عندما ستنتصر ثورة الشعب الإيراني ٣/٣

ضياء الشكرجي

[email protected]

والذي أتمناه كقضية تتعدى الشأن الخاص بمصالح ومستقبل الشعب الإيراني، أن يكون للعهد الجديد دور رائد في الدعوة إلى تأسيس تحالف دولي جديد، لا يتقاطع مع المنظمات الأممية الأخرى، لاسيما الأمم المتحدة، ولا يكون بديلا لها، بحيث يقتصر هذا التحالف الأممي في عضويته على الدول الديمقراطية التي تراعي حقوق الإنسان داخليا وخارجيا، وتفصل بين الدين والسياسة. صحيح إن هذا المشروع سيحتاج إلى عقود من الزمن، لكني أتوقع إن إيران الديمقراطية العلمانية الليبرالية، ستكون بعد استقرار وضعها الداخلي الأكثر أهلية من غيرها للضلوع بهذه الدور.

لا بد للعهد الجديد أنه سيفتح الباب عاجلا أمام تأسيس الأحزاب السياسية التي تلتزم بالمبادئ المعتمدة منه، أي العهد الجديد. وبالرغم أن الحرية ستتاح لكل الاتجاهات السياسية غير الدينية، لكن المتوقع ألا تكون ثمة شعبية لـ(سازمان مجاهدين خلق)، إلا بشكل محدود ومحدود جدا. وسنجد ثمة شعبية أكثر لمؤيدي الملكية، لكنهم سيبقون أيضا أقلية، يزول تأثيرهم مع الوقت، لأن ليس هناك تيار يدعو إلى عودة الملكية، بل سيكتفى بإعادة الاعتبار المعنوي لعائلة الشاه. أما الشيوعيون (حزب توده)، فلم يعد لهم وجود يذكر، ولذا وحسب توقعي لن يكون لهم دور مؤثر يذكر في العهد الجديد، بل ربما سيكون جمهورهم حتى دون جمهور المؤيدين للملكية.

بتوقعي وحسب ما نستقرئه من شعارات الثورة، إن الاتجاه الليبرالي هو الذي سيسود بشكل واضح جدا. ولكن لن يكون هناك حزب يملك أكثر من نصف مقاعد البرلمان بحيث سيستطيع تشكيل الحكومة لوحده، وهذا هو الأنفع للعهد الجديد، بل لكل الديمقراطيات، وبالأخص النائشة منها. بل من المتوقع أن ستكون هناك دائما حكومات ائتلافية مما لا يقل عن حزبين، ولا يزيد عن خمسة أحزاب. ربما يكون حزب جديد يمثل أقلية برلمانية محدودة من اليسار الديمقراطي المتجدد وغير الاشتراكي، وحزب آخر وطني يتخذ من دكتر مصدق رمزا له. أما الإصلاحيون المعارضون للنظام الحالي، فسيضطرون إلى اتخاذ خط سياسي مدني ناقد للتجربة الإسلامية، لكن من غير المعلوم كم ستكون لهم حظوظ في العهد الجديد، فمنهم من أصبح مرفوضا من قبل الأكثرية، التي تحمل الإصلاحيين مسؤولية إطالتهم لعمر النظام، ولعدم تقديمهم شيء يذكر غير الشعارات والوعود، دون استبعاد أن الكثير منهم قد تحولوا إلى الفكر العلماني.

البعض يعبر عن مخاوفه لحدوث قدر من الفوضى وأعمال العنف بعد سقوط النظام. في كل الأحوال يجب أن تتواصل الثورة حتى تحقيق الهدف المركزي بإسقاط نظام ولاية الفقيه، وكل ثورة قد يعقبها نوع من فراغ، أو فوضى، أو أعمال عنف. ليس من قبيل المبالغة في التفاؤل، أقول مهما حصل من فوضى، فستكون بتقدري هذه الفوضى محدودة في سعتها، ومحدودة في عمرها. وفي كل الأحوال ليس هناك ما يبرر للشعب الإيراني الثائر التوقف هذه المرة، رغم كل التضحيات، بل كل المؤشرات تدل على أنه مصر هذه المرة كل الإصرار أن يواصل الطريق إلى نهايته.

وبالنسبة لاحتمالات اللجوء إلى العنف والأعمال الانتقامية، فمن يعرف طبيعة الشعب الإيراني، وعدم ميله للعنف، سيشاطرني في توقعاتي بعدم حصول ذلك، وإن حصل فكحالات فردية محدودة. فحتى عندما نجحت ثورة ١٩٧٩ في إسقاط الملكية، ورغم التأييد منقطع النظير للثورة آنذاك والمشاركة الشاملة للشعب الإيراني فيها، بل ما كان من تأييد لقائدها خميني، الذي انخدعت أكثرية الشعب الإيراني به؛ حتى حينذاك لم تقم الجماهير الثائرة بأعمال انتقامية ضد رموز العهد الشاهنشاهي. فلم نجد مسؤولا قد قتل في الشارع أو في بيته، بل موجة الإعدامات الواسعة قام بها النظام بواسطة المحكمة التي نصب خميني الشيخ خلخالي جزار الثورة رئيسا لها. بينما نجد العديد من شعوب المنطقة، قد جرت فيها عمليات القتل والسحل والتمثيل بالجثث، ولذا المتوقع بشكل راجح، أن مجرمي النظام الحالي سيحاكمون وينالون جزاءهم العادل، وفق القانون. مع إني كما بينت سابقا أتمنى بل وربما أتوقع أن يصار إلى إلغاء عقوبة الإعدام، بعد تنفيذها برأس النظام الحالي تحديدا، إذا كان الآن أو حتى لحظة انتصار الثورة مازال على قيد الحياة، على شاكلة ما حصل في رومانيا بعد سقوط النظام الشيوعي الديكتاتوري عام ١٩٨٧ عندما نفذت بچاوچسكو بزوجته عقوبة الإعدام، ثم أعلن على الفور إلغاء الإعدام في رومانيا.

إذا انتصرت الثورة الإيرانية، وهي منتصرة حتما، سنجد فنانا إيرانيا يبدع في تصميم نصب تذكاري لـ(مهسا أميني) أيقونة الثورة، بعدما سيحول مكان اعتقالها إلى ساحة كبيرة بتصميم معماري متميز، يتوسطها النصب، تسمى ربما ساحة (مهسا أميني).

وأخيرا أحب أن أسجل ملاحظة على بعض من أطلق على ما يحدث في إيران، بالربيع الإيراني مقارنة بالربيع العربي، لأن للثورة الإيرانية من الخصوصية ما سيجعلها تستحق أن تضرب بها الأمثال، لا أن يضرب هي بغيرها مثلا. ودون التقليل من شأن أي شعب من الشعوب، فالمطلع يشاطرني الرأي أن الشعب الإيراني شعب حي، يعشق الحرية ويستحقها، وأنه يتصف بالتحضر بقدر قد يمتاز به عن شعوب أخرى في المنطقة.

هذا كله يدعوني وآخرين للتفاؤل بمستقبل هذه الثورة وما بعدها، وإن كان هذا التفاؤل محفوفا بقدر يزيد أو يقل من الحذر.

من أجل المرأة، والحياة، والحرية: براي زن، زندكي، آذادي.

For Woman, Life, Freedom,

Für Frau, Leben, Freiheit.

إذا الشعب يوما أراد الحياة … فلا بد أن يستجيب القدر.

١٩/١١/٢٠٢٢

ضياء الشكرجي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close