الأعمى والبصير

علي علي

كلنا يذكر درس الإنشاء في منهاج اللغة العربية لمراحل دراستنا الابتدائية والثانوية، وكيف كان معلمونا ومدرسونا يولونه اهتماما خاصا لايقل شأنا عن درس قواعد اللغة العربية، ولم يتأتَ هذا الاهتمام إلا لأن الكتابة لاتقل شأنا هي الأخرى عن المحادثة وجها لوجه او الخطابة المباشرة، إذ كلها تهدف الى إيصال معلومة او نشر فكرة او بث شكوى، او طرح مشكلة او البحث عن حل لها، وأحيانا تكون بوحا لآلام تعتصر قلب الكاتب او الخطيب او المتحدث، وفي الأحوال كلها يجتمع الكاتب والقارئ، والمتحدث والسامع، والخطيب والمتلقي، ليكمل أحدهما الآخر فتكون حينذاك فائدة عامة، ومنفعة شاملة، وبخلاف هذا ليس للنطق حاجة ولا للكتابة أهمية، ويتساوى إذاك الذين يعلمون والذين لايعلمون.
في سطوري هذي بوح ألم وبث شكوى، وطرح مشكلة، وبحث عن حلها، أما الألم فلأني أعيش في بلد ذي عمق حضاري غائر في التاريخ، وأما الشكوى فلأني لاأرى -بعد الله- غير منبري هذا أعرض من خلاله شكواي، بعد أن أُتخِمت صناديق الشكاوى المركونة على أبواب المسؤولين الصغار والكبار و -الكبار جدا-. وأراني معذورا لو رددت أبيات الشاعر:
وددت لو يسـتعيد الدهر دورتــه
ولو لحظة من زمان الأمس تسـترق
ماذا سأشكو على الأوراق من ألـم
أقــل شـكـواي لايقـوى لـه الورق
نحـن انتمينـا الـى تاريخنـا بدم
وآخـرون علـى تاريخهـم بصقـــوا
اليوم نمر -جميعنا- بظرف ليس فيه مساحة للوم او العذل، فكما نقول (الطاوة حارة) و-جميعنا- في غنى عن متاعب التقريع والتوبيخ، وكشف حساباتٍ ونشر غسيل قديم، وكما للأعمال أولويات، كذلك للمشاكل والمصائب أولويات أيضا، ولحلولها قطعا أكثر من أولويات وعلينا إيلاؤها درجات اهتمام قصوى، نشترك -جميعا- في صياغتها على النحو الأمثل والوجه الأكمل. و كلنا مسؤولون عن النتائج كيفما كانت، وليس لنا مناص من المواجهة الحقيقية -وإن كانت صادمة- مع الأمر الذي وقع والذي واقع لامحالة. وليس من مصلحتنا التهرب بعيدا، او الانزواء جانبا أمام ماتفرزه لنا الأحداث ومايستجد منها يوميا. أما -جميعنا- فأقصد بهم:
– العراقيون المجنسون ليس بوثائق وأوراق ثبوتية فقط، بل بهوية عراقية لها امتداد روحي صادق قلبا وقالبا.
– العراقيون الذين يستنشقون نسمات مدنهم ملء صدورهم، ولايستبدلونها بهواء بلاد غير بلادهم.
– العراقيون الذين تمتد جذورهم مع امتداد حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، فيلتصقون بتراب الأرض المعطاء على مر العصور الغابرة واللاحقة.
– العراقيون الذين يجري في عروقهم دم لايستغنون عنه، كما هم لايستغنون عن الماء الذي يجري في أحضان دجلة والفرات، ويستطعمون مذاقه ماءً عذبا سلسبيلا سائغا شرابه.
– العراقيون الذين لاينام لهم طرف إذا مس شر او ضرر شبرا من محافظات عراقهم، وإن لم يكونوا قد رأوه او مكثوا فيه ولو لحظة.
– العراقيون المتألمون لما حدث بالأمس ومايحدث اليوم على أرضه، والشاكون لأنفسهم عن سوء ما جناه رعاع خونة محسوبون على العراق والعراقيين، وهم لاينتمون اليه من قريب او من بعيد.
العراقيون هم ماذكرتهم حصرا، إذ من غير المعقول أن يستوي الأعمى والبصير، ومن غير المستساغ ان يتساوى المحب للخير والارتقاء، مع الذين في قلوبهم مرض لا يفقهون شيئا عن معنى الجمال وأشكاله وألوانه، فهم صم بكم عمي عن كل ماله صلة بالحياة، الذين لايرون في دوران الأرض غير الصداع و (دوخة الراس) ولايرون في النجوم الزهر غير ضوء آفلٍ، ليس له في قاموسهم أي معنى، فيما يراه الطيبون الخيرون لآلئ تضيء صفحة السماء، فتبعث في نفوسهم التأمل في جمال الكون وعظمة صنيعة الخالق. اليوم نحن -جميعنا- مطالبون بالوقوف أمام من يودون إرجاع عقارب كل الحضارات الى الخلف، وليس لهم من الحب والجمال والحياة الكريمة من شيء، هم بأسماء عديدة فمنهم: “الداعشي” ومنهم “الطائفي” ومنهم “السارق” ومنهم “الفاسد” ومنهم “المزور” ومنهم “المرتشي” وكثيرون آخرون بمسميات ليس لها حصر، علينا -جميعنا- مواجهتها، فهل نتفق -جميعنا- على هذا؟.
[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close