عندما ستنتصر ثورة الشعب الإيراني ١/٣

ضياء الشكرجي

[email protected]

إنها ثورة القرن الثاني والعشرين بلا منازع، سواء حققت انتصارها عاجلا أو آجلا.

مهما تكن قضيتنا الوطنية كعراقيين تتخذ الأولوية في اهتمامنا، نجد إن الثورة الإيرانية تتقدم عند الكثير منا في أهميتها، خاصة عند من ينتمي إلى المواطنة الكونية، وتهمه بالتالي كل قضايا الشعوب، أو من يعي ما من تأثير إيجابي سيعود علينا انتصار ثورة الشعب الإيراني.

عندما ستنتصر هذه الثورة، وتُسقط نظام ديكتاتورية الثيوقراطية الإسلامية، ستدخل التاريخ من أعرض أبوابه، وسيكون تأثيرها التاريخي في العالم ذي الأكثرية المسلمة، بما قد يفوق الأهمية التاريخية للثورة الفرنسية وتأثيرها على العالم الغربي ذي الأكثرية المسيحية، مع ملاحظة الاختلافات الجوهرية في الجغرافيا والتاريخ والخلفية الثقافية والدينية، فليس هناك من احتمال أن تتبع نجاح الثورة دوامة عنف، كما حصل بعد الثورة الفرنسية.

الذين تعنيهم هذه الثورة أمثالي، يتفاوتون في توقعاتهم، وفي مدى تفاؤلهم ومدى تشاؤمهم، ومدى ما يشخصون من مخاطر ستظهر حتى بعد تحقيق الثورة نجاحها في إسقاط النظام الحالي الذي أسسه خميني في شباط ١٩٧٩، حيث تفصلنا ثلاثة أشهر عن الذكرى الرابعة والأربعين. وقد يشتمل ما سيرد في مقالتي هذه ما يجده أقرب إلى الأماني، مما لا أنفيه كليا، لكنها أيضا توقعات، بعضها أحتمل رجحانها بدرجة كبيرة.

بتوقعي إن هذه الثورة ستبقى ثورة إيرانية وطنية، بدون أي تدخل خارجي، لا من أمريكا ولا إسرائيل، ولا من غيرهما، رغم أنها ستحظى بتأييد العالم الغربي، والقوى المحبة للحرية في شعوب المنطقة وغيرها. وستكون ثورة علمانية بامتياز، لن تسمح بإقحام دين ومذهب الأكثرية في مسارها، ولاحقا في الشأن العام. ولكن نتمنى أنها ستكفل حرية الملتزمين بالدين والمذهب كشأن شخصي محض، لا يؤثر على الحياة العامة، وتصون كرامتهم وتحميهم من ردود الفعل ضدهم، وهذا إذا لم يحصل من البداية، فسرعان ما سينحو الإيرانيون هذا المنحى. ففي البداية قد لا يمكن ضمان ألا تكون هناك ردود فعل تقترب من الراديكالية، دون مرتبة العنف ضد رجال الدين، وربما عموم المتشددين في تدينهم. لكني لا أتوقع أن تتحول هذه الممارسات إلى ظاهرة عامة واسعة ومستدامة، بل سرعان ما سينبه الواعون والمؤثرون إلى وجوب اجتناب جعل الثورة وكأنها ضد الدين والتدين. وإذا سأل سائل من أين استمددت اعتقادي أنها ثورة علمانية، أقول المؤشرات على ذلك كثيرة جدا، فمجرد ملاحظتنا منذ البداية، أن إحدى أبرز وأهم ممارساتها المركزية رفض الثائرات للإجبار على الحجاب كحكم شرعي، ثم ما يؤيد علمانية التوجه أننا وجدنا من أبرز هتافات الثورة هتاف “الموت للجمهورية الإسلامية”، “الموت لمبدأ ولاية الفقيه”، “لا نريد حكومة دينية”.

حسب مراقبتي لهذه الثورة منذ انطلاقها بعد اعتقال ومقتل مهسا أميني في السابع من تشرين الأول، لن تكون الثورة قومية، فارسية أو آذرية أو كردية أو عربية، بل المؤشرات تجعلني أرجح أنه سيكون حرص ووعي بوجوب إبقائها ثورة وحدة وطنية إيرانية شاملة. لكن لن يكون فيها نفس قومي فارسي، ولا نفس ديني إسلامي، ولا نفس مذهبي شيعي، فنجد المتظاهرين يرددون دائما هتاف “اتحاد، اتحاد، اتحاد”، ويكررون ذكر كل المناطق ذات الطابع القوي غير الفارسي، مثل كردستان، خوزستان، زاهدان، ….

وجدنا حتى الآن أن المرأة الإيرانية كانت ومازالت وستبقى في الطليعة. بل يمكن أن نتوقع باحتمال راجح، أنه لن تتشكل بعد سقوط النظام الحالي حكومة، إلا وحصة النساء سيقترب من النصف، وربما لن يقل عن ذلك، من غير الحاجة إلى اعتماد الكوتا، بل سيكون ذلك كإفراز طبيعي تلقائي.

وغير مستبعد أن نجد في قيادة الثورة وقيادة النظام الجديد، عندما تتبلور هذه القيادة، أن نجد المسلم الشيعي، والمسلم السني، والزرادشتي، واليهودي، والمسيحي، والملحد، واللاأدري، والإلهي، اللاديني. وفي كل الأحوال سينتهي دور المعممين كليا.

أما فيما يتعلق بالعقيدة الدينية، فمن خلال متابعتي عبرت في السنوات الأخيرة عن توقعي باحتمال قوي جدا، أننا سنجد معظم الشعب الإيراني سيتخذ عقيدة لادينية يفصح بها بلا تردد، وبما لم يشهده بلد ذو أكثرية مسلمة من قبل. لكن الذي نتمناه، بل الذي أتوقعه شخصيا، أن سيجري سريعا التثقيف على احترام عقائد الدينيين والمتدينين والمتمذهبين في حياتهم الخاصة، حتى لو مثلوا ١٠%، وسنجد مع الوقت أعداد المتدينين والمتدينات المشاركين في الاحتجاجات سيزداد. فحاليا هناك الكثير من المحجبات عن قناعة ذاتية، هن ضد النظام ومع الثورة، إلا أن الكثير منهن تحذر من المشاركة، خشية أن يتصور البقية أنهن من مؤيدات النظام.

بعد سقوط النظام لن نجد في شوارع إيران رجل دين يظهر بالعمامة، ليس من خلال المنع القانوني، ولا بسبب ما قد يتعرض له المعمم من إساءات، أتوقع أن العهد الجديد سيرفضها ويثقف على الامتناع عنها، لكن لأن العمامة أصبحت من مدة غير قصيرة، بل حتى منذ السنوات الأولى بعد تأسيس جمهورية الخميني، منبوذة ومكروهة من المجتمع الإيراني، وسيزداد مقت المجتمع الإيراني لها، بحيث سيختار المعممون أنفسهم ربما، وبمحض إرادتهم ألا يظهروا بزيهم التقليدي في الأماكن العامة. لكن هذا يمكن أن يتغير تدريجيا في المستقبل، عندما سنجد العديد من رجال الدين غير المنتمين للنظام، سيباركون العهد الجديد، ويدينون جرائم النظام البائد، ويؤكدون أفضلية النظام العلماني. مع هذا سينحسر منظر العمامة في المحافل العامة بشكل ملحوظ.

عندما ستنتصر الثورة، أتمنى أن يكون البيان الأول، في حال كان خامنئي مازال على قيد الحياة، الدعوة إلى التعريف بمكان اختبائه، ليلقى القبض عليه، دون الإساءة إليه جسديا، ولا معنويا، لا بالكلام، أو بأي تعبير آخر بالإهانة، لكن على أن يفرض عليه وجوب احترامه للقانون، عبر قوة القانون المراعية لحقوق المتهم، وينزل من عرش التبختر والتظاهر بالقداسة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close