علاج الفساد بالفساد: إسرق ثم ساوم.

حمزة الحسن

العرض الذي ظهر فيه السوداني
باسترجاع بعض المبالغ المسروقة من سرقة القرن،
يكشف عقلية الرجل في الفهم التبسيطي لقضايا مركبة وشائكة لا تحل بالاعلانات والاسععراضات،
و يكشف الطريقة التي تدار بها الامور من خلف ظهره،
ويكشف عقلية الطبقة السياسية الحاكمة وهو عرض علاج للفساد بعلاج أفسد.

كما ان ظهور تل الأموال في العرض يستند الى قاعدة نفسية
تقوم على أن الجمهور المسروق سينسى تفاصيل المشكلة المزمنة،
والشيطان في التفاصيل،
أمام مشهد الأموال الضخمة في نوع من التشويش والارباك وصرف النظر،
وتعكير الجو وهي أهم قواعد النصابين في المال والسياسة والعلاقات العامة،
أو ما يعرف: خلق قضية بديلة.
هذه الاموال المستعادة هي الثمن للاموال الاكبر المسروقة
والتي ستسرق،
والفتات للتغطية على فساد نخبة حاكمة مؤسسي،
مع بقاء المشكلة مستمرة،
لأن الهدف الحقيقي ليس في استعادة المال فحسب،
بل في استعادة هيبة الدولة والقانون وتصفية نخب الفساد،
والأموال سرقت بالدولار وعادت بالدينار.

اذا كانت قد حدثت تسويات من هذا النوع في دول أخرى،
فلأن الجريمة فردية وليست شراكة طبقة في الحكم .
هذه الصفقة الاستعراضية كان الغرض منها التستر على الشركاء،
لكي لا ينكشف المخفي والتستر على باقي اللصوص
وعلاج الداء القاتل بالمساج والبخور وليس بالاستئصال.
كان بالامكان استعادة هذه الأموال من خلال وضع هذا النصاب
بين خيارين إما أحكام إعدام تتجاوز ألف حكم،
كسرقة المال العام والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة والاضرار الاقتصادية
والاجتماعية وافساد مؤسسات الدولة والتآمر والخ،
أو استعادتها مع الاعتراف الكامل على الشركاء ومن ساعده وتستر عليه
وحاول تهريبه،
دون أي قرار قضائي بالافراج عنه،
والسجن المؤبد،
وعادة هذه الصنف يكون جباناً وليس صاحب قضية لكي يضحي بحياته
مقابل لامال ولا حياة.
إن اسلوب صفقة المال مقابل الافراج،
سيضعه اللصوص القدامى والجدد كحبل انقاذ أخير وباب طوارئ
ويشجع على السرقة تحت شعار:
إسرق ثم ساوم،
وفي عالم المافيا تسمى:
صفقة مغبون أو مضطر.
قرار الافراج عنه مخرج لتهريبه الى الخارج وغلق الملف الفضيحة،
أو تصفيته بحادث عرضي أو اغتيال منظم
للتخلص من كابوس قد يُفتح في ظروف غير متوقعة تخلقها
عوامل طارئة أو غير محسوبة.
إن إستعادة” عقل” السوداني كمسؤول حقيقي ،
أهم بكثير من استعادة الأموال الأمر الذي لن يحصل،
وتل الأموال الذي ظهر في العرض كان يكشف تل الأفكار الجاهزة للسوداني وطبقته
والحلول الترقيعية والمناورات القادمة
وتقديم كبش فداء معزول وضعيف مرتجف لانقاذ باقي العصابة.
اسلوب معالجة الفساد بالفساد هو الصفة السائدة
التي ستكون عنوان المرحلة القادمة،
لأن العقل الذي خلق المشاكل،
هو نفسه من سجهز لها الحلول وهذا غير ممكن،
لأن العقل الذي أنتج المشكلة،
لا يمكن أن يكون هو الحل حسب ألبرت آينشتاين،
لأن هذا العقل هو المشكلة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close