مرارة كأس (قصة قصيرة)

يتردد إلى حبيبة قلبه في بيت بضعته، يستقبلها في بيوت زوجاته، يداعبها ويلاعبها يغمرها بعطف سابغ، رباها وهذبها، يحدق بروحها الأطهر من ماء السماء وقلبها الأصفي من المرآة ينتظرها تتحدث عما رأت في منامها ترتجف: جداه رأيت البارحة أن ريحاً عاصفة قد انبعثت فاسودت الدنيا وما فيها وأظلمت السماء، وحركتني الرياح من جانب إلى جانب فرأيت شجرة عظيمة فتمسكت بها؛ لكي أسلم من شدة الريح العاصفة، وإذا بالرياح قد قلعت الشجرة من مكانها وألقتها على الأرض! ثم تمسكت بغصن قوي من أغصان تلك الشجرة فكسرتها الرياح، تعلقت بغصن آخر فكسرته الريح العاصفة! فتمسكت بغصن آخر وغصن رابع ثم استيقظت من نومي ! أطرق وقلبه يخفق رحمة وحنانا، ضمها بشوق وضع خده على خدها، سالت دموعه على خديه رد بصوته الشجي: أما الشجرة فهو جدك، وأما الغصنان الكبيران فهما أمك وأباك، وأما الغصنان الآخران فأخواك الحسنان تسود الدنيا لفقدهما، وتلبسين لباس المصيبة والحداد في رزيتهم . سارت للزهراء والدمع يحرق مقلتيها ,شمت رائحة أبيها على وجنتيها، ألصقتها بحضنها قبلتها ألقت عليها دروس الوحي والنبوة، غرست في نفسها عنفوان نفس يتخطى الحواجز. مضت الأيام بسرعة البرق ولبى جدها نداء ربه . اعتصر قلبها الحزن العميق، ذهول وجزع وهي ترى لأول مرة في طفولتها حبيبها يحمل على الآلة الحدباء حتى يوارى الثرى . تصغي للعويل والبكاء وهي ترى جسده الطاهر صامتأً ومن حوله ضجة صاخبة؛ فأي طائف من الحزن طاف بها ليسمعها لحن الموت؟

تشاهد جدها ساكنا في حجر أبيها يقبل جبينه وسيل الدمع يتساقط على خديه، يضعه على الوسادة برفق يغسله يطيبه بالمسك ويكفنه فيدخل الناس جماعات ليودعوا أعز راحل .

تحدق في القوم يحفرون حفرة عميقه في حجزة الزاوية فيدلون الجسد فيها ويهيلون التراب ! لاذت بحضن أمها عانقتها وآهات النحيب تتعالى بغزارة دموع كالمطر، أضناهما الحزن على النبي. ترنو إلي أبيها والحزن يعلوملامحه انقسمت الساحة بعد الرسول بخلاف لاينتهي تشعبت خطوطه، خمسة وسبعون يوما عاشت مأساة والدتها من جحود القوم وعنائها بطلب النصرة والتأييد لزوجها :صوت ونداءات أمها ترسخت في أعماقها مثقلة بالأحزان تبكي أباها وتندبه عند قبره:

ماذا على من شم تربة أحمد ….ألا يشم مدى الزمان غواليا

صبت على مصائب لو أنها……صبت على الأيام عدن لياليا

بدت أكثر نضوجا وأرهف حسا ,بادرت تسمع وصايا البتول تمرض أمها بعد إجهاضها جنينها في غمرة أحداث مؤلمة، ساد الانقباض بالدار، لحقت فاطمة بالرسول . ذاقت طفولتها المبكرة مرارة كأس الفقد.

……………………………

بقلم / مجاهد منعثر منشد , المجموعة القصصية (ظمأ وعشق لله ) ,طبع دار جسد بغداد , الطبعة الأولى 2020, الفصل الثاني , حجور طيبة ,ص29ـ 30.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close