الظاهرة الطائفية في العراق – ح 4

الظاهرة الطائفية في العراق – ح 4 (*) بقلم د. رضا العطار

ليعلم العراقي الأصيل ان منزلة العراق الوطن عنده، يجب ان تكون اغلى واعز من جميع عقائده المذهبية !

في هذه الحلقة لا يسعنا ربط نشأة التشيع في العراق بحركة المعارضة التي بدأت من عهد الخليفة عثمان – بسبب سوء ادارته – فقد كانت هناك معارضة يقودها شيعة وجمهورها ليس بالضرورة من الشيعة واخرى يقودها الخوارج وجمهورها ليس بالضرورة من الخوارج، وبقى الامر على هذا الحال الى ان حصل الفرز بين القيادة الشيعية بدءا من حركة زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب غير المعدود في أئمة الشيعة الاثنى عشرية، لا بل ان جمهور الشيعة الموالي لامامهم جعفر الصادق قد وافق على مقولة زيد (ان تعظيم علي بن ابي طالب لا يستوجب إدانة ابابكر الصديق وعمر بن الخطاب والبراءة منهما)، عادوا فطلبوا من زيد ان يدين الشيخين فرفض، فأمتنعوا عن المشاركة في ثورته.

اما الامام ابو حنيفة النعمان والمؤسس لاهم المذاهب السنية فقد ايد ثورة زيد وبايعه وامد الجيش الثائر بالاموال والرجال – – – وعجيب حقا امر الكاتب محمد عمارة الذي يورد كل هذه المعلومات ثم يفسر فشل حركتة واستشهاده بما يسميه : الخلق الشائن والطبع الغادر الذي طبع عليه الكوفيون عموما، والذين دأبوا على خذلان قادة الثورات – – وثمت تفسيران لاستمرار هؤلاء القادة في التعويل على الكوفة واتخاذها مثابة لثوراتهم، فهم اما ان يكونوا مع كل هذا الخذلان المستمر – مختلين عقليا وحاشاهم ذلك – واما ان تقرأ كل ثورة في سياقها التاريخي وظروفها الخاصة وموازين القوى القائمة وهذا هو الاقرب للمنطق العلمي التاريخي.

كانت حركة زيد بمثابة انشقاق على الزعامة التقليدية للشيعة التي ابتعدت عن السياسة بعد فاجعة كربلاء عام 61 للهجرة. واخذت الزيدية تقود المعارضة الى جانب الخوارج وغيرهم. ولم يكن جمهور الثورات الزيدية زيديا الا في اليمن بعد ان استقرت الزيدية فيها وسيطرت، وبدأ انصارها يتكاثرون. وقد قامت ثورات بقيادات زيدية بعد زيد، قادها ابنه يحيى في افغانستان. ثم محمد النفس الزكية في الحجاز واخوه ابراهيم في البصرة. ويحيى بن عمر في الكوفة. والحسن بن زيد في طبرستان. وهذه كلها تتصف في حركات المعارضة وجمهورها هو جمهور الناقمين على الدولة والمستعد للانضمام لاية ثورة تقوم ضد سلطة جائرة !

اما التأسيس الشيعي الاثنا عشري فيبدأ من الامام محمد الباقر، أخو زيد، الذي ينتظم في سلك القيادة التقليدية التي ابتعدت عن السياسة – – وقد تفرغ الباقر للعمل الفقهي والكلام – ومن هنا لقب بالباقر من جهة كونه بقر العلم اي شقّه.

وجرى على نهجه ابنه جعفر الصادق مؤسس المذهب الجعفري في الفقه. واستمر هذا النهج حتى نهاية سلسلة الأئمة الأثنى عشر. – – وفي ظل هذه الجهود البعيدة عن السياسة نشأ جمهور الشيعة الأثنى عشرية مكرسا تحولها الى طائفة دينية خالصة. وبذلك يمكن اعتبار محمد الباقر هو المؤسس الحقيقي الطائفة الشيعية وليس الامام علي بن ابي طالب الذي كان يقود جمهور الناقمين على قبيلة قريش بزعامة بني أمية. قبل ان يتأدلج هذا الجمهور وتنشأ الفرق والطوائف.

وهذا ما تعترف به تواريخ الشيعة بشكل غير مباشر حين تذكر ان قبيلة (ربيعة) قد تشيعت وهي التي كانت راس حربة في جيش علي بن ابي طالب وقال فيها رجزا منه :

يا لهف نفسي على ربيعة * * * ربيعة السامعة المطيعة

وينسب الطبري النظم التالي للامام علي قوله :

جزى الله قوما صابروا في لقائهم * * * لذا الموت قوما ما اعنف واكرما

واطيب احبارا واكرم شيمة * * * اذا كان اصوات الرجال تغمغما

يؤكد المؤرخون الشيعة المعاصرون ما ذهبنا اليه، فهم يقولون بوضوح ان ربيعة اصبحت من الشيعة التي اسس لها محمد الباقر – اما قبل ذلك فكانت من شيعة

علي بن ابي طالب – – وهذا الامر يجري على جل القبائل العراقية التي كانت خارج اخبار الطائفة – ودون ان يعني ذلك انها كانت من الطائفة السنية التي لم يكن لها وجود هي الاخرى ايام علي بن ابي طالب.

لم يظهر التشيع في الحجاز، حيث عاش محمد الباقر واحفاده في العراق – وكان التبشير الشيعي ناشطا هنا وحقق نجاحا بفعل الخلفية التاريخية للمعارضة الشيعية وسعي المرجعية الدينية في النجف حيث اكتسبت الطائفة جمهورا كبيرا من اهل العراق، آمن بأمامة الباقر واحفاده وجعلهم مراجعه في الدين والدنيا – ثم اخذ هذا الجمهور يتوسع في آواخر القرن الثالث فصارت للشيعة الاثنى عشرية مواقع نفوذ في بغداد والكوفة وبعض المدن العراقية الاخرى. – – وقد حدث ذلك بعد انتقال النشاط الزيدي من العراق الى اليمن، حيث خلا الجو للشيعة لنشر عقيدتهم، وقد لعبت المرجعية الشيعية في النجف دورا ناشطا في هذا الاتجاه، فكسبوا المزيد من المتشيعين لخط الامام الباقر.

الى الحلقة التالية

* مقتبس من كتاب المرئي واللامرئي في الادب والسياسة للمفكر هادي العلوي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close