القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٠٦

ضياء الشكرجي

[email protected]

قُل يا أَهلَ الكِتابِ لِمَ تَكفُرونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهيدٌ عَلى ما تَعمَلونَ (٩٨)

هنا استنكار على اليهود والمسيحيين بسبب عدم إيمانهم بالدين الجديد والتحول من دينهم إليه، إقرارا بأن محمدا رسول الله والقرآن كتاب الله والإسلام دين الله الناسخ لدينيه السابقين اليهودي والمسيحي. فالقرآن لا يعتبر عدم الإيمان إنه بسبب عدم الاقتناع، بل هو إصرار على الكفر، مع علم المصرين بأن الإسلام هو الحق. ولذلك سمى عدم الاقتناع بالإسلام كفرا، أي طمرا للحقيقة وإنكارا للحق عن علم وإصرار، ومن هنا كان مصير الكافرين بمحمد الخلود الأبدي في نار جهنم.

قُل يا أَهلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبغونَها عِوَجًا وَّأَنتُم شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلونَ (٩٩)

الصدّ أي المنع عن سبيل الله يعني بكل تأكيد الصد عن الإسلام. بلا شك إن الصد باستخدام العنف أو أي لون من ألوان الإكراه مرفوض ومدان. لكن بكل تأكيد أيضا إن مجرد نقد الإسلام والتشكيك بنبوة محمد ومحاولة زعزعة قناعة من صدقوا بها، عن طريق الحوار وإظهار مواطن الضعف في الرسالة الجديدة، حتى لو كان ممارسها مخطئا، أو متبعا لدين يشتمل هو الآخر على نقاط الضعف وأسباب التشكيك به، هو أمر يجب أن تكون حريته متاحة للجميع. أما أي من الفريقين يبغيها يا ترى عوجا أكثر من الفريق الآخر أو بنفس المستوى، فأمر يمكن أن يُختلَف فيه. لكن الإسلام، وهكذا كل دين لا يرى الحق إلا معه، لا يستطيع أن يتعايش مع الاختلاف ويقبله، وإن قبل التعايش اضطرارا في حال الضعف، أو إظهارا لدينه بالمظهر المقبول، فهو تعايش في الظاهر، مقترن برفض باطني.

يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تُطيعوا فَريقًا مِّنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ يَرُدّوكُم بَعدَ إيمانِكُم كافِرينَ (١٠٠) وَكَيفَ تَكفُرونَ وَأَنتُم تُتلى عَلَيكُم آياتُ اللهِ وَفيكُم رَسولُهُ وَمَن يَّعتَصِم بِاللهِ فَقَد هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُّستَقيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُّسلِمونَ (١٠٢)

هذه الآيات الثلاث تؤكد هاجس وقلق صاحب الدعوة من احتمال تأثر المسلمين بتشكيكات بعض أتباع الديانتين الأخريين السابقتين، ومحاولات هؤلاء أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم بالإسلام كافرين به، إما بعودتهم إلى ما كانوا عليه من دين، أو اعتناق دين آخر أقدر على إقناعهم، أو التحول إلى مؤمنين من غير دين، كما كان عليه الذين عرفوا بالحنفاء. وهنا يجري الاستنكار والاستغراب من إمكانية تأثر البعض بالتشكيكات المثارة ضد الإسلام، بسبب إن الرسول المفترض ما زال بينهم، وهو بنفسه يتلو عليهم ما يعتبره آيات وكلام الله. من هنا تحث الآية الأخيرة المسلمين أن يستشعروا بالتقوى، حق التقوى أي بأقصى درجاتها، وأن يستشعروا الخوف من سوء العاقبة ومن الله، ويحرصوا على ألا يغادروا هذه الحياة إلى ثمة حياة أخرى عند موتهم، إلا وهم على دين الإسلام، كي لا يكون مصيرهم كمصير الكفار في نار جهنم خالدين فيها أبدا.

وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللهِ جَميعًا وَّلا تَفَرَّقوا وَاذكُروا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعداءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوانًا وَّكُنتُم عَلى شَفا حُفرَةٍ مِّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنها كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آياتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدونَ (١٠٣)

وبعد التحذير من الارتداد تأتي دعوة المسلمين إلى توحدهم، واعتصامهم بحبل الله، أي بدين الإسلام، وألا يتفرقوا، ويذكروا نعمة الله، أي نعمة الإسلام ومؤسسه، إذ جعل من المتعادين بالأمس إخوانا في الدين. ومع كل التحذيرات من الاختلاف، فقد اختلف المسلمون فيما بينهم بعد النبي، وكفر بعضهم بعضا، وأراق بعضهم دماء بعض، تماما كما فعل اليهود فيما بينهم والمسيحيون فيما بينهم، وسائر الأديان والآيديولوجيات الشمولية المدعية كل منها كما الأديان احتكار الحق والحقيقة.

وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَّدعونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُلائِكَ هُمُ المُفلِحونَ (١٠٤)

ثم تلي الدعوة إلى التوحد الدعوة إلى أن يكون من المسلمين أمة تمارس الدعوة، والدعوة هنا إلى الخير، وفي آية أخرى يطلب أن تكون الدعوة إلى سبيل الله، وهي في كل الأحوال تعني الدعوة إلى دين الإسلام، هذا فيما يتعلق الأمر بالخطاب الخارجي، أي الموجه إلى غير المسلمين، ولكن هذا لا يكفي، بل لا بد من مسعى حثيث لضمان التزام المسلمين أنفسهم بلوازم الإسلام، وذلك عبر الخطاب الداخلي، الذي أسماه القرآن بـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، والغريب إن مؤسس الإسلام لم يبتكر مصطلحا مختصرا لهذه الفريضة أي متكونا من مفردة أو مفردتين، بل نرى المصطلح متكونا من خمس كلمات، وإذا حسبنا حرف الجر الباء وحرف العطف الواو ككلمتين، تكون لدينا ست كلمات، أربع منها أسماء، واثنتان منها حرفان أو أداتان. وممارسة فريضة «الأمر بالمعروف بالمعروف والنهي عن المنكر» هي من أكثر الممارسات الدينية إزعاجا، حيث يسمح المتدين لنفسه أن يتدخل في شؤون الآخرين، حتى ذات البعد الشخصي المحض، فيوجه الأوامر والنواهي. نعم لو كانت هذه الفريضة تمارس بشكل صحيح، مما ينم عن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، فيتدخل الفرد أو لنقل المواطن الشاعر بالمسؤولية العامة، عندما يجري اعتداء على حقوق الآخرين أو انتهاك للحق العام أو إضرار بالصالح العام، لكان ذلك من أرقى الممارسات الاجتماعية، لكن المتدينين المتزمتين من كل الأديان يقحمون أنفسهم في خصوصية الآخرين بشكل مزعج، وبما لا يكون من أجل حفظ الصالح العام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close