قصة قصيرة

قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم

كان ينتظر دوره بنفاذ الصبر ليلتقي مع مَن تصوره خالقا أعظم ، في يوم حاسم بدا له طويلا ، مرهقا ومتعبا ، و بلا نهاية أشبه ما يكون بيوم حشر، وهو يحمل في جعبته كثيرا من دعوات إلى أعمال خير وحسنة طالما دعا الناس إليها لكي يرضي ضميره كمن قام بواجبه على أحسن وجه بالتمام و الكمال .. وعندما جاء دوره للمثول و الامتحان المصيري سأله الخالق الأعظم أن يعدد له الأعمال الخيّرة التي قام بها حتى الآن من أجل خير البشرية ، فهل أوى طفلا متشردا مثلا ،؟ أطعم جائعا فقيرا ، زرع شجرة ؟، فقدّم هو رزمة كبيرة من دعوات” تدعو ” إلى أعمال خير و حسنة ، وهي عبارة عن اقتباسات منقولة من هنا وهناك .. فجاء رد الرب حاسما و صاعقا : ــ هذا لا يكفي ! .. إنها مجرد دعوات فحسب لا تغني و لا تسمن.. بل لن تكون بديلا عن القيام بأعمال خيرّة فعلية متجسدة بشكل ملموس ومثمر ومحسوس من قبل الناس المحتاجين .. إذ ينبغي عليك أن تدرك وتعلم جيدا بأن تدعو إلى الخير ولا تفعله قطعا ، يشبه تماما كمَــن يتمنى شهية طيبة للجائع ولكن دون أن يقدم له طعاما .. فانصرف عن وجهي بعيدا .. فأنا لا أحب الغشاشين من دعاة الإنسانية المنافقين ولا الورعين الكذابين !..يبدو لي أنت من القوم الكسالى الذين يقولون أو يدعون إلى ما لا يفعلون !.. ولكن يحلو لهم أن يعطوا انطباعا زائفا و مضللا على أساس أنهم من دعاة الخير المميزين .. حينذاك تقهقر هو إلى الخلف مصعوقا من رد فعل الرب الرافض و الساخر .. أثناء ذلك وجد نفسه إنه لم يستطع التراجع ، لا إلى الخلف ولا يتقدم إلى الأمام ، وسط تلك الغابة البشرية المزدحمة الكثيفة المتراصة المتقدمة بقوة عزيمة و تصميم . مثل كتلة جبلية متدحرجة بكل عصف وعنفوان ‘ فوجد نفسه حائرا ‘ على وشك أن يتعثر متقهقرا ، منهارا ، أمام تلك الموجات البشرية الهائلة والرهيبة ‘ لينسحق قطعا متناثرة تحت تلك الأقدام المتقدمة بكل تصميم حاسم وعزيمة صارمة.. فحاول الجري ..هرولة .. بكل ما يملك من قوة كانت تخور و تُنفد قطرة فقطرة ، ليفلت من كماشة تلك الزحمة البشرية الخانقة قدر الإمكان ، إلا إنه أحس بقدميه المثقلتين كأنهما مشدودتان بصخرة هائلة تثبتّه في مكانه بقوة جبارة ، عندها أخذ يصيح و يستغيث لاهثا ، مختنقا ، بحركات شبه مشلولة و خامدة ، وسط رعب رهيب هيمن عليه ويشّله شّلا شاملا ومطلقا ..ولكن ..ها هو الانفراج يأتي فجأة ، حيث يجد نفسه فاتحا عينيه لاهثا ، متعّرقا بأنفاس متقطعة .. ثم متنفسا الصعداء كمَن بلغ شط الأمان أخيرا ، وهو يفيق على يدي زوجته وهي تهزه لكي يصحو وتنظر إليه بنظرات قلقة ومتسائلة .. و إذا به يتمتم مع نفسه : ــــ الحمد لله ! .. فكل ذلك كان مجرد حلم كابوسي فحسب .. و ..فجأة خطر على باله الحوار الغامض والعجيب ، فوجد نفسه يقول لزوجته بصيغة استفسار : سمعتُ جارنا الثاني على اليسار عاطل عن العمل و مريض حتى الآن ؟..تمام ؟.. و بنته الصغيرة لا زالت قاعدة على الرصيف لتبيع مناديل ورقيه وعلب مياه ، بعدما تركت المدرسة مضطرة ..مضبوط ؟.. نعم ..صحيح ..ولكن لماذا تسأل ..ما الذي جعلك ليخطروا على بالك هكذا فجأة ؟.. هذا غير مهم ..إنما المهم خذي لهم كهذا مبلغا من نقود ليتدبروا أمورهم لحين تتحّسن ظروفهم وأوضاعهم المادية .. رمته زوجته بنظرة ريب و تساؤل و دهشة ، جاهدة أن تعلق بشيء ما معترضة ، إلا إنه اسكتها بإشارة منه إلى أن تذهب بسرعة و تسلم المبلغ لزوجة الجار !.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close