تجارة جنسيات الكاريبي… المال مقابل جواز سفر فعال

الدوحة

أحمد حجي

يتزايد الإقبال عربياً على شراء جنسيات دول الكاريبي، بسبب التردي الاقتصادي والمجتمعي وتراجع قوة جوازات السفر أو مواجهة عراقيل متعددة لاستخراجها، ما دفع عائلات غنية للبحث عن خلاص يؤمن مستقبلها على بعد آلاف الأميال.

– تردد الفلسطيني المقيم في الدوحة منصور محمد على مقر السفارة المصرية خلال عامي 2020 و2021 محاولاً استيفاء شروط تجديد وثيقة السفر التي يحملها بصفته لاجئاً من قطاع غزة، وتمكن أخيراً من إنهاء معاملته بعد ثماني زيارات ونحو عامين من الانتظار.

ومن أجل التخلص من معاناته قرر محمد، كما طلب تعريفه عبر اسم مستعار حفاظاً على خصوصية عائلته، دفع 220 ألف دولار أميركي ليشتري وزوجته وأبناؤه الثلاثة جنسية دولة كومنولث دومينيكا، عبر استثمار عقاري في حصة بمنتجع سياحي، حصلوا بموجبه على جواز سفر يتيح لهم دخول 145 دولة من بينها منطقة شنغن وبريطانيا.

ويعمل محمد في مجال التوريدات الغذائية وتجارة التجزئة التي تدر عليه دخلًا سنويًا يكفي لحصول أولاده الثلاثة على تعليم جامعي ممتاز في إحدى الدول الأوروبية، لكن الأمر أكثر تعقيدًا في حال بقيت وثيقة السفر المصرية هي فقط كل ما يحملونه من أوراق ثبوتية، كما يقول لـ”العربي الجديد”.

ولا تختلف دوافع محمد كثيرا عن المهندس المصري المقيم في قطر محمد صلاح، الذي اشترى لأسرته جنسية الدولة ذاتها قبل عامين عبر تبرع لا يسترد بقيمة 150 ألف دولار، ويقول صلاح لـ”العربي الجديد”، إنه لم يزر مصر منذ ما يزيد على عشرة أعوام ولا يرجح العودة في المستقبل القريب أو حتى البعيد، إذ يستبعد قدرته على توفير حياة كريمة لعائلته في ظل تراجع الأوضاع الاقتصادية المستمر منذ سنوات، بحسب تعبيره.

كيف ظهرت تجارة الجنسيات ؟

عبر برامج المواطنة مقابل الاستثمار Citizenship By Investment تتيح خمس جزر في البحر الكاريبي، هي دومينيكا، وأنتيغوا وباربودا، وغرينادا، وسانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا، بيع جنسياتها في مقابل تبرع مالي لحكومات تلك الدول يراوح بين 100 و200 ألف دولار أو استثمار عقاري يراوح بين 200 و300 ألف دولار، وتتم هذه المعاملات عن طريق شركات ومكاتب وساطة دون الحاجة إلى الإقامة أو حتى السفر إلى تلك الدول، وفق بيانات مفصلة عن برامج التجنس بواسطة الاستثمار نشرتها مؤسسة Henley & Partners لاستشارات الهجرة التي تتخذ من العاصمة البريطانية مقرًا لها.

واحتلت الدول الكاريبية الخمس مراكز متقدمة من حيث قدرة حامل جواز سفرها على دخول دول منطقة شنغن وبريطانيا وعدة دول آسيوية وأفريقية دون تأشيرة، إذ حل جواز سانت كيتس ونيفيس في المرتبة 25 عالميًا ويتيح لحامله دخول 157 دولة، ثم جواز أنتيغوا وباربودا في المرتبة 30 ويمكن حامله من دخول 151 دولة، وسانت لوسيا في المرتبة 32 ويتيح لحامله دخول 147 دولة، ثم غرينادا في المرتبة 33 ويمكن لحامله دخول 146 دولة، وأتت دومينيكا خامسة بين جاراتها بجواز احتل المركز 34 بقدرة حامله على دخول 145 دولة، بحسب تصنيف Passport Index المعني بترتيب قوة جوازات السفر، والصادر في يوليو/ تموز 2022.

