ما نعرفه عن طبيعة الأنسان !

ما نعرفه عن طبيعة الأنسان ! * د. رضا العطار

اهم صفة في الاجسام الحية، تحولها المستمر، بل ربما كانت هذه اهم صفة في الجماد ايضا . لكنها ظاهرة اكثر في الاحياء, لا تجد نباتا او حيوانا على حال واحدة في ساعتين متتاليتين. فالحي دائم التمثيل والافراز والنمو, لا تنهى ذراته عن التجدد والأندثار.

فهو في هذه الساعة يختلف عما كان عليه قبل ساعة وسيختلف عما سيكون بعد ساعة اي انه في تحول مستمر. والتحول اذا اطرد وتمادى عليه الزمن , صار تحورا, كالجلد عندما يتقرن . اذا كثر احتكاكه ؟. والتحور اذا اطرد وتمادى , صار بعد اجيال متتابعة تطورا, كالسلالة الداجنة من الحيوان تنشأ من سلالة برية قديمة.

فالتحول هو ناموس الحياة الرئيسي واليه تستند جميع نواميس الحياة الاخرى هي في الحقيقة صورة اخرى منه. فاذا قلنا ان التمثيل او النمو هما من نواميس الحياة فاننا لا نعني اكثر من قولنا ان التحول قد يكون احيانا بالتمثيل واحيانا اخرى بالنمو.

ومن هذه الطبيعة العجيبة تنشأ لدينا صعوبة في وضع قواعد ثابتة لها وخاصة للحياة العليا التي تتجلى في الانسان وجماعاته. فالقواعد والقوانين والمؤسسات كلها جامدة ثابتة, وحياة الانسان مرنة متحركة, فهي في تحول لا يقف لحظة. وكلاهما لذلك في تناقض . وعلى هذا نقول ان الانسان في صراع دائم مع مؤسساته, هو صراع بين مرونة الحياة و جمود القاعدة . ولكن التحول نفسه يحتاج الى قواعد لانه عندما تتفاقم الحالة بين قاعدة قديمة وتحول جديد, نحتاج انذاك ايجاد قاعدة جديدة لكي نمكّن الناس من السير في منهج جديد.

ومن هنا كانت فائدة المصلحين والانبياء والمشرعين والفلاسفة, فأنهم يقيمون المؤسسات والقواعد البنائية ويغرسون في الناس العوائد الجديدة ولكنهم يتغافلون ضرر هذه المؤسسات لانها وان صلحت في الاول لكنها تراخت في التقدم و جمدت امام مرونة الحياة . ومن هنا يمكننا ان نقول ان جرثومة الفساد اصيلة في كل اصلاح . فما من مؤسسة يقصد منها خير الناس الاّ وبذرة الشر كامنة فيها. تجعل الضرر يعود عليهم من حين لأخر ,

ولكن مع كل ما قلناه لا يمكن للبشر ان يعيش بلا نظام. والنظام يقضي بوجود المؤسسات والقوانين , والمهم هنا هو ان لا نفضي على هذه المؤسسات مسحة القداسة بحيث تكتسب حرمة خاصة تمنع الناس من طرح ارائهم بحرية . بغية تغييرها او تبديلها عند اللزوم . كي يكونوا اهلا في اجراء التبديل والتغيير خاصة بما يتعلق بأمور نظام الحكم والزواج والطلاق والتربية والامتلاك وسائر ما يؤثر في حياة الفرد او السلالة .

ولكي يجعل الانسان الاشياء تجاري الحياة في تحولها ولا تخرج عن المألوف و يحقق غايته . عليه ان لا يجمد فكرة مهما كانت , يضعها في اطار التقديس , فليس شئ في هذا العالم اجدر بالتقديس من حرية الرأي والعقيدة.

ان اول ما يجب ان يتجه اليه نظر المصلح في بلداننا الشرقية هو الحصول على حرية الرأي وسائر ما يتفرع من هذه الحرية , كحرية الخطابة والاجتماع والصحافة . لان هذه الحرية تكفل بتصادم الاراء وتمحيص الافكار واقتباس العادات وفقا لتحول الحياة .

بقى ان نقول ان شباب الامة اوفق لحريتها واقبل لسياسة التحول من شيوخها . لان العادة تترسّخ بنسبة مدة ممارستها . وليست المؤسسات والقوانين الا انعكاسا لعادات كانت قد ثبتت و ترسخت في اذهان الشيوخ اكثر منها في الشباب. ولهذا السبب يتهم الشباب شيوخنا بالجمود, كما يتهم الشيوخ الشباب بالطفرة. والطفرة في الحقيقة هي ليست سوى عدم احترام العادات الماضية. ولكن الطفرة على كل حال خير من الجمود . وخاصة وان كثيرا من العادات الاسيوية تكاد تخنقنا وتعمل لتأخرنا في الوقت الذي تقوم الحضارة الاوربية على اكتساحنا بعلوم التقنية. فما علينا الا ان نسلم مقاليد الحكم بيد شبابنا .

و الاقوال التي تتكرر هذه الايام بان العلوم التقنية قد تقدمت شوطا كثيرا بينما العلوم الاجتماعية والاخلاقية لا زالت متراوحة في مكانها كما كانت عليها في الماضي البعيد . وهم يعنون بالاخلاق جميع علاقات الانسان بالانسان . يدخل في ذلك معايرة الحق والعدالة واعتبارات العلاقات الاجتماعية ورأي الناس في طراز الزواج والعائلة خاصة

والواقع انه قد حصل بعض التقدم في الاخلاق من هذه الوجهة . ولكنه لا يمكن ان يقرن الى تقدم العلوم . فالتقدم في الاخلاق وان كان وئيدا فانه كثيرا ما يقف. اما العلوم فماضية تعدو تكشف كل يوم عن طور جديد او نظرية جديدة وهذا التفاوت بينهما مدعاة الى الارتباك في طبقات الهيئة الاجتماعية , يثير النزاع بين العمال واصحاب المال واظهر دليل على هذا التفاوت هو ذلك التقدم الهائل الذي بلغته المخترعات الحربية في حين ان الاخلاق الاممية لا تزال على المستوى الذي كانت عليه منذ قرون عديدة .

وهذه العلوم تتقدم باطراد بينما علم الادب والاخلاق راكدة . واذا استمر الحال على هذا المنوال فاليوم ليس ببعيد ان تظهر الهوة بين الاثنين ويختل نظام الهيئة الاجتماعية مسببا فوضى اقتصادية.

ان العالم مقسوم الى اوطان وكلها تتباهى بوطنيتها ونحن نعلم صبياننا على الاعتزاز المفرط بتاريخ آبائهم ومفاخرهم دون الالتفات الى حقيقة وهي ان لأمم العالم مصالح مشتركة . وانها متجهة نحو سياسة عالمية موحدة . فان ربط دول العالم بخطوط مواصلات سريعة جعلت الاوطان وطنا واحدا كما حصل في الوحدة الاوربية المشتركة والمحاولات جارية حاليا لتوحيد الدول الافريقية في وحدة مشتركة.

وقد عالج الكاتب الانكليزي الكبير – ولز – موقف الانسان من التطور الفكري الحاصل للعصر الحديث فأقترح تشكيل لجنة عالمية مؤلفة من نخبة من ادباء وفلاسفة وعلماء دين وتربية بهدف دراسة التوراة بأقصى دقة ومحاولة تجديدها وتنقيحها , كل حقبة زمنية معينة , ليجاري فكره و منطقه متطلبات روح العصر الذي يعيش فيه الانسان لكي يكون مقبولا من قبل شباب الجيل الحديث ذو الافكار الليبرالية المزعزعة لمصداقية العقائد المتوارثة , علما انه قضى على صدورها اكثر من الفي عام .

و يسرني في هذا السياق ان اذكّر القارئ الكريم بالمصلح الاجتماعي المعروف جمال الدين الافغاني حين وجه نداءه الى العالم الاسلامي من القاهرة , كان ذلك في اواخر القرن التاسع عشر , يعاضده في رأيه محمد عبده , ان يعاد صياغة تفسير بعض الأيات القرانية بما يلائم و روح العصر , نظرا لتغير متطلبات الزمن , مرة كل مئة عام , كي يبقى الدين الاسلامي الحنيف شابا ابد الدهر.

* مقتبس من اعمال العلامة سلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close