تحقيق يكشف سرقة موسكو آلاف الأطفال من أوكرانيا وتجنيسهم

لم تكشف روسيا عن العدد الحقيقي للأطفال الذين نقلتهم من أوكرانيا بينما تؤكد كييف أنه يفوق 8 آلاف

كشف تحقيق لوكالة أسوشيتد برس، جهودا حثيثة تقوم بها روسيا لطمس انتماء أطفال أوكرانيا لبلدهم بالتزامن مع  غزوها المتواصل منذ نحو ثمانية أشهر.

وأظهر التحقيق أن الجهود الروسية المفتوحة لتبني أطفال أوكرانيين وتربيتهم على أنهم روس قد بدأت بالفعل على قدم وساق.

وتم العثور على آلاف الأطفال في أقبية المدن التي مزقتها الحرب مثل ماريوبول وفي دور الأيتام في مناطق دونباس الانفصالية التي تدعمها روسيا.

ومن بينهم أولئك الذين قُتل آباؤهم في القصف الروسي، فضلا عن آخرين في مؤسسات أو مع أسر حاضنة، يُعرفون باسم “أطفال الدولة”.

وتدعي روسيا أن هؤلاء الأطفال ليس لديهم آباء أو أولياء أمور لرعايتهم، أو أنه لا يمكن الوصول إلى أهاليهم، لكن الحقيقة غير ذلك..

أسوشييتد برس وجدت أن مسؤولين روس رحلوا أطفالا أوكرانيين إلى روسيا أو الأراضي التي تسيطر عليها موسكو دون موافقتهم، وكذبوا عليهم بأن أولياءهم لم يبحثوا عنهم، واستخدموهم للدعاية، ثم وضعوهم في أسر روسية في انتظار تجنيسهم.

الوكالة قالت إن “هذا التحقيق هو الأكثر شمولا حتى الآن حول الاستيلاء على أيتام أوكرانيين”.

ودعمت وكالة أسوشييتد برس تحقيقها بعشرات المقابلات مع الآباء والأطفال ومسؤولين في كل من أوكرانيا وروسيا؛ بالإضافة إلى رسائل البريد الإلكتروني ورسائل بريدية، ووثائق روسية رسمية.

كان المشهد صعبا، الدموع اختلطت مع مشاعر حزن عميق، هذا كان حال المعلمة الأوكرانية، هالينا، التي لملمت أغراضها من الغرفة الصفية، قبل أن تغادر مدرسة كانت تعمل بها في جنوب أوكرانيا حيث يسيطر الروس على مدن وقرى، ويفرضون فيها أنظمة التعليم الروسي الذي يلغي كل شيء أوكراني.

نقلت الوكالة حالة أولغا لوباتكينا التي كادت أن تفقد عقلها جراء فراقها لأطفالها الستة.

وقالت عنها “تدور هذه السيدة حول قبو منزلها مثل حيوان محاصر، إذ ولأكثر من أسبوع، لم تسمع شيئا عن أطفالها الستة بالتبني، والذين تقطعت بهم السبل في ماريوبول”.

كان الأطفال قد أمضوا عطلتهم في منتجع في المدينة الساحلية، كالعادة، ولكن هذه المرة اندلعت الحرب مع روسيا، وتُركوا في مدينة محاصرة بلا نور ولا أمل “كل ما كان لديهم الآن هو ابنها الأكبر، تيموفي، الذي كان لا يزال يبلغ من العمر 17 عاما فقط” تقول لوباتكينا التي بالكاد استطاعت التحدث من شدة الحزن.

كانت أسئلة تراودها بلا نهاية: هل يجب أن تحاول إنقاذ أطفالها بنفسها وتخاطر، ثم تُقتل، وتتركهم أيتاما مرة أخرى؟ أم يجب أن تقوم بحملة لاسترجاعهم، وتخاطر بقتلهم أو الوقوع في أيدي الروس؟

لم تكن لديها أدنى فكرة عن أن معضلتها ستقودها مباشرة إلى معركة ضد روسيا، بسبب حملة التبني القسري التي تنتهجها.

ماذا يقول القانون؟

سواء كان لديهم آباء أم لا، فإن تربية أطفال الحرب في بلد أو ثقافة أخرى يمكن أن تكون علامة على الإبادة الجماعية، ومحاولة لمحو هوية الأمة المعادية.

