Sotaliraq.com


دور الانفجار السكاني في حروب الإبادة

[22-04-2008]

د. عبدالخالق حسين

توضيح لا بد منه

حكاية هذا المقال أو البحث "حكاية طويلة" حيث باشرت في كتابته قبل أكثر من عامين بعد قراءتي لكتاب العالم الأمريكي الموسوعي، جارد داياموند، الموسوم بـ(الانهيار Collapse) يشرح فيه أسباب انهيار بعض المجتمعات ونجاة مجتمