية ايديولوجية اطول من مقالي هذا ، ومعرفة الاسباب العجيبة والغامضة وراء تأخر السحل لهؤلاء الحكام الضعفاء اصلا والمعدومي الذكاء والدهاء تقريبا ، والمفتقرين للهيبة او الكارزما او اي مقوم مقومات النجاح او السيطرة على حكم شعب شرس مثل هذا.

فهل ياترى تغير الجينات الوراثية العراقية ادى الى ظهور جيل اضعف كهذا ام تمرس ايران وامريكا وبريطانيا ومن يدعم هؤلاء الحثالة من سياسيي الغفلة المستمرين دون سحل عراقي تقليدي ،، في الافق.

منذُ ألإحتلال الأمريكي الإيراني البغيض للعراق أصبح في حالة من الهرج والمرج، وفوضىٰ وإنعدام الأمن والنظام ومصادرة الحقوق، وتغول المليشيات والاحزاب الطائفية الولائية، والعراق وشعبه كأنه زورق في أمواج بحر هائجه ورياح عاتية، والعراقيون يتأملون الفرج بصبر ومُعاناة للخلاص من هذا الوضع المأساوي،… وحاليا إنتهت مسرحية الإنتخابات وفاز مرشحون في هذه اللعبة لعضوية المجلس، من أحزاب وكُتل متنافسة مختلفة، ووصفهم البعض أنهم من (الّلطامة واللّطامات) ،جماعة مقتدى الصدر المخبول و أصحاب (أبو السبح نوري المالكي والتك تك الركابي والعتاكة، وأبو الدهن محمد الحليوسي)، وآخرين من المهربين والسراق والقتلة المعروفين والجهلة ، وشعب العراق مازال يحدوه ألأمل بالتغيير، الذي يدعيه الفائزون بألانتخابات، وتصريحات الصدر المتكررة الأمي الجاهل في السياسة وشعاره (لا شرقية ولاغربية)، و قد يفهم البعض من هذا الشعار أنه كلا لإيران ولأمريكا وهو لا يعني ذلك ، والشعب العراقي يتأمل، والمثل الشعبي الدارج يقول، (وصل الجذاب الى باب بيته)، مع أن أتباعه ومؤيديه كثر، والشعب العراقي صابر هل أنه سيُقلم أظافر إيران وحل مليشياتها وذيولها من الأحزاب الولائية فعلاً ؟؟؟ ، هل سيقوم بإصلاحات لتغيير الوضع العام بالعراق عند حصول تكتله على رئاسة الوزراء؟؟؟ ، هل سيعود الأمآن ويحقق الإستقرار ويحفظ كرامة الإنسان ويطبق العدالة بين أفراد الشعب وينصف المظلومين، و و و…. الخ، فشعب العراق سيراقب وسيتابع ما سيفعله الصدر و نواب التكتك وذيول إيران من السنه والاكراد، أم أن المثل العراقي سينطبق عليهم والقائل ( ذاك الطاس وذاك الحمام) ،( وأن المكتوب يقرأ من عنوانه) ، لأن الفائزون في الانتخابات أغلبهم إن لم نقل كلهم من اللصوص والسراق بشهادات عراقيين منصفين، ومن دول أجنبية كشفت عن سرقاتهم وأرصدتهم المودعة في البنوك العربية والاجنبية، وكما يقول المثل ( ظل البيت لمطيرة طارت بيه فرد طيرة)، وبالتالي هل يعقل أن تتم علىٰ أيديهم عمليات إصلاح ومحاسبة الفاسدين، وهم من شارك في تدمير العراق كأدوات للنظام الإيراني والمحتل الأمريكي.

لقد عرفنا من خلال إطلاعنا علىٰ إنتخابات تشريعية في بلدان متمدنة متحضرة عدة أن المرشح ضرورة أن يتمتع بسمعة ونزاهة وثقافة وعلمية معينة، ويمتلك تاريخ يؤهله للترشيح وحتىٰ أصحاب رؤوس الأموال، لخدمة بلادهم ونهضتها، وفي هذا فهل نستطيع المقارنة بين مرشحي دولهم ومرشحي بلدنا، وفي أول يوم لإنعقاد المجلس وزعت أكفان الموتىٰ وكأنهم في مقبرة، وحدثت مشاجرة بين النواب العراقين أصيب فيها المخبول محمود المشهداني رئيس المجلس سناً وعلى أثرها نقل الىٰ المستشفىٰ،… فعلى الشعب العراقي أن لا ينخدع كما خُدع في المرات السابقة، وأن غداً لناظره قريب، والله في عون الشعب العراقي.

الصبر صفة ليست إنسانية فقط، وإنما هي ظاهرة يتصف بها كل كائن حي سواء كان نباتاً ام حيواناً وهي مقدار تحمل الظروف غير الطبيعية والقاسية، إلا أن صبر الإنسان من نوع آخر لكون الإنسان يمكن له أن يعبر عن صبره بوسائل أخرى تجعل الآخرين أكثر احساس بحالته، والصبر صفة نسبية وهي حالة وجدانية لا يوجد ميزان او مقياس لحساب قيمتها كالسرعة والحرارة والوزن . ولكن يمكن الاستدلال على قيمتها او كميتها بشكل نسبي، واعتبر الناس صبر نبي الله أيوب هو المقياس الذي من خلاله تحدد قيمة الصبر عند شخص او مجموعة من البشر او حتى شعب ما، وغالبا ما يعتبر كثير من الأشخاص بأن صبره مثل صبر أيوب او قد تعداه، لكون صبره شديد وأن هذا الشخص له طاقة خارقة وامكانية جبارة لتحمل حالة البلاء او الضيم او الظلم او العذاب سوى كان الجسدي او النفسي، ولكن استجد صبرا آخرا المفروض أن تتخذه الناس مقياسا نسبيا لصبرها بعد أن اصبح صبر نبي الله أيوب (ع) على الرغم من قيمته الكبيره باعتباره بلاء النبي أيوب بلاء ربانياً وكان امتحاناً الاهياً لقدرة تحمل نبي وليس شخص عادي كسائر البشر )، صبرا قيمته قليلة نسبتا لصبر العراقيين، هذا الصبر الذي لا مثيل له بالتاريخ، فالشعب العراقي تحمل ما لا يتحمله اي شعب من شعوب المعمورة من قهر وضيم وقتل وجوع ومرض وظلم على يد الاجنبي المحتل او على ايدي المحسوبين عليه من ابنائه من حكام جائرين ظالمين، او عملاء للاجنبي الذين باعوا ضمائرهم لمن هم خارج الحدود، وتاريخ العراق مملوء بصور الدمار والظلم والتعذيب، ومملوء أيضا بأسماء حكام لفترات متفاوتة من التاريخ القديم والحديث، حكموا العراق بالحديد والنار وظلموا واستبدوا وصادروا الحريات ونشروا الجهل والفقر والكراهية بين أفراد الشعب واستغلوا ثروات الشعب لمصالحهم ونزواتهم الدنيوية ومصالح حماتهم والمطبلين لسياساتهم القهرية،وترى الشعب العراقي يتحمل كل هذا الظلم ويدافع بكل عزيمة وفخر ويقدم القرابين من أجل الحريتة ومن أجل كرامته ويضحي بالغالي والنفيس من أجل قضيته العادلة وتراه يخرج من ضيم وظلم حتى يدخل بآخر، وكان الله يريد للعراقيين هذه المأثرة ويريد لهم هذا التحمل على ايدي الظالمين العتاة ويريد لهم امتحاناً قاسياً كامتحان الانبياء، كامتحان نبي الله ايوب (ع)، وكصبر نبينا محمد (ص) على أذى المشركين، وان يمتحن صبرهم الذي تعدى حدود صبر الانبياء بدرجات، وكأن الله يريد أن يقول للعراقيين أنتم ليس كسائر الشعوب وأن منزلة الأنبياء هي ليس كمنزلة الناس العادين، فان أرضكم ارض الانبياء وهي مركز الارض وانتم نبض الحياة وانتم تاريخ الإنسانية وانتم اول من علم البشر الكتابة لأن الله يقدر قيمة العلم والتعلم، كما ان الله سبحان وتعالى انزل اول آياته (اقرء بسم ربك الذي خلق) على صدر نبينا الاكرم . طوبى للعراق، وطوبى لشعبه الصابر المجاهد المضحى، وطوبى لصبره، وان ثمار صبره قد حان قطفها قريبا، ليعيش هذا الشعب المظلوم، الحياة التي يستحقها وان يجزي الله صبره خيرا، ليعيش أمناً وان يمن الله على شعبه بالأمان والعدل والرزق الوفير وان يسلط عليه حكام يخافون الله ويعملون على إسعاده، بعيد عن الظلم والجور والتفرقة والتهميش، الجميع كأسنان المشط لا فرق بين هذا وذلك إلا بالتقوى.

من مأثور حكاياتنا الشعبية، أن مخرزا نسي تحت الحمولة على ظهر جمل، ومن هذه الحكاية يستلهم شاعر العراق الراحل عبدالرزاق عبدالواحد قصيدته التي كتبها قبل سنوات، وصف فيها حال العراقيين مستشرفا ثورة عراقية عارمة بعد صبر طويل ومرير،

بعد المعاناة الطويلة وتحمل الأعباء المرعبة في كل شيء، ينفد صبر العراقيين لينطلقوا في ثورة عارمة هادرة عراقية صافية صادقة لا تقبل أية شائبة، ولم يسمح أبطالها من النساء والأطفال والشباب بتلويثها، لأنها خرجت وتدفقت وانطلقت من تراكمات عصفت بالعراق والعراقيين وأتت على كل شيء في بلد الخير والرخاء، حتى حولوه ساسته وحكامه جميعا إلى خربة وخراب ودمار ودماء وجوع وأسى ومقابر ونواح، لتغادره البسمة من الشفاه ويتلون البؤس في النفوس ويبثوا العتمة والقتامة في كل مكان، بلد هو الأسوأ بين دول العالم في الصحة والتعليم، وأصبح بلا زراعة وبلا صناعة وغادرته الحياة بكل أوجهها ومعالمها.

صبر العراق يا صبر أيوب

إن استعراضا سريعا وبسيطا للساعات والأيام التي عاشها العراقيون منذ أن وطأ الغزاة المحتلون الأميركان وبعد ذلك قدم من هرول معهم ومن لهث من الداخل خادما لهم، لا تجد ملمحا واحدا للحياة في هذا البلد، وبينما شرعت قوات الاحتلال بالقتل والاعتقال والتعذيب شمر السياسيون عن سواعدهم للسرقة التي فاقت أية سرقات عبر التاريخ وفي جميع دول العالم، حيث يقول الخبراء إن أكثر من ألف وستمئة مليار دولار دخلت العراق دون أن يكون لها أثر بين في جميع مناحي الحياة، ووجه الحكام أجهزة القمع للتعذيب والتغييب القسري والقتل والتهجير لملايين العراقيين في حملة إبادة منظمة أشرف عليها رؤساء الحكومات المتعاقبة ووزراؤهم ومستشاروهم وسفراؤهم ومساعدوهم وبدون استثناء، ولم تتوقف السرقات والانتهاكات ساعة واحدة طيلة هذه السنوات المرعبة العجاف، واستولى العمى على عيون الجميع وراهنوا على صمت الشعب الذي مارسوا ضده مختلف أنواع التسلط والرعب، لكن صبر أيوب قد يطول لكنه ينفجر بعد حين.

رحم الله الشاعر الكبير عبدالرزاق عبدالواحد وبورك أطفال ونساء وشباب الثورة العراقية التي لم يحصل مثيل لها مهما كانت نتائجها ومآلاتها، فقد تمكن الثوار من تحطيم كل ما بناه الأشرار وراهنوا عليه.

وبمرور الوقت وأمام تجاهل الجهات المسؤولة لمطالب المتظاهرين أخذت المطالب تزداد وترتفع وتيرتها لتشمل إصلاح العملية السياسية ومحاربة الفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة وتطهيرها من المحاصصة المقيتة والمحسوبيات وكذلك القضاء على التميز بمختلف أشكاله الذي عمق الهوة بين المنتفعين والغالبية المحرومة .. وفي ظل الظروف والأزمات التي يعيشها العراق والوضع الإقليمي المعقد ومع أستمرار التظاهرات دون وجود آذان صاغية قد يؤدي الى ما لا يحمد عقباه كما حدث من قبل عندما لم تجد التظاهرات الإهتمام الكافي بمطالبها والتعامل معها بجدية تحولت الى إعتصامات مما أدى الى أستغلالها وتغلغل الإرهاب فيها وسيطرته عليها وجميعنا نعلم مدى التضحيات التي قدمها ويقدمها شعبنا من أجل تحريرها وتخليصها من قوى الشر والظلام..

فخلال العشر سنوات الأخيرة كانت ميزانية العراق هي الأكبر في تاريخه الحديث ومجموعها يفوق مجموع كل موازنات الدولة العراقية منذ تأسيسها ، ومع ذلك لم يتم توفير أبسط الخدمات التي يحتاجها المواطن فكيف ونحن قادمون على موازنة خاوية تقترب من الإفلاس وتتجه للإقتراض لسد العجز الحاصل مع إنخفاض كبير في أسعار النفط الذي يشكل المورد الرئيسي لها ، لذا أصبح من الواجب أن تكون هناك وقفه جدية ومسئولة لمعالجة ضعف الدستور وغياب ملامح الدولة الرصينة المتحضرة المتطورة ووضع الإصلاحات الحقيقية التي يطمح بها كل مواطن ولا يكون هذا الشيء إلاّ بتظافر كل الجهود الخيرة وبمساهمة كبيرة للشريحة المثقفة عموماً ورجال القانون والإعلام خصوصاً بالدور البارز والمؤثر للمساهمة في رسم الخطوط التي تعمق من الرؤية للمواطن وخلق أهداف ثابتة ومؤثره تحت خيمة العراق الواحد يجمعنا حبه والإنتماء لهويته ، وتكون الفاصل بين الحقوق والواجبات من خلال تحقيق العدالة والمساواة بين الجميع وهدفنا الأول توفير الحياة الكريمة للمواطن..

أصبح بما لا يقبل الشك إن بعض السياسيين يريدون السوء بالشعب العراقي، بقصد أو بغير قصد، فيغالون في مطالبهم الغير معقولة التي لا تستند الى حق أو منطق ولا الى شرع أو دين . علماً أن بعضهم مسيرون بأجندات خارجية من الدول التي كانوا يزورونها قبل الانتخابات وبعدها، ويستلمون منها التعليمات والهدايا والمكارم، وهدفهم تخريب العملية السياسية وافشال الديمقراطية التي تمثل كابوساً على عقول حكام دول الجوار ليقولوا لشعوبهم : انظروا الى تجربة العراق الديمقراطية تعني الفوضى والشقاق والتسيب والقتل والدمار . بعض السياسيين العراقيين لا يتوانى عن القول أنه مكلف شرعياً من قبل الاله ليمثل الشعب العراقي في الدنيا والاخرة . شخصيا بت أخشى أن يقول لنا أن جبريل قد هبط عليه وطلب منه بذلك ، الى أن تذكرت أن الوحي الذي انقطع منذ أربعة عشر قرناً ولم يعد يوحي لأحد .

أن من أسوأ نتائج ممارسات الأحزاب والشخصيات السياسية العراقية ، ضد بعضها البعض عموما ، وضد الشعب خصوصاً ، هي دفعها المواطن الى فقدان الثقة بكل السياسيين ، بل وبالعملية السياسية برمتها ، وعلى رغم أن بعض أخطاء ساستنا لا يمكن السكوت عنها ، وفضائح الفساد الموثق التي فاقت حدود الصبر ، وطائفيتهم المقيتة ، إلا أن البديل عن تلك العملية السياسية على عيوبها ، لن يخرج عن ديكتاتورية ستخلق صداماً جديداً ، عاجلاً أو آجلا ً، ولو بثوب إسلامي فضفاض صنع من بقايا قماش ولاية الفقيه .

مشكلة سياسيينا أنهم لا ينظرون بعيداً ولا يهمهم شيء سوى مصالحهم وطموحاتهم الشخصية والحزبية والفئوية. لا يفكرون بمصالح البلاد والعباد إلا عندما يكونون في السلطة، وحينئذ يسعون من أجلها من أجل تعزيز سلطتهم وتوسيع نفوذهم وزيادة أتباعهم. والغريب أنهم يلجأون إلى الإسلام لتبرير أفعالهم في بلد تتلاشى فيه الشعارات المرفوعة أمام الطموحات الشخصية والفئوية في أول اختبار . إن التصدي لإدارة مصالح الناس مسؤولية كبرى ، والصبيانية السياسية التي نراها تمارس في العراق اليوم سوف تحرق الأخضر واليابس وتعيد الجميع إلى نقطة الصفر، والمطلوب من الجميع صحوة كاملة وتغيير جذري في السياسات والأشخاص ، لكن ذلك لن يحصل أبدا في ضل الثقافة السائدة التي لا تسمح به ولا تشجع عليه أبدا . ثقافة تعتبر المساومة والتنازل وفسح المجال للخصم قيماً سلبية ، بينما ترى في المواجهة والإصرار على المواقف وإلحاق الهزيمة بالآخر بطولات عظيمة ، وهي بالنتيجة تخدم مصالحهم الشخصية بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطن والتي طالما تبجحوا بها في تصريحاتهم الرنانة امام عدسات الكاميرات في اللقاءات التلفزيونية .

أن صبيانية بعض السياسيين العراقيين وصل الى حد التعري أمام شاشات الهواتف النقالة وأجهزة الحاسوب عبر برامج الاتصال المتنوعة ، ليمارسوا فسادهم الأخلاقي علاوة على فسادهم الخلقي ، حيث كان أول من تسرب له مقطع فيديو وهو يمارس العادة السرية مع فتاة عبر برنامج ( سكايب ) هو النائب طالب المعمار وبعده النائب محمد الكربولي عبر برنامج ( المسنجر ) وأخيراً ختمها عضو مجلس محافظة واسط عريبي الزاملي عبر برنامج سكايب أيضا .

الغريب إن فضيحة كهذه من المفترض أن تطيح بمن انتشرت صورهم عبر البرامج المذكورة الا أن الامر مر بدون أي كلمة تذكر خاصة وان هذا النوع من الفضائح ينهي حياة أي سياسي في أي بلد أخر غير العراق ، وقد شهدنا استقالات كثيرة بسبب تلك الممارسات في عدة دول أخرى كانت اغلبها اخف وطأة من هذه الفضائح .

هذا الوضع الصبياني والغير أخلاقي جاء في وقت حرج جداً للبلد ، وهذا يدل على عدم اكتراث هؤلاء بمصير الشعب والوطن ، فالأمر لا يتعدى مصالحهم الشخصية .

يبدو أن نزع السياسيين العراقيين لملابسهم الداخلية من خلال برامج الاتصال يتم لتعرية كل شيء فيهم ، الإ ملفات فسادهم ، فستبقى تلك الملفات مغلقة حتى إشعار أخر .

وكعادة كل أزمة تعصف بالمجتمع العراقي، تقاذفت الحكومة والبرلمان والكتل السياسية، مسؤولية ما آلت إليه أحوال البلاد الاقتصادية التي بدأت تهدد بأوضاع تعيد العراقيين إلى شبح أزمنة من الجوع والعوز كان الظن أن البلاد قد غادرتها إلى غير رجعة. وعاد الحديث مجددًا عن سوء الإدارة والتخطيط وتبديد موارد البلاد، وعاد التذكير بأقوال من مضوا من مسؤولين سابقين، سواء من غادروا مواقعهم في الدولة، أو حتى من غادروا الحياة بأكملها، عندما أتيحت لبعضهم فرصة اكتشاف ما وراء الضباب الذي خلّفه تكثّف الأموال الطائلة التي تدفقت على خزينة الدولة العراقية قبل سنوات قليلة ماضية عندما كان سعر برميل النفط – المورد شبه الوحيد للموازنة العامة – يتجاوز في حده الأدنى حاجز المائة دولار أمريكي.

يبدو أن السخرية القدرية تلقي بظلالها على كثير من أوجه الحياة ومقوماتها في المجتمع العراقي. لسنوات طويلة، كان العراق أشبه بمصفوفات من الأرقام، بعضها يدلل على حجم قدراته وثرواته الطبيعية الهائلة، وبعضها الآخر يشير إلى خسائره البشرية التي فاقت المراتب المعقولة لتعريف الأعداد الكبيرة. وفي أحيان أخرى كانت مصفوفات الأرقام تلك، كشّاف ضوء يساعد على رؤية حقيقة ما تعرض له هذا البلد من هدر لموارده المالية خلال السنوات المنصرمة حيث تفجرت ينابيع نفطه لتتحول إلى موارد مالية متراكمة في خزائنه الداخلية والخارجية التي تبخرت بسرعات جنونية، واختفت في ثنايا الفساد المالي، والإداري، والمشاريع الوهمية، والصراع المحموم لنيل أقصى ما يمكن من غنائم ذلك المال الذي أصبح سائبًا، فكان سببًا هذا لتعلم الكثيرين كيفية سرقته، وبطرق مذهلة يكاد العقل العادي يقف أمامها بملء الدهشة والحيرة. فتحول كل شيء في هذا البلد إلى مجرد إحصاءات عامة تتراصف فيها الأرقام بجانب بعضها البعض لتختزل كل ما وراءها من مآسٍ وكوارث بشرية ومادية.

وبحسابات رقمية أيضًا، تعاملت حكومة رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي مع الأزمة الراهنة، دون حساب أن كل مرتبة عددية تقتطع على شكل ضرائب أو استقطاعات وما شابه، إنما هي في الحقيقة تنقص من حصة كل مواطن عراقي في أن يحيا بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة بعد عقود من الأزمات والحروب والصراعات، وهي كذلك تنقص من رصيد طموحات وتطلعات الملايين من فئة الشباب التي تشكل النسبة الأكبر من تعداد سكان البلاد، والتي تحاول يائسة التشبث بقشة الفرصة الوحيدة التي تأخذ هي الأخرى في الضياع شيئًا فشيئًا : الحصول على فرصة للتعيين في وزارات الدولة ومؤسساتها.

لقد ظهر جليًا عجز حكومة الكاظمي عن معالجة أبسط الملفات، فضلًا عن أكثرها تعقيدًا مما يمس حياة المواطن العراقي. ولجأت كسابقاتها إلى الحل الأسهل الذي يمثل هروبًا من مسؤولياتها الحقيقية في ملاحقة مسببات الهدر الفاحش لأموال الأجيال الحالية ومدخرات نظيرتها القادمة. فاختارت تحميل الفرد العراقي مسؤولية تلك المسيرة السوداء من الفساد والسرقة المفضوحة من قبل مختلف وجوه وعناوين الطبقة السياسية التي حكمت البلاد كل بحسب انتماءاته القومية والطائفية والمواقع التي استأثر بها اعتمادًا على مبدأ المحاصصة السياسية. وكأن المواطن العراقي مجبر على دفع فوائد ما بدا له فيما بعد أنه اختيار خاطئ، يوم راوده شيء من الأمل في أي من عناوين الطبقة السياسية في الممارسات الانتخابية السابقة بدءًا من عام 2006، وبالتالي سمح لها بالوصول إلى مواقعها التي وصلت لها في حينه.

وسواء استطاعت تلك العناوين السياسية البقاء في مواقعها، أو مغادرتها بعد تحقيق مكاسبها التي تصورت أنها تكفيها على المدى المنظور في الأقل، فإن المواطن ظل يدفع ضريبة ذلك الاختيار الخاطئ، الذي كان في كثير من عوامل حدوثه، يتجلى في الوقوع تحت تأثير وعود براقة وتسويق اعتمد على ورقة الدفاع عن الحقوق القومية والطائفية والمناطقية والدينية، ورسم لوهم المخاطر والمؤامرات التي يراد لها أن تزيل «مكاسب» تحققت بعد عام 2003 لا ينبغي التفريط فيها بأي شكل من الأشكال، حتى ولو أدى ذلك إلى السكوت أحيانًا عن السارق والفاسد وسرقته العلنية والمفضوحة لمجرد أنه يتشارك مع ذلك المواطن الناخب في الانتماء الديني، أو القومي، أو الطائفي، أو حتى المناطقي.

يقال في كثير من الأدبيات إن عقوق الابن لأبويه من الكبائر التي تأتي بعد الشرك بالله مباشرة، ذلك لأنه قد خرج من صلب الأب ورحم الأم، وبالتالي فإنه ولو وفق اعتبارات النسب والمولد، فإن عليه أن يتعامل معهما بشيء من اللطف واللين حتى وإن اضطرته الظروف للاختلاف معهما في قرارات بعينها. ويبدو إذا صح التشبيه بالمقارنة، فإن حال الحكومات العراقية المتعاقبة لا يختلف كثيرًا.

إن الطلب من تلك الحكومات أن تتجاسر على فساد العملية السياسية التي تولد من رحمها يعد في الحقيقة ضربًا من الخيال لا يصدق حدوثه! ذلك لأن أية حكومة تشكل في هذه البلاد فإنها ستعرف حدودها المرسومة لها بعناية، وستتصرف على أساس الحرص على عدم تجاوز تلك الخطوط، وإلا فإنها سترتكب بلا شك خطيئة العقوق لأصلها الذي خرجت منه، وبالتالي ستواجه غضب الأم أو الأب بما يماثل ما يتعرض له طفل صغير لم يبلغ الحلم عندما يتم تعنيفه. وقد لا يخفى كثير من هذا عن الغالبية الساحقة من المواطنين العراقيين، لكن الصبر المشوب بما يبدو في الظاهر أنه سكوت وارتهان لإذلال الحكام، سمة غالبة على هذا المجتمع منذ عهود طويلة سالفة، إلى الحد الذي يصبح معه الحلم بتغيير الواقع المأزوم شيئًا أشبه بالسراب الذي يداعب خيال الظمآن في الصحراء القاحلة.

يا لها من مفارقات عجيبة وتناقضات غريبة يشهدها عالمنا المعاصر, فغزو روسيا لأوكرانيا بصرف النظر عن أسبابه ومبرراته ودواعيه, قد أقام الدنيا ولم يقعدها وكأنه الغزو الوحيد الذي شهده العالم المعاصر , متجاهلين عن عمد غزو الولايات المتحدة لدول عديدة لإسقاط حكوماتها التي لا تروق لها ولا تخدم مصالحها الإستعمارية , دون أن يكترث لها أحد وكأن الغزو حق مشروع للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية الغربية حصرا ,متى شاءت وأينما وكيف ما شاءت دون حسيب أو رقيب. لم تحرك هيئة الأمم المتحدة ساكنا إزاء أي من هذه الغزوات التي دمرت بلدانا عديدة , وهي الهيئة التي أنشأت عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية ,بهدف نشر ثقافة السلام وصيانة كرامة الشعوب وحفظ حقوقها , صغيرها وكبيرها على حد سواء, وحفظ السلم الدولي وفض المنازعات بالطرق السلمية. والأمثلة على ذلك كثيرة , نذكر هنا البعض منها , غزوالولايات المتحدة الأمريكية بنما في منتصف شهر كانون الثاني عام 1989,بهدف عزل الزعيم البنمي الفعلي مانويل نورييغا ، الذي عمل لفترة طويلة مع وكالة المخابرات المركزية , فكان لها ما أرادت بجلب الرئيس البنمي المتهم بترويج تجارة المخدرات , مخفورا إلى الولايات المتحدة الأمريكية , وغزو الولايات المتحدة أفغانستان بعد أحداث 11 أيلول 2001، بدعَم دول حلف شمالي الأطلسي, حيث أطاحت بحكومة طالبان, لتدخل بعدها في آتون حرب مستعرة لمدة عشرين عاما , خرجت بعدها مندحرة تجر أذيال الخيبة والهزيمة المرة , لتسلم زمام الحكم صاغرة مرة أخرى إلى حكومة طالبان , وغزو العراق عام 2003 بدعوى إمتلاك العراق أسلحة دمار شامل تهدد أمن دول المنطقة والعالم أجمع بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر ترسانة أسلحة دمار شامل في العالم بأسره , والدولة الوحيدة في العالم التي إستخدمت ترسانتها النووية فعلا بإلقائها أول قنبلة ذرية في حربها مع اليابان عام 1945, والتي راح ضحيتها ملايين اليابانيين في مدينة هروشيما, وتدمير( 90% ) من مباني ومنشآت المدينة، وقتل أكثر من ( 80,000) شخص، كما جرح (90,000) آخرون، وتشريد عشرات الآلاف. وإلقاء قنبلة أخرى على مدينة ناجازاكي, أودت بحياة أكثر من( 75,000) شخص.

ثبت للعالم أجمع زيف وبطلان دعاوى الولايات المتحدة بإمتلاك العراق أسلحة دمار شامل, التي إتخذت منه سببا لغزو العراق وتدميره حكومة وحضارة وشعبا , وحصد آلاف الأرواح البريئة ,وحرمان ملايين العراقيين من العيش الكريم في بلادهم, وتهجير ملايين آخرين في بلدان العالم المختلفة, ونهب ثرواته وممتلكاته وتشويه إرثه الحضاري ومحاولة طمسه ومحو ذاكرة العراقيين , وتفتيت وحدة شعبه بدعاوى عرقية ودينية وطائفية مقيتة, وقضم أراضيه وحرمانه من بعض ممراته المائية لصالح بعض دول الجوار ,وغيرها الكثير الكثير ما لا يتسع المجال الخوض بتفصيلاتها .

إن ما أردنا قوله هنا أن كل هذه الممارسات اللاقانونية التي مورست بحق العراق وشعبه لم تكن موضع إهتمام أحدا بما فيهم هيئة الأمم المتحدة التي سرعان ما قامت بإصدار قوانين جائرة بحق العراق ,عند غزو النظام العراقي السابق للكويت عام 1991, دون إعطاء فرصة حقيقية لجهود السلام لفض النزاعات بين الدول , بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يوفر الإطار الذي يجوز فيه لمجلس الأمن الإنفاذ. ويسمح للمجلس أن يقرر “ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان” وأن يقدم توصيات أو يلجأ إلى القيام بعمل غير عسكري أو عسكري “لحفظ السلم والأمن الدوليين”. بل ذهبت أبعد من ذلك بإلزام العراق بدفع تعويضات بلغت (58) مليار دولار من عائداته النفطية لمن وصفتهم بالمتضررين من غزو العراق للكويت ,دون السماح للعراق إبداء الرأي بأي من هذه المطالبات , حيث إنها شكلت لجنة لإستقطاع نسبة (5%) من عائدات نفط العراق وإيداعها في مصرف أمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية , للصرف منها تحت بند التعويضات وصرف رواتب ومخصصات أعضاء اللجنة , وقد أشارت بعض التقارير إلى ممارسة فساد قام بها بعض اعضاء اللجنة ,وسوء تصرفهم بهذه الأموال السائبة التي وضعت تحت تصرفهم . والأهم من كل ذلك أن مجلس الأمن جهة سياسية, وهو بهذه الصفة لا يحق له البت في منازعات مالية التي هي من إختصاص السلطات القضائية بحسب رأي الكثير من القانونيين , وإن بإمكان المدعين بالضرر من غزو العراق للكويت ,بما فيهم حكومة الكويت تقديم طلب إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة للبت فيها في ضوء الأدلة المقدمة من جميع أطراف النزاع.لكن العراق إلزم مرغما على دفعها دون حق الإعتراض أو إبداء الرأي . وعلى الرغم من سداد العراق لجميع هذه التعويضات , فأنه حتى الآن لم يتم إخراجه من بنود الفصل السابع المجحفة بحق العراق. ومن ممارسات هيئة الأمم المتحدة الظالمة الأخرى بحق العراق , تشكيل لجنة لترسيم الحدود بينه وبين الكويت في سابقة خطيرة لم تشهدها الدول في علاقاتها مع جيرانها , دون أن يحق للعراق الإعتراض على قراراتها , حيث قامت اللجنة بإقتطاع جزء من الأراضي العراقية الغنية بالنفط وضمها إلى الأراضي الكويت دون وجه حق , وحرمان العراق من بعض ممراته البحرية .

أما لحق بالعراق من دمار شامل وزهق للأرواح جراء غزو الولايات المتحدة عام 2003 وما قبلها عام 1991 من دمار شامل لبنية العراق التحتية التي لا علاقة لها بإخراج القوات العراقية المسلحة من الكويت , وإستمرار عملياتها العسكرية الجوية بتدمير مؤسساته المدنية طوال عقد التسعينيات دون مبرر, وجميعها تشكل خرقا واضحا للقانون الدولي ومصادرة صريحة لأبسط حقوق الإنسان , فهذه لا تستحق النظر من هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية , بل إنها تغض النظر عن الجاني وتخشى مطالبته بدفع تعويضات للعراق ولو لفظيا ,عما لحق به من أضرار على غرار ما قامت به بإلزام العراق بدفع تعويضات للكويت , من منطلق أن على الغزاة دفع فاتورة غزوهم لشعوب البلدان التي غزوها. لكن ذلك لن يحصل أبدا طالما أنهم يتصرفون بمنطق حق القوة وليس قوة الحق وهكذا هي الأمور على مر التاريخ.

أن ما قامت به روسيا بغزو وإحتلال أوكرانيا مؤخرا , لا يختلف عن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية عام 1961 , بمحاولة غزو كوبا الفاشلة بدواعي تهديدها لأمن الولايات المتحدة الأمريكية , بقيام الإتحاد السوفيتي نصب صواريخ قابلة لحمل الأسلحة النووية على الأراضي الكوبية , وهي الذرائع نفسها مع إختلاف التفصيلات اتي تتذرع بها روسيا , بإنضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي . يومها أقامت الولايات المتحدة الأمريكية الدنيا ولم تقعدها بجعل العالم يقف على حافة التهديد بحرب نووية , تماما كما تفعل روسيا اليوم بإصدار الرئيس الروسي بوتين أوامره بجاهزية صواريخه النووية .لم تفكر أية دولة بفرض عقوبات أو التهديد بفرض عقوبات على الولايات المتحدة الأمريكية يومذاك, بل كان الجميع يسعى لنزع فتيل الأزمة التي تمكن الزعيم السوفيتي يومذاك نيكتا خروشوف من نزعها بعقد صفقة سياسية مع الرئيس الأمريكي جون كنيدي , تضمنت سحب الصواريخ السوفيتية من الجزيرة الكوبية مقابل ضمان الولايات المتحدة الأمريكية بعدم غزو كوبا , وهو الأمر الذي ضمن إستقلال كوبا والحفاظ على أراضيها ونظامها السياسي حتى يومنا هذا على الرغم من إنهيار الإتحاد السوفيتي وتفكيك جمهورياته والتي منها جمهورية أوكرانيا موضوع الأزمة الراهنة.

يتباكى البعض على محنة أوكرانيا الراهنة , لا من وجهة نظر إنسانية لما حل بسكانها المدنيين وتشردهم بحثا عن ملاذات آمنة كما يحصل عادة في هكذا نزاعات , بل من وجهة نظر أنهم لا ينبغي أن يحصل ذلك لأوربيين متحضرين وذوي عيون زرقاء في بلد أوربي, فهم ليسوا من العراق أو سورية وبلدان الشرق الأوسط ليحصل لهم ذلك . فأية عنصرية مقيتة هذه حتى في الأزمات الإنسانية. متناسين أن البلدان الأوربية هي الأكثر البلدان التي شهدت حروبا وغزوات وصراعات دامية ما زال بعضها قائما حتى يومنا هذا , تسببت بتشريد ملايين الناس , يكفي أن نشير إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وحرب جمهوريات يوغوسلافيا السابقة وصراعات أيرلندا الشمالية والباسك في إسبانيا والقبارصة الأتراك واليونانين وغيرها.

صبرا يا عراق الخير والمحبة والإيمان على ما تحملته من أهوال تهد الجبال الشامخة , على أيدي بعض أبنائك المارقين دون ذنب منك . لقد عانيت يا عراق ما لم يعانيه أي بلد من البلدان من حروب عبثية إحترق فيه الأخضر واليابس , وفتن وصراعات سياسية دامية جراء نزوات سياسية لبعض مراهقي السياسة وصبيتها ممن إعتقدوا أنهم حملة رسالة عقائدية مكلفين بتنفيذها , كونهم طليعة فكرية متقدمة على الآخرين الذين لم يدركوا مصلحتهم التي هم أعرف بها , وعليهم القيام بواجبهم النضالي نيابة عنهم لتحقيق تلك المصالح, مهما كلفهم الأمر من تضحيات وسفك دماء ,تحت يافطة الكفاح المسلح والعنف الثوري وما إلى ذلك من شعارات ثورية , من أجل غد أفضل موعود لم يلمس الناس منه شيئا ,كان اشبه بالسراب .

عاش العراق صراعات دامية جراء إنقلابات عسكرية وصفها القائمون بها بالثورات العظيمة التي ستنقل العراق إلى مصاف الدول المتقدمة في بضعة سنين,ولم يحصدوا سوى المزيد من الخراب . وقيل لهم قد جاءكم الغيث على أيدي حكام جدد عاشوا سنين طويلة في المنافي وتأقلموا على أجواء الحرية والديمقراطية وصيانة كرامة الناس وضمان حقوقهم ورعايتهم , ليقيموا العدل والسلام والأمن والآمان في ربوع الرافدين, وبدعم دولي غير مسبوق وحماية أمريكية . وها هو العراق بعد مضي أكثر من ستة عقود وحاله يتدهور من سيئ إلى أسوء في جميع مناحي الحياة , ليس قياسا على حاله السابق فحسب ,بل قياسا على حال دول العالم أجمع , خلافا لسنة الحياة القائمة على تطور الحياة الإنسانية لما هو أفضل , بفضل معطيات العلوم الحديثة ومستجدات التكنولوجيا وقدرة الإنسان على توظيفها لتيسير سبل حياته وتحسين مستوى معيشته .

نقول صبرا يا عراق , ولا نقصد بالصبر هنا , الخنوع والإستكانة وقبول الأمر الواقع كمن لا حول ولا قوة له , بل تحمل الصعاب ولو إلى حين , والسعي بكل الوسائل للخلاص من هذا الواقع البائس بالمثابرة والعمل الدؤوب , وعدم اليأس مهما تلبدت الغيوم وضاقت السبل , وكما يقول أهلنا الطيبون في سالف الأزمان عندما تمر بهم محن الزمان “من الباب للكوسر فرج” , فالفرج قادم قريب بإذن الله .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close