القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٠٥

ضياء الشكرجي

[email protected]

لَن تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَليمٌ (٩٢)

هنا كما عودنا القرآن انتقالة بلا مناسبة. لكن الآية تشتمل على معنى أخلاقي راق وسام جدا. ابتداءً يجب أن نتعرف على معنى نيل الإنسان للبر، فالبر حسب اللغة القرآنية منزلة عالية جدا، تجعل صاحبها من أقرب المقربين إلى الله، لأن البر تعلو التقوى منزلة، والتقوى تعلو الإيمان منزلة، والإيمان يعلو الإسلام بمعناه الفقهي منزلة، مع فرض أن الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لعباده. وهذه المنزلة العالية جدا لن تنال حسب هذه الآية، إلا عندما يكون الإنسان مستعدا للإنفاق، ليس من الفائض مما يملك والذي لا حاجة له به، وليس بإعطاء حاجات لم يعد له استعمال لها ولا رغبة فيها، بل عندما ينفق ويعطي مما هو معتز به وفي حاجة له. لكن هذا المعنى كان سيبقى من أرقى المعاني، لو عمم على كل الناس، بقطع النظر عن قناعاتهم وانتماءاتهم الدينية، وهذا هو في الواقع المعيار عند الله، أي مدى إنسانية الإنسان وسمو خلقه، وليس ما يعتنق من دين وما يمارس من عبادات وطقوس وشعائر، لكن الله حسب القرآن ليس كما يوجبه العقل، بل كما رآه مؤسس الإسلام ومؤلف القرآن.

كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًا لِّبَني إِسرائيلَ إِلّا ما حَرَّمَ إِسرائيلُ عَلى نَفسِهِ مِن قَبلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوراةُ قُل فَأتوا بِالتَّوراةِ فَاتلوها إِن كُنتُم صادِقينَ (٩٣) فَمَنِ افتَرى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعدِ ذالِكَ فَأُلائِكَ هُمُ الظّالِمونَ (٩٤)

وانتقالة ثانية بلا مناسبة مرة أخرى. إسرائيل هو يعقوب، والذي حسب العهد القديم سمّاه الله إسرائيل بعدما صارع الله حتى مطلع الفجر دون أن يقدر الله عليه. وحيث إن الكلام عن الطعام ومحرماته في الأديان، فإن للإسلام شبها كبيرا جدا باليهودية فيما يتعلق بكثرة المحرمات من الطعام، وفي عموم الأحكام الشرعية الحاضرة في كل تفاصيل الحياة، على خلاف المسيحية، حيث يبدو إن المسيح كان يهدف إلى إلغاء الشريعة الموسوية، فخفف كثيرا منها، فجاء الإسلام ليتأثر باليهودية أكثر بكثير من تأثره بالمسيحية، رغم أنه يقول «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِّلَّذينَ آمَنُوا اليَهودَ وَالَّذينَ أَشرَكوا وَلَتَجِدَنَّ أَقرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ قالوا إِنّا نَصارى». الآية الأولى تقول إن الطعام كان كله بلا استثناء حلالا على بني إسرائيل، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فاتبعه بنو إسرائيل في التحريم، وهذا أمر غريب، فيعقوب هو الذي حرم ما حرم على نفسه بنفسه، ولم يكن ذلك التحريم من الله، ثم إنه حرم ما حرم على نفسه ولم يحرمه على غيره، فلم اتبعوه إذن يا ترى في تحريم هذه المحرمات على أنفسهم؟ وتقول الآية إن تحريم يعقوب ما حرمه من الطعام على نفسه كان قبل نزول التوراة. ثم تدعو الآية اليهود أن يتلوا التوراة ليثبتوا صدقهم، وإلا فهم كاذبون. ولا ندري هل قصدت الآية أن يتلوا المحرمات الواردة في التوراة، أو يتلوا قصة تحريم يعقوب على نفسه ما حرمه، أو أن يتلوا التوراة كلها. فالآية لا تتحداهم فقط في قراءة التوراة، بل أن يأتوا بالتوراة. ولو أنهم أتوا بالتوراة التي بين أيديهم لقال لهم محمد، هذه ليست التوراة التي أنزلها الله على موسى. أما الآية الثانية فتنعت بحق المفترين على الله بأنهم هم الظالمون. فهل تنطبق هذه القاعدة على كل من تلا كتابا وادعى أنه من الله، بما في ذلك القرآن، أم هو حكم يخص حصرا غير المسلمين؟

قُل صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعوا مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفًا وَّما كانَ مِنَ المُشرِكينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُّضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَّهُدًى لِّلعالَمينَ (٩٦)

«صَدَقَ اللهُ» تعني بالنتيجة من غير شك صدق محمد فيما يعتبره قول الله، وهكذا فاتباع ملة إبراهيم لا يعني إلا اتباع دين محمد. وإلا فالحنفاء كان لهم وجود في شبه الجزيرة العربية، فكان حالهم حال بقية سكان الجزيرة، لا خيار لهم إلا أن يعتنقوا الدين الجديد، الذي لا إكراه في اتباعه قولا، ولكنهم مكرهون عليه في النتيجة، سواء كان الإكراه في زمن نبي المسلمين، أو من بعده على يد خلفائه. أما البيت، أي الكعبة، فقيل فيه الكثير، من ذلك إن إبراهيم وبمساعدة ابنه إسماعيل قد بنى الكعبة، وقيل إن آدم كان أول من بنى الكعبة.

فيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَّقامُ إبراهيمَ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَّللهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إِلَيهِ سَبيلًا وَّمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالَمينَ (٩٧)

في البيت أي الكعبة آيات بينات أي علامات واضحة، ولم تذكر لنا الآية ما هذه الأدلة الواضحة إلا دليلا واحدا وهو مقام إبراهيم، ولكن هذا الدليل لا يعدو كونه ادعاء بموقع أنه يمثل مكان قيام إبراهيم، والقيام قد تعني وقوفه للصلاة، أو مكان قيامه لبناء الكعبة. وهذا الادعاء يشبه قول إن ها هنا نزل آدم وزوجته من الجنة إلى الأرض، أو ادعاء أن ها هنا، وبالضبط بين ارتفاعين، سميا بالصفا والمروة كانت هاجر تسعى ذهابا وإيابا بين المرتفعين بحثا عن ماء لرضيعها إسماعيل ولنفسها، وأن هاذين المرتفعين كان أحدهما قد نزل عليه آدم وهو الصفا، وسمي كذلك إشارة إلى آدم الذي جُعِلّ صفيّ الله، وعلى الآخر قد نزلت عليه حواء وهو المروة، أي المرأة، بمعنى امرأة آدم. قصص تروى وتُعَدّ آيات وعلامات وبراهين، لمجرد أنها قُصَّت وادُّعِيَ حدوثها من غير أي دليل ملموس على ذلك، وما على الملقاة عليهم هذه القصص إلا أن يصدقوها، وإلا فهم كافرون، والويل ثم الويل، ثم كل الويل الذي ما بعد ويل، للكافرين. ثم تذكر الآية الفريضة التي فرضها الإسلام على المسلمين، ألا هي فريضة الحج إلى البيت، أي إلى الكعبة في مكة، كإحدى أهم الفرائض، أو العبادات الواجبة، وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ويضيف الشيعة الخمس، ومن المسلمين من يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تلك الفرائض الأساسية. ولكن وجوب أداء فريضة الحج مشروط بشرطين، شرط الاستطاعة، وأن يكون الوجوب مرة واحدة في العمر، إلا إذا أراد المسلم المستطيع أن يستزيد تطوعا زيادة في طلب الثواب من الله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close