القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٠٧

ضياء الشكرجي

[email protected]

وَلا تَكونوا كَالَّذينَ تَفَرَّقوا وَاختَلَفوا مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وَأُلائِكَ لَهُم عَذابٌ عَظيمٌ (١٠٥)

قبل تناول مضامين الآية نشير إلى الخطأ في قول «جاءَهُمُ البَيِّناتُ»، بينما الصحيح «جاءَتهُمُ البَيِّناتُ». الآية تحذر المسلمين من أن يكون حالهم حال من قبلهم من أتباع بقية الديانات، حيث تفرقوا واختلفوا وتكافروا وتعادوا وتقاتلوا، ومع هذا لم ينفع التحذير، بل بمجرد أن رحل عنهم المؤسس، سرعان ما دبت الخلافات والعداوات والحروب، لاسيما في زمن الخليفتين الثالث والرابع، وما بعدهما. والقرآن يقر بأن الأديان كانت سببا للاختلاف بقول «كانَ النّاسُ أُمَّةً وّاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنذِرينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النّاسِ فيمَا اختَلَفوا فيهِ وَمَا اختَلَفَ فيهِ إِلَّا الَّذينَ أوتوهُ مِن بَعدِ ما جاءَتهُمُ البَيِّناتُ بَغيًا بَينَهُم»، وتناولناها في محلها.

يَومَ تَبيَضُّ وُجوهٌ وَّتَسوَدُّ وُجوهٌ فَأَمَّا الَّذينَ اسوَدَّت وُجوهُهُم أَكَفَرتُم بَعدَ إيمانِكُم فَذوقُوا العَذابَ بِما كُنتُم تَكفُرونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذينَ ابيَضَّت وُجوهُهُم فَفي رَحمَةِ اللهِ هُم فيها خالِدونَ (١٠٧)

هناك من يرى في هذه الآية ومثيلاتها تعبيرا عن ثمة تمييز عنصري بسبب اللون، حيث نجد إن بياض الوجوه ممدوح وسوادها مذموم. لكن يمكن أن يرد بأن البياض والسواد معنيان هنا بمعنيهما المجازيين، أي البياض والسواد المعنويين، باعتبار أن البياض يرمز للنور والسواد للعتمة. لكن من أجل عدم الوقوع في اللبس وسوء الفهم، كان بالإمكان اختيار تعبير آخر، كأن يقول «يَومَ تَتَنَوَرُ وُجوهٌ» وَّ«تَدلَهِمُّ وُجوهٌ»، و«الَّذينَ ادلَهَمَّت وُجوهُهُم» و«الَّذينَ أَشرَقَت وُجوهُهُم». المهم إن من مسودي الوجوه يومئذ حسب هذه الآية هم الذين استجدت لديهم قناعة مغايرة، بعدما كانوا من قبل على دين الإسلام، فتركوه إلى الإلحاد أو اللاأدرية أو الإيمان اللاديني أو إلى دين آخر اقتنعوا به أكثر من قناعتهم بالإسلام. إذن ذوو الوجوه المبيضة يومئذ والمستحقون حصرا برحمة الله ونعيمه وجنته خالدين فيها أبدا، هم المسلمون المؤمنون الملتزمون، وربما فرقة واحدة من فرق المسلمين دون غيرها، حسبما تذهب إليه الكثير من فرق المسلمين المحتكرة للحق لنفسها والمكفرة لغيرها، وهم غير مخطئين حسب معايير الإسلام نفسه، لأن الفرق بين فرقة وأخرى يصل في حالات إلى درجة اعتبارهما دينين مستقلين، وإن كانت بينهما مشتركات، حالها حال المشتركات بين الأديان المختلفة الإبراهيمية وغير الإبراهيمية.

تِلكَ آياتُ اللهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَمَا اللهُ يُريدُ ظُلمًا لِّلعالَمينَ (١٠٨)

الله بكل تأكيد لا يريد ظلما بالناس، لكن الله بالصياغة المحمدية إنما هو بكل تأكيد إله ظالم أشد الظلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فهو أي هذا الإله المحمدي لا يثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته، بقطع النظر عن الإيمان وعدم الإيمان، وبقطع النظر عن العقيدة، فيما يفترض بالعدل الإلهي وفق النظرة الفلسفية المجردة والمتجردة، علاوة على أن شدة وأمد العقاب لا يتناسبان بأي حال من الأحوال مع الفعل المعاقب عليه، أو غالبا بسبب العقيدة الخطأ التي اعتمدها المعاقب، ليس بقصد الوقوع في الخطأ، بل بسبب الوراثة وتأثير البيئة والقصور.

وَللهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ وَإِلَى اللهِ تُرجَعُ الأُمورُ (١٠٩)

بلا شك إن الله إذا كان هو الذي خلق كل شيء من العدم، فكل شيء مخلوق عائد له، وإليه ترجع أمور البشر وسائر المخلوقات الحية، يقيم العدل الذي افتُقِدَ في عالم المادة، مع التحفظ على مصطلح السماوات وفهم القرآن لها، مما لا يتفق مع الحقائق العلمية عن الكون.

كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنونَ بِاللهِ وَلَو آمَنَ أَهلُ الكِتابِ لَكانَ خَيرًا لَّهُم مِّنهُمُ المُؤمِنونَ وَأَكثَرُهُمُ الفاسِقونَ (١١٠)

كل أتباع دين بحسب دينهم هم أفضل وأشرف البشرية كلها، فاليهود شعب الله المختار، والمسيحيون هم الذين خصّهم الله بالخلاص، والمسلمون هم خير أمة أخرجت للناس. وتذكر الآية سببين لهذا التفضيل، الأول حسب الترتيب في الآية، وليس حسب الأهمية هو مزاولتهم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، والثاني إيمانهم بالله، وهنا سيقال إن الآية ذكرت الإيمان بالله فقط، ولكننا نعلم إن الإيمان بالله وحده لا يكون إيمانا مقبولا ما لم يكن مقرونا بالإيمان برسول الله محمد وكتاب الله القرآن وشرائع الله التي هي شرائع الدين الإسلامي، ثم الآية تخاطب المسلمين بعدّهم خير الأمم من دون البشر، ولو كان الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقصودين بمعنييهما العامين لا المفهومين الخاصين وفق الإسلام، لاعتبر القرآن كل من آمن بالله وزاول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشمولا بوسام الانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس. أما أتباع الأديان الكتابية الأخرى حسب هذه الآية فـ«مِنهُمُ المُؤمِنونَ وَأَكثَرُهُمُ الفاسِقونَ». ثم الكثير من المنكر، لاسيما الذي هو بدرجة الحرمة، في الإسلام، ليس منكرا في بقية الأديان، وكثير من المعروف الواجب، إما هو معروف لكن غير واجب في الأديان الأخرى، وإما هو غير معروف بل ربما منكر

لَن يَضُرّوكُم إِلّا أَذًى وَّإِن يُّقاتِلوكُم يُوَلّوكُمُ الأَدبارَ ثُمَّ لا يُنصَرونَ (١١١)

يقال إن اليهود كانوا يؤذون فريقا من المسلمين، عندما ينفردون بهم، والظاهر إن الأذى كان بالكلام والاستهزاء، وربما التهديد، في وقت ضعف المسلمين، ولا يبعد أن تكون رواية المسلمين صحيحة، لأن أتباع الأديان، لاسيما آنذاك، وكثير منهم اليوم، هم سواء في التعصب، وفي رفض الآخر المغاير، وإيذائه متى استضعفوه. فهنا تخفف الآية على أولئك المسلمين الذين كانوا يلاقون الأذى من أولئك اليهود، وتعدهم بالغلبة إذا ما جاءت المواجهة والقتال.

ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَينَ ما ثُقِفوا إِلّا بِحَبلٍ مِّن اللهِ وَحَبلٍ مِّنَ النّاسِ وَباؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَضُرِبَت عَلَيهِمُ المَسكَنَةُ ذالِكَ بِأَنَّهُم كانوا يَكفُرونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقتُلونَ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ ذالِكَ بِما عَصَوا وَّكانوا يَعتَدونَ (١١٢)

القرآن يتخذ عن الله قرار إصدار حكم الذلة في الدنيا والآخرة بحق أهل الكتاب الذي لم يصدقوا بالدين الجديد، بسبب (كفرهم) بـ(آيات الله)، وبسبب دعوى قتل أسلافهم للأنبياء، ولا يفهم كيف يقرر القرآن من القاعدة الصحيحة في أنه «لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِّزرَ أُخرى» من جهة، وكيف يؤاخذ قوما بما فعل أجدادهم الأولون من جهة أخرى، مما يعد ناقضا للقاعدة المذكورة. ثم القتل، وهو جريمة مهما كانت مبرراتها، خاصة إذا كانت بسبب الاختلاف في العقيدة، قد ارتكب من كل الأديان تجاه بعضها البعض. وإذا كان ارتكاب الدين الثاني لقتل الآخر المغاير جرى من أتباع الدين لاحقا، وليس من المؤسس، فالدينان الأول والثالث مارسا القتل تجاه الآخر المغاير في مرحلتي التأسيس، على الأقل هذا ما ورد في الكتابين المقدسين نفسيهما لهاذين الدينين. ولا ندري ما معنى قتلهم «الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ»، فالقتل كله باطل، لاسيما قتل الأنبياء مع افتراض وجود أنبياء، ومع علم الطرف القاتل بكونهم أنبياء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close