يقول خبراء القانون إنه يمكن أيضا ربط عملية التبني والتجنيس القسري مباشرة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أيد صراحة هذه الجهود.

قال ستيفن راب، السفير الأميركي السابق لقضايا جرائم الحرب والذي يقدم المشورة لأوكرانيا بشأن الملاحقات القضائية، إنه حتى في حالة وفاة الآباء، يجب إيواء أطفالهم أو رعايتهم أو تبنيهم في أوكرانيا بدلا من ترحيلهم إلى روسيا.

ويحظر القانون الروسي تبني الأطفال الأجانب، لكن في مايو الماضي، وقع بوتين مرسوما يسهل على روسيا تبني ومنح الجنسية للأطفال الأوكرانيين المحرومين من رعاية الوالدين، وصعّب على أوكرانيا والأقارب الباقين على قيد الحياة استعادتهم.

وأعدت روسيا أيضا سجلا للأسر الروسية المناسبة للأطفال الأوكرانيين، ودفعت لهم مقابل كل طفل يحصل على الجنسية، ما يصل إلى 1000 دولار.

وهي تقيم معسكرات صيفية للأيتام الأوكرانيين، وتقدم دروس “التربية الوطنية” بل وتدير خطا ساخنا لإقران العائلات الروسية التي لديها أطفال من دونباس.

قصة مروعة

قال بيترو أندريوشينكو، مستشار عمدة ماريوبول، إن مئات الأطفال أخذوا من تلك المدينة وحدها: “إنها قصة مروعة تماما، لا نعرف ما إذا كان لأطفالنا أحد الوالدين أو أي شيء آخر لأن القوات الروسية أخذتهم قسرا”.

وتصور روسيا تبنيها للأطفال الأوكرانيين على أنه عمل إنساني يمنح منازل جديدة وموارد طبية للقصر العاجزين، بينما تُظهر وسائل الإعلام الرسمية الروسية مسؤولين محليين يعانقونهم ويقبلونهم ويسلمونهم جوازات سفر روسية.

ومن الصعب تحديد العدد الدقيق للأطفال الأوكرانيين الذين تم ترحيلهم إلى روسيا لكن  مسؤولين أوكرانيين قالوا إن حوالي 8000 طفل تعرضوا للنقل القسري إلى روسيا.

ولم تقدم روسيا العدد الإجمالي بشكلا رسمي، لكن المسؤولين يعلنون بانتظام وصول “أيتام” أوكرانيين على متن طائرات عسكرية روسية.

وفي مارس، قالت مسؤولة روسية معنية بملف حقوق الطفل، وهي ماريا لفوفا بيلوفا إن 1000 طفل من أوكرانيا موجودون في روسيا.

وقالت إن 120 أسرة روسية تقدمت خلال الصيف بطلبات للتبني، وحصل أكثر من 130 طفلا أوكرانيا على الجنسية الروسية.

لكن بعد شهر مارس، تضاعف عددهم حيث تم نقل الكثير منذ ذلك الحين، بما في ذلك دفعة من 234 في أوائل أكتوبر.

وزعمت بيلوفا أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى مساعدة روسيا للتغلب على الصدمة التي تركتهم ينامون بشكل سيئ، ويبكون في الليل، ويرسمون أقبية وملاجئ من القنابل.

“المجد لأوكرانيا”

واعترفت أنه في البداية، تم إحضار مجموعة من 30 طفلا إلى روسيا من أقبية ماريوبول وغنوا بتحدٍ النشيد الوطني الأوكراني وصرخوا، “المجد لأوكرانيا!” لكنها زعمت بعدها  أنهم غيروا آراءهم وقالت: “الآن، انتقاداتهم تحولت إلى حب لروسيا”.

وحتى بيلوفا نفسها تبنت مراهقا أوكرانيا من الذين تم نقلهم لروسيا، وكتبت على تطبيق تلغرام “اليوم حصل على جواز سفر مواطن من الاتحاد الروسي ولم يتركه!” وتباعت “كنا ننتظر هذا اليوم في عائلتنا أكثر من أي شخص آخر”.

يذكر أن الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا سلطوا على بيلوفا عقوبات لدورها في تطيبيق هذه السياسة ودعمها لغزو روسيا لأوكرانيا.

وفي رده على سؤال لأسوشييتد برس، رد مكتبها على طلب الوكالة بالإحالة على تصريح سابق لها قالت فيه  إن “روسيا تساعد الأطفال في الحفاظ على حقهم في العيش تحت سماء هادئة وأن يكونوا سعداء”.

“نهاية مرحلة الطفولة”

بالعودة إلى قصة لوباتكينا، قالت أسوشتيد برس إن طفولة ابنها المراهق، تيموفي، انتهت بشكل مفاجئ في ماريوبول.

أصبح تيموفي أبا لجميع إخوته، ثلاثة مصابين بأمراض أو إعاقات مزمنة، وأصغرهم كان عمره 7 سنوات فقط.

ومع انكسار الزجاج من حولهم بسبب القصف الشديد، تجمعوا في قبو، وعندما خاف الصغار، حملهم تيموفي بين ذراعيه، وبعد غارة جوية أخرى، قام بتجميع إخوته بجوار الجدار الأكثر سمكا.

يتذكر قائلا: “عندما تمشي وترى رؤوسا بشرية على الرصيف، لا شيء مهم، إلا نجاتك ونجاة من تحب”.

وعد تيموفي والدته برعاية الأطفال الصغار، ولكن بعد ذلك انقطعت الكهرباء، وفقد الاتصال بها تماما.

عرض صديق انضم إلى القتال أخذه من ماريوبول، لكنه رفض، إذ كان يعلم أنه لن يسامح نفسه أبدا إذا ترك إخوته وراءه.

أخيرا، قام طبيب محلي من ماريوبول بترتيب عملية إجلاء إلى مكان آخر في أوكرانيا، لكن القوات الموالية لروسيا عند نقطة تفتيش رفضت الاعتراف بوثائق الأطفال ونسخ من أوراق رسمية تحدد هويتهم وآبائهم.

انتهى الأمر بالأطفال في مستشفى في دونيتسك، وهي منطقة انفصالية في أوكرانيا تسيطر عليها روسيا.

“لن أذهب للقتال في حياتي”

وكان تيموفي وقتها، على بعد أشهر فقط من بلوغ سن الثامنة عشرة  وهو العمر الذي سيتم فيه تجنيده في جيش ما يعرف بـ”جمهورية دونيتسك” ضد وطنه.

لكنه قال “لن أذهب للقتال في حياتي لقد فهمت أنه كان علي الخروج من هناك بطريقة أو بأخرى”.

لم تهدأ لوباتكينا حتى تمكنت أخيرا من لقاء أطفالها مجددا.

كانت لوباتكينا تنسق جهودها مع داريا كاسيانوفا، مسؤولة في منظمة غير ربحية تدير قرى يتامى، ساعدتها على إنقاذ أطفاها، في إطار التفاوض بشأن إطلاق سراح 25 طفلا أوكرانيا من روسيا.

وقالت كاسيانوفا لوكالة أسوشيتد برس إن إرسال الأطفال في المقام الأول إلى الأراضي الروسية بدلا من أوكرانيا كان “انتهاكا لحقوقهم “.

وبعد شهرين من المفاوضات واعتراض أولي من مسؤول روسي رفيع المستوى، وافقت سلطات دونستيك أخيرا على السماح لمتطوع لديه توكيل رسمي من لوباتكينا بجمع الأطفال.

“سأعود بالطبع”

سألوا تيموفي عما إذا كان هو وإخوته يريدون العودة إلى عائلته الحاضنة أو البقاء في دونيتسك، فقال لهم: “الآن بعد أن سنحت لي الفرصة، سأعود بالطبع إلى والديّ”.

تمت صياغة وثيقة وتوقيعها أخيرا ، ثم بدأوا طريقهم نحو فرنسا.

وبعد تأخير بسبب القصف، غادروا أخيرا في رحلة بالحافلة لمدة ثلاثة أيام عبر روسيا ولاتفيا ومنها إلى برلين، حيث التقى تيموفي أخيرا بوالده في محطة للحافلات.

لم يستطع تصديق ذلك تماما، سافروا جميعهم إلى فرنسا، حيث ذهب تيموفي ليفاجئ والدته التي تعمل في مصنع للملابس، ليلتم شملهم أخيرا في انتظار أطفال أوكرانيا الآخرين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
, , ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close