القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٢٧

ضياء الشكرجي

[email protected]

وَإِن خِفتُم أَلّا تُقسِطوا فِي اليَتامى فَانكِحوا ما طابَ لَكُم مِّنَ النِّساءِ مَثنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِن خِفتُم أَلّا تَعدِلوا فَواحِدَةً أَو ما مَلَكَت أَيمانُكُم ذالِكَ أَدنى أَلّا تَعولوا (٣)

هذه الآية هي التي استند الرجال المسلمون المِزواجون، ليبيحوا لأنفسهم أكثر من زوجة؛ اثنتين أو ثلاث أو أربع زوجات، وهي من الآيات التي اختلف كثيرا في تفسيرها وتأويلها. ولكن بالرغم من الاختلاف فيما قصده المؤلف، بما فهم منه أنه قصد الله، فهي كالعديد من الآيات دليل على انحياز الله القرآني للرجل. فيما اختلف فيه بين الفقهاء والمفسرين، كان ما بين رأي يذهب إلى أصالة تعدد الزوجات، وأن الاكتفاء بالزوجة الواحدة استثناء، وبين قائل بأن قول الله – حسبما يعتقدون – «فَإِن خِفتُم أَلّا تَعدِلوا فَواحِدَةً» يعود بعد إباحته التعدد فيضع شرطا تعجيزيا، يكاد ينسخ تلك الإباحة، وذلك بشرطها بشرط أن يعدل متعدد الزوجات بين زوجاته، خاصة وإنه سيرد قول «وَلَن تَستَطيعوا أَن تَعدِلوا بَينَ النِّساءِ وَإِن حَرَصتُم» مما یجعل الأصل الاكتفاء بزوجة واحدة. لكننا سنرى تداركا مرة أخرى، سنتناوله عندما نصل إلى تلك الآية. وقد اختلف في المقصود باليتامى التي تجعل الخوف من عدم القسط في حقوقهم مبررا لتعديد الزوجات. فيمكن أن يفهم من اليتامى اليتيمات اللاتي يكنّ في كفالة بعض المسلمين، فيرغب الكافل بالزواج بهن، عندما يبلغن الرشد، ولأنه حصل غالبا أن يعاملها بالقسط كزوجة يتيمة يكون هو بعمر أبيها أو لعله بعمر جدها أحيانا، فأرادت الآية أن تحميهن من الظلم، لذا دعت هؤلاء أن يتزوجوا بغيرهن من النساء، فيُثنّوا أو يُثلّثوا لأو يُربّعوا. بينما هناك رأي يقول، إن خفتم ألا تقسطوا في يتامى الأب عندما تتزوجون بأمهم المتأرملة من زوجها الأول. وفي كل الأحوال، فالآية وبقطع النظر عن شروط إباحة تعدد الزوجات، تمنح الرجل المسلم، كما في العديد من آيات أخر، حق الاستمتاع بنكاح ما ملكت يمينه من جواري وإماء، سواء رضين أو لم يرضين، لأنهن ملكه، والمالك مخول بالتصرف بملكه كما يشاء، ينكحها أو يستخدمها أو يبيعها أو يهديها أو يؤجرها لأجل محدود، فالأَمَة لا خيار لها ولا كرامة لها كإنسانة، وليس لها ذنب لتستحق الاسترقاق وهذه المعاملة، إلا أنها كانت على غير دين المسلمين، فقاتلهم المسلمون فاتحين، أو قاتلوا هم المسلمين فخاض المسلمون حربا دفاعية فغلبوا أعداءهم، فسبوا نساء أولئك القوم. وإذا بررر البعض إن هذا هو العرف الذي كان سائدا في الحروب، فالدين الجديد الذي جاء ليغير الكثير، كوأد البنات وعبادة الأصنام، لم يكن ليعجزه أن يسن عرفا جديدا للحرب أكثر إنسانية، فيحرم الاسترقاق.

وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحلَةً فَإِن طِبنَ لَكُم عَن شَيءٍ مِّنهُ نَفسًا فَكُلوهُ هَنيئًا مَّريئًا (٤)

هنا يجعل دفع المهر المتفق عليه في عقد النكاح، حسب المصطلح القرآني، للزوجة، فريضة على الزوج. وسمي المهر تارة بالأجر (أجور)، وتارة بالصَّدُقة (صَدُقات)، وفي كل الأحوال أن يكون الزواج بأجر أو صدُقة أو مهر أو صَداق للزوجة، فكأنه يكون صفقة تجارية، وكأن الرجل يشتري أو يستأجر زوجته للنكاح، وهذا لون من عدم احترام كرامة المرأة كإنسان متساو في الحقوق والمكانة مع الرجل، أو هو نوع من شرعنة البغاء. وما زال الفقهاء من كل المذاهب يوجبون المهر، كشرط للزواج، بينما العالم قد تطور، وأصبحت هناك قوانين تحفظ للمرأة مستقبلها حتى في حال الطلاق، دون المساس بكرامتها، كتابعة للرجل، وليس كشخصية مستقلة. المهم تقضي هذه الآية بوجوب أداء الرجل المهر لزوجته، إلا إذا تنازلت له عنه أو عن بعضه عن طيبة خاطر، فليأخذوا ما تنازلت عنه هنيئا مريئا. ثم من يضمن أن التنازل من قبل الزوجة يتم فعلا بمحض إرادتها ورغبتها وعن طيب خاطر، وليس بمزاولة الضغط عليها، بصورة من الصور، حتى لو كانت بصورة عاطفية لطيفة، صادقة، أو تظاهرا من قبيل إرضاء الزوجة بالتنازل.

وَلا تُؤتُوا السُّفَهاءَ أَموالَكُمُ الَّتي جَعَلَ اللهُ لَكُم قِيامًا وَارزُقوهُم فيها وَاكسوهُم وَقولوا لَهُم قَولًا مَّعروفًا (٥)

هذه آية عجيبة فيها تحقير باستخدام توصيف (السفهاء)، الذي كان يمكن أن يستعاض عنه بغير الراشدين، أو القاصرين. الآية تنهى الرجل أن يجعل أمواله تحت تصرف (السفهاء) من أسرته، وذكر أن المقصود بهم هم أولاده في سن الصبا وامرأته، حتى ذكر عنها أنها أسفه السفهاء، وذهب البعض إلى عدم التعميم، بل اقتصار ذلك على الولد السفيه، أي غير العاقل في سلوكه، والزوجة السفيهة، أي غير الراشدة، خاصة وإنهم كانوا يتزوجون الصغيرات غير الراشدات، وهنا يكمن التناقض، فهي راشدة للنكاح، لكنها غير راشدة بل سفيهة في التصرف بالمال الذي يضعه زوجها تحت تصرفها. وبدلا عن ذلك، تفرض الآية على الرجل أن ينفق على أولاده وزوجته، دون تسليمهم مالا بأيديهم، وأن يكون كلامه معهم كلاما لطيفا، إرضاءً لهم ولهن.

وَابتَلُوا اليَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِن آنَستُم مِّنهُم رُشدًا فَادفَعوا إِلَيهِم أَموالَهُم وَلا تَأكُلوها إِسرافًا وَّبِدارًا أَن يَّكبَروا وَمَن كانَ غَنِيًّا فَليَستَعفِف وَمَن كانَ فَقيرًا فَليَأكُل بِالمَعروفِ فَإِذا دَفَعتُم إِلَيهِم أَموالَهُم فَأَشهِدوا عَلَيهِم وَكَفى بِاللهِ حَسيبًا (٦)

هنا عودة إلى حالة الزواج بامرأة أرملة ذات أولاد، بحيث يكون الأولاد الميتمين من أبيهم المتوفى في كنف زوج أمهم. فهنا تكون أموال اليتامى التي ورثوها عن أبيهم تحت وصاية وتصرف زوج أمهم، لأن أمهم كامرأة غير جديرة حسب الإسلام بأن تكون هي التي ترعى أموال أولادها. هنا تقول الآية إن على أزواج أمهات يتامى الأب أن يختبروا أولاد زوجاتهم ما إذا قد بلغوا سن البلوغ الجنسي، فعليهم عنئذ أن يدفعوا إليهم أموالهم، أو ما تبقى منها، إذا كانوا قد احتاجوا أن يأخذوا منها، بشرط ألا يسرفوا في ذلك، أي لا يأخذوا أكثر من حاجتهم خاصة لسد احتياجات اليتامى. أما من كان غنيا، فتطلب منه الآية أن يستعفف ولا يأخذ من أموالهم، فلا يؤذن إلا للفقير بالأخذ منها بمقدار حاجته.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close