ابو ذر الغفاري

ابو ذر الغفاري (*) د. رضا العطار

جُندُب بن جنادة من قبيلة غفار المعرقة في البداوة. وكانت اسرته من فقرائهم. ترددت اخباره في الجاهلية بين ان يكون قاطع طريق او متأله – – وقد لا يتعارضان اذا فهمنا قطعه للطريق على مثال عروة بن الورد. ولو انه لم يشتهر بها مثله. ويلاحظ على اي حال ان قطع الطريق كان مسلكا لعدد من المتصوفة مثل بشر الحافي والفضيل بن عياض – – ومن غرائب سفيان الثوري انه جعل الفقيه الذي يبدأ حياته قاطعا للطريق افضل من الفقيه الذي ينتظم راسا في سلك الفقه. وعلله بان الفتوة التي تقترن عادة باللصوصية على طريقة العيارين، تجعل شخصية الفقيه اكثر انفتاحا واقدر على التعامل مع الناس، واقل تعنتا وتزمتا – – ومن هذا الغرار دعوة القطب الجيلي الى :

(النهب من اموال الله لتوزيعها على عباد الله)

اسلم ابو ذر في بداية الدعوة المكية الا انه لم يلتحق بالنبي الا بعد الهجرة الى المدينة. ولم يكن له دور متميز بين الصحابة بل كان كأي واحد منهم يمارس واجباته العامة في الحرب والسلم. وكان يشترك في القتال من غير ان تذكر له مواقف كالتي عرفت عن فرسان الاسلام، كعلي بن ابي طالب.

غير انه تميز منذ البداية بمسلكه الخاص في الزهد والمقترب من الفقراء. وقد ذكروا انه كان من اهل الصُفّة. وهم جماعة من فقراء الصحابة لم يكن لهم دور يسكنونها، فكانوا يقيمون في صفّة المسجد. (الصُفّة هي السقيفة او الطارمة تطل على باحة المبنى) ويعيشون من معونات اهل المدينة – ولعله ان يكون خالطهم لفقرهم ولم يعش معهم فعدوه منهم.

وبرز دور ابي ذر الغفاري للمرة الاولى في الوقوف الى جانب علي بن ابي طالب في الخلاف على الخلافة. وكان من بين الاقلية، التي دعمت استخلاف علي وتضامنت معه في نزاعه ضد اهل السقيفة. وذُكر اسمه من بين سبعة، حضروا دفن فاطمة بنت النبي، التي اوصت ان تدفن سرا، لئلا يصلي عليها ابو بكر.

وقد عادت الامور الى مجاريها بعد وفاة فاطمة الزهراء، اذ كانت هي التي تمنع زوجها (عليا) من مبايعة ابو بكر. فتطامن الصراع، مع بقاء ابو ذر الى جانب الامام علي.

لقد اشترك ابو ذر في حروب الفتح ايام الشيخين ابو بكر وعمر – ثم بدأت جولاته في الصراع ضد الارستقراطية القرشية والاسلامية المستجدة في خلافة عثمان بعد ان تم الاستقطاب بين الفقراء والاغنياء في مجتمع الصحابة.

وكان ابو ذر ينشط ضمن معسكر المعارضة بأمامة علي. الا انه انفرد بوتيرة خاصة للنضال كان فيها اكثر اندفاعا واقل تحفظا من امامه. كما تميز عنه في خياراته الشخصية – – فقد امتنع ابو ذر عن امتلاك اي شئ. عدا راتبه السنوي المخصص له في ديوان الجند (الوزارة الحربية) وهو خمسة الاف درهم كان يعتاش منه ويوزع ما فضل على الفقراء – – وقد قنن عيشته وعيشة عائلته بالحد الادنى وارتكب في ذلك ظلما كظلم سائر الفقراء بحق بناته اللواتي قاسين الحرمان بسبب هذا التقنين – – ولو كانت عندي بنت لسمحت لها ان تلبس ثيابا جميلة وان تزين نفسها بزينة معقولة مقبولة، ولكنت اطعمها الحلوى التي تأكلها سائر البنات، دون اسراف او تقتير.

واكتفى ابو ذر بزوجة واحدة ولم يتسرى، اذ لم تكن عنده جواري ولا عبيد. فهو ممن حرم الرق على نفسه كما حرم الزواج الضرائري (تعدد الزوجات) وشاركه في ذلك سلمان الفارسي وعامر العنبري، فهؤلاء الثلاثة هم معلمو المشاعية في الاسلام.

يندرج ابو ذر في قائمة الاولياء ويمكن اعتباره من اقطاب الصوفية – الا انه وسلمان لا يتصفان في فئة اهل الثقافة، بينما يعتبر معبد الجهني تلميذ ابو ذر اول مفكر في الاسلام. – وابو ذر شان صاحبه سلمان مناضل اجتماعي على طريقة المسيح، يحركه وعي طبقي، وحس انساني لا يشترطان جذرا ثقافيا – – وفي زماننا لم يعرف المسلمون كتابا غير القرآن، وهو كتاب عقائد وسياسة وتشريع لا كتاب معرفة علمية او فلسفية.

تمسك ابو ذر بحكم الاية التي حرمت كنز الاموال، واستند اليها في نضاله ضد اغنياء المسلمين، داعيا الى تجريدهم من الاموال الزائدة عن حاجتهم. فعاداه معاوية، والي الشام، وكتب الى الخليفة عثمان، يقول بان ابو ذر يحرض الناس عليه ! وعلى اثر ذلك قدم عثمان على نفيه مع افراد اسرته الى بادية الربذة، حيث مات هناك، وقد قال عنه الزركلي انه (اول اشتراكي طاردته الحكومات) الا انه اعتبر من قبل المؤرخين اول معارض في الاسلام.

ونرصع هذا الموجز بخطاب امامه علي بن ابي طالب الذي القاه في وداعه يوم توجه الى الصحراء منفيا :

( يا أبا ذر انك غضبت الله فأرجُ من غضبت له، ان القوم خافوك على دنياهم – وخفتهم على دينك، فاترك في ايديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما احوجهم الى ما منعتهم وما اغناك عما منعوك – وستعلم من الرابح غدا والاكثر حُسدا !

كان الامام علي متفائلا حتى في انحس الهزائم وهو القائل ( يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم ) ومن هنا قوله لابو ذر : ستعلم من الرابح غدا !

* مقتبس من كتاب مدارات صوفية، للمفكر العربي هادي العلوي

ابو ذر الغفاري من منظور المفكر العربي هادي العلوي. (*) د. رضا العطار

جُندُب بن جنادة من قبيلة غفار المعرقة في البداوة. وكانت اسرته من فقرائهم. ترددت اخباره في الجاهلية بين ان يكون قاطع طريق او متأله – – وقد لا يتعارضان اذا فهمنا قطعه للطريق على مثال عروة بن الورد. ولو انه لم يشتهر بها مثله. ويلاحظ على اي حال ان قطع الطريق كان مسلكا لعدد من المتصوفة مثل بشر الحافي والفضيل بن عياض – – ومن غرائب سفيان الثوري انه جعل الفقيه الذي يبدأ حياته قاطعا للطريق افضل من الفقيه الذي ينتظم راسا في سلك الفقه. وعلله بان الفتوة التي تقترن عادة باللصوصية على طريقة العيارين، تجعل شخصية الفقيه اكثر انفتاحا واقدر على التعامل مع الناس، واقل تعنتا وتزمتا – – ومن هذا الغرار دعوة القطب الجيلي الى :

(النهب من اموال الله لتوزيعها على عباد الله)

اسلم ابو ذر في بداية الدعوة المكية الا انه لم يلتحق بالنبي الا بعد الهجرة الى المدينة. ولم يكن له دور متميز بين الصحابة بل كان كأي واحد منهم يمارس واجباته العامة في الحرب والسلم. وكان يشترك في القتال من غير ان تذكر له مواقف كالتي عرفت عن فرسان الاسلام، كعلي بن ابي طالب.

غير انه تميز منذ البداية بمسلكه الخاص في الزهد والمقترب من الفقراء. وقد ذكروا انه كان من اهل الصُفّة. وهم جماعة من فقراء الصحابة لم يكن لهم دور يسكنونها، فكانوا يقيمون في صفّة المسجد. (الصُفّة هي السقيفة او الطارمة تطل على باحة المبنى) ويعيشون من معونات اهل المدينة – ولعله ان يكون خالطهم لفقرهم ولم يعش معهم فعدوه منهم.

وبرز دور ابي ذر الغفاري للمرة الاولى في الوقوف الى جانب علي بن ابي طالب في الخلاف على الخلافة. وكان من بين الاقلية، التي دعمت استخلاف علي وتضامنت معه في نزاعه ضد اهل السقيفة. وذُكر اسمه من بين سبعة، حضروا دفن فاطمة بنت النبي، التي اوصت ان تدفن سرا، لئلا يصلي عليها ابو بكر.

وقد عادت الامور الى مجاريها بعد وفاة فاطمة الزهراء، اذ كانت هي التي تمنع زوجها (عليا) من مبايعة ابو بكر. فتطامن الصراع، مع بقاء ابو ذر الى جانب الامام علي.

لقد اشترك ابو ذر في حروب الفتح ايام الشيخين ابو بكر وعمر – ثم بدأت جولاته في الصراع ضد الارستقراطية القرشية والاسلامية المستجدة في خلافة عثمان بعد ان تم الاستقطاب بين الفقراء والاغنياء في مجتمع الصحابة.

وكان ابو ذر ينشط ضمن معسكر المعارضة بأمامة علي. الا انه انفرد بوتيرة خاصة للنضال كان فيها اكثر اندفاعا واقل تحفظا من امامه. كما تميز عنه في خياراته الشخصية – – فقد امتنع ابو ذر عن امتلاك اي شئ. عدا راتبه السنوي المخصص له في ديوان الجند (الوزارة الحربية) وهو خمسة الاف درهم كان يعتاش منه ويوزع ما فضل على الفقراء – – وقد قنن عيشته وعيشة عائلته بالحد الادنى وارتكب في ذلك ظلما كظلم سائر الفقراء بحق بناته اللواتي قاسين الحرمان بسبب هذا التقنين – – ولو كانت عندي بنت لسمحت لها ان تلبس ثيابا جميلة وان تزين نفسها بزينة معقولة مقبولة، ولكنت اطعمها الحلوى التي تأكلها سائر البنات، دون اسراف او تقتير.

واكتفى ابو ذر بزوجة واحدة ولم يتسرى، اذ لم تكن عنده جواري ولا عبيد. فهو ممن حرم الرق على نفسه كما حرم الزواج الضرائري (تعدد الزوجات) وشاركه في ذلك سلمان الفارسي وعامر العنبري، فهؤلاء الثلاثة هم معلمو المشاعية في الاسلام.

يندرج ابو ذر في قائمة الاولياء ويمكن اعتباره من اقطاب الصوفية – الا انه وسلمان لا يتصفان في فئة اهل الثقافة، بينما يعتبر معبد الجهني تلميذ ابو ذر اول مفكر في الاسلام. – وابو ذر شان صاحبه سلمان مناضل اجتماعي على طريقة المسيح، يحركه وعي طبقي، وحس انساني لا يشترطان جذرا ثقافيا – – وفي زماننا لم يعرف المسلمون كتابا غير القرآن، وهو كتاب عقائد وسياسة وتشريع لا كتاب معرفة علمية او فلسفية.

تمسك ابو ذر بحكم الاية التي حرمت كنز الاموال، واستند اليها في نضاله ضد اغنياء المسلمين، داعيا الى تجريدهم من الاموال الزائدة عن حاجتهم. فعاداه معاوية، والي الشام، وكتب الى الخليفة عثمان، يقول بان ابو ذر يحرض الناس عليه ! وعلى اثر ذلك قدم عثمان على نفيه مع افراد اسرته الى بادية الربذة، حيث مات هناك، وقد قال عنه الزركلي انه (اول اشتراكي طاردته الحكومات) الا انه اعتبر من قبل المؤرخين اول معارض في الاسلام.

ونرصع هذا الموجز بخطاب امامه علي بن ابي طالب الذي القاه في وداعه يوم توجه الى الصحراء منفيا :

( يا أبا ذر انك غضبت الله فأرجُ من غضبت له، ان القوم خافوك على دنياهم – وخفتهم على دينك، فاترك في ايديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما احوجهم الى ما منعتهم وما اغناك عما منعوك – وستعلم من الرابح غدا والاكثر حُسدا !

كان الامام علي متفائلا حتى في انحس الهزائم وهو القائل ( يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم ) ومن هنا قوله لابو ذر : ستعلم من الرابح غدا !

* مقتبس من كتاب مدارات صوفية، للمفكر العربي هادي العلوي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close