وتعد سانت كيتس ونيفيس أولى الدول التي أطلقت هذا البرنامج عام 1984 وتبعتها بعد ذلك في منتصف التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة جاراتها الأربع، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، ثم زاد عدد الدول التي تمنح جنسياتها مقابل التبرع النقدي أو الاستثمار إلى 14 دولة حول العالم، أحدثها تركيا والأردن ومصر، بحسب إحصاء أجرته في نهاية أغسطس/آب الماضي شركة Citizenship Shop المختصة بتقديم الاستشارات للراغبين في التجنس عبر الاستثمار، والتي يقع مقرها في مدينة بودابست المجرية.

و”بلغ الطلب على شراء جنسيات دول الكاريبي أوجه خلال عامي 2020 و2021 مع اشتداد القيود التي فرضتها كثير من الدول على حركة المسافرين ما تسبب في انهيار قطاع السياحة في الدول الكاريبية الخمس فاضطرت لطرح تخفيضات من أجل زيادة حصيلتها من بيع جنسياتها”، كما توضح عزّة الشناوي، مستشارة برامج الهجرة السابقة بمكتب شركة وورلد جيت في قطر، لـ”العربي الجديد”، وتضيف أن دولة دومينيكا كانت تمنح جنسيتها قبل عام 2020 مقابل تبرع قيمته 150 ألف دولار للفرد الواحد، لكنها خفضت هذا المبلغ في ظل جائحة كورونا لتتمكن عائلة مكونة من أربعة أفراد من الحصول على الجواز مقابل 135 ألف دولار تضاف إليها رسوم تحصلها الشركة الوسيطة تراوح بين 7 و10 آلاف دولار حسب قدرة المشتري على التفاوض.

تزايد الإقبال على شراء جنسيات دول الكاريبي خلال عامي 2020 و2021

ويتفق مستشار لبرامج الهجرة في مكتب شركة Citizenship Invest بدبي، فضّل عدم كشف هويته حرصًا على أمنه الوظيفي، مع الرأي السابق، قائلا إنه نجح في إنجاز 30 طلبًا في عام 2020 ومثلها في عام 2021 مقارنة بنحو 20 طلبًا في 2019، ولم يحدد فئة أو جنسية بعينها كعملاء حاليين ومستهدفين، مشيرا إلى أن عملاءه رجال أعمال ومديرو شركات كبرى بالإضافة إلى من سماهم بصغار المستثمرين الذين يدفعون جزءًا من مدخراتهم لشراء جنسية أخرى تتيح لأولادهم فرصًا أكبر في التنقل والحصول على تعليم جيد في إحدى الدول الغربية، مؤكدًا أن هؤلاء العملاء يحملون جنسيات عربية أو غير عربية أو لا يحملون جنسيات أصلًا في بعض الحالات.

عائدات كبيرة

تمثل برامج التجنيس بالاستثمار أحد أهم مصادر الدخل غير الضريبية للدول الكاريبية الخمس، وطبقًا لجداول الإيرادات الرسمية لعام 2021 والمدرجة في ميزانيات 2022/2023 بالإضافة إلى بيان صندوق النقد الدولي الصادرة لعام 2022، فإن عائدات برنامج دومينكا للتجنيس تعد استثنائية إذ بلغت 30% من مجمل إيرادات الدولة في عام 2021 بإيرادات قدرها 166 مليون دولار، وهي نسبة أقل من مثيلتها في عام 2020 التي بلغت 31%، بينما حصلت غرينادا في 2021 على 55 مليون دولار أميركي بنسبة تلامس 23% من مجمل إيرادات الدولة، وبينما لا تنشر وزارة المالية في سانت كيتس ونيفيس أرقامًا محددة لإيرادات برنامج التجنيس بالاستثمار ونسبة إيراداته من مجمل دخل الدولة إلا أن وسائل إعلام محلية نقلت عن مسؤولين في الحكومة قولهم إن تلك النسبة تبلغ نحو 40%.

وشجعت هذه التدفقات المالية قطاعات العقارات والسياحة وخلقت فرص عمل عدة بحسب بيان صندوق النقد الدولي الصادر في 2017، ورجح الصندوق أن معظم المشاريع الحكومية في سانت كيتس يتم تمويلها من إيرادات برنامج التجنيس بالاستثمار، وبحسب بيانه الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2021 فإن عائدات البرنامج ساعدت بشكل كبير الدولة في توفير الاعتمادات المالية اللازمة للتصدي لفيروس كورونا.

وفي دومينيكا، استخدمت عائدات البرنامج لإعادة الإعمار وأعمال البنية التحتية الطارئة التي تبعت تعرض البلاد لإعصارين مدمرين هما إريكا عام 2015 وماريا عام 2017، وفق ما رصده بيان صندوق النقد الدولي الصادر في فبراير/شباط 2022.

الصورة
إقبال من المشاهير

إقبال من المشاهير

يتذكر المهندس صلاح ليل السابع من فبراير/شباط 2022 وضحكاته الصاخبة أثناء مشاهدته مقطع فيديو متداول عبر فيسبوك يوثق تقدم نقيب الموسيقيين المصريين وقتها هاني شاكر للحصول على جنسية دولة دومينيكا التي يحمل صلاح جنسيتها، ويتابع، لا أصادر حق شاكر في السعي لحرية أكبر في التنقل عبر دول العالم لكن في الوقت نفسه أرى أنه وغيره من متصدري المشهد في مختلف المجالات هم بالتأكيد أسباب رئيسية دفعتني وغيري من المصريين المقتدرين ماليا لشراء لجنسية أخرى.

وساهم عدم استقرار الأوضاع واستمرار الاضطرابات الاقتصادية أو السياسية أو كليهما في بلدان المقيمين العرب ممن تعرفهم الشناوي بالشريحة المستهدفة في مزيد من محاولات السعي إلى الحصول على جواز ثان، ليس فقط لمزيد من حرية التنقل حول دول العالم، ولكن أيضًا كملاذ بديل إذا ما ضاقت السبل بحاملي جنسيات تلك الدول، وتابعت:” البلدان الكاريبية مقاصد سياحية عالمية ويمكن لحامل الجنسية استثمار مدخراته هناك”.

وأتمت الشناوي 15 برنامج مواطنة مقابل الاستثمار في عام 2020 وهو بحسب قولها رقم كبير قياسًا بحجم الشريحة المستهدفة داخل قطر من المقيمين العرب غير الخليجيين ذوي الدخول المرتفعة، وذكرت تحديدًا حاملي الجنسيات الأردنية والفلسطينية والمصرية والسورية واليمنية، ويتفق المسؤول في مكتب Citizenship Invest دبي مع الشناوي في أن طلب حملة هذه الجنسيات ارتفع في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.

هل تصلح دول الكاريبي كملاذ بديل؟

يعارض المحامي البريطاني المختص بملفات الهجرة مايكل رودز فكرة استقرار حاملي جنسيات دول الكاريبي عن طريق الاستثمار هناك، ويقول لـ”العربي الجديد”: “هذه دول لا تصلح أبدًا كملاذ”.

ويستبعد رودز نجاح المستثمرين الأفراد في بدء أي نشاط استثماري هناك، فبحسب قوله تلك الدول صغيرة المساحة يسكنها عدد قليل من الناس وتندر فيها فرص العمل أو الاستثمار، كما يعيش سكانها بمستوى معيشي منخفض جدًا، ما يجعل فرصة نجاح أي نشاط تجاري أو استثماري هناك ضئيلة.

ويضيف رودز أن الحاصلين على جنسية دول الكاريبي مقابل الاستثمار لا يتمتعون بكامل حقوق المواطنين الأصليين، إذ لا يحق لهم تقلد المناصب العامة أو الانتخاب. وبحسب رودز، فإن مدارس وجامعات تلك البلدان تعامل أبناء المجنسين بالاستثمار على أنهم طلاب أجانب. لكن رودز عاد واستدرك بقوله إن غرض معظم المجنسين بالاستثمار الحصول على حرية أكبر للتنقل بين دول العالم، مؤكدًا أن أبناءهم على الأرجح لن يحتاجوا خدمات تلك البلدان التعليمية بسبب توفر القدرة المالية لديهم على إلحاق أبنائهم بمدارس وجامعات تقدم تعليمًا أكثر جودة بكثير من المدارس والجامعات الكاريبية.

بيد أن الدول الخمس جميعها لا تحرم بشكل قاطع المجنسين بالاستثمار من حقوقهم السياسية والعامة، ففي الوقت الذي لا يرد فيه أي ذكر للحقوق السياسية للمجنسين بالاستثمار في دومينيكا، تنص المادة السادسة من قانون التجنس بالاستثمار في سانت لوسيا على تمتع الحاصلين على الجنسية عن طريق الاستثمار بحقوق المواطن والإعفاء من كافة متطلبات الأجانب في تلقي الخدمات، بينما سانت كيتس ونيفيس تتيح التمتع بالحقوق السياسية كالتصويت، إذ منحتهم الحكومة تلك الحقوق بشكل استثنائي شريطة استثمارهم بشكل كبير في الدولة، بحسب نص الفقرة الخامسة من الباب الثاني لقانون الجنسية في سانت كيتس لحقوق المجنسين بالاستثمار.

وإذ يتفق الفلسطيني منصور والمصري صلاح مع رودز في صعوبة الانتقال والاستقرار في بلدهم الجديد لبعد المسافة وقلة الفرص، لكنها تظل بالنسبة لكليهما خيارًا متاحًا وملاذًا أخيرا قد يحتاجانه يومًا إذا ما ضاقت بهم السبل وتبدلت الأحوال واحتاجا إلى بداية جديدة من بعد الصفر بقليل.

مخاطر الاحتيال

تأتي أرباح الشركات العاملة في ذلك المجال عبر مقابل خدمات الاستشارات القانونية والمالية وإنهاء الأوراق اللازمة والإجراءات كما تقول الشناوي، موضحة أن العملاء عليهم استيفاء مجموعة من المتطلبات، مثل شهادة المؤهل التعليمي وحسن السيرة والسلوك وإثبات للدخل وإثبات لمحل الإقامة وصور لجواز السفر بكل صفحاته من أجل مراجعة الدول التي زارها المتقدم.

وتضيف أن هذه الدول تجري ما يسمى ببحث الخلفية وتؤكد رفض أي طلبات يتقدم بها مرتبطون في قضايا إرهاب أو غسل أموال، مشيرة إلى أن التدقيق يتم بالتعاون مع الانتربول الذي يستطيع الحصول على صحيفة الحالة الجنائية الكاملة للمتقدم من سجلاته.

تخدع بعض الشركات الراغبين في الاستثمار عبر بيعهم عقارات مرهونة

ولا يوجد تفاوت كبير في المقابل الذي تحصل عليه الشركات الوسيطة بالنسبة لطلبات التجنيس بالاستثمار ومساري التبرع والاستثمار العقاري، لكن الشناوي ذكرت مسارًا ثالثًا للحصول على الجنسية وصفته بالاحتيالي، إذ تؤكد أن بعض الشركات تقنع العملاء بأنهم سيحصلون على الجنسية عن طريق الاستثمار العقاري، وتمنحهم صكا يثبت حصة في ملكية عقار تصدره شركة محلية، لكن العقار قد يكون إما لا وجود له من الأساس أو شرع المطور المحلي في بنائه لكنه يقع تحت الرهن العقاري لأحد المصارف المحلية (Mortage)، وبذلك يكون العقار مملوكًا في الأساس للمصرف وليس للشركة التي منحت المشتري صكا بمساهمته في العقار.

وعن المكسب الذي تحصله الشركات في هذه الحالة، تقول الشناوي إنها تحصّل من العميل على نحو 50 ألف دولار فقط وتحصل منها الدولة على 30 ألف دولار تحت مسمى رسوم تدقيق ومراجعة وبحث الخلفية الأمنية، وتستفيد الشركة من مكسب مضاعف قيمته 20 ألف دولار، وتعتبر الشناوي هذا المسار محفوفًا بالمخاطر، إذ تعتبره الدولة الكاريبية جريمة تزوير، وبشكل دوري تجري الحكومات مراجعة لمسوغات منح جواز السفر وحينما لا تجد عقارًا فعليًا مملوكًا للشخص تقدم على سحب جواز السفر، وتحدد قوائم سوداء للشركات التي تتبع هذا المسار وتوقف نشاطها وتسحب كل جوازات السفر التي أصدرت عن طريق استثماراتها الوهمية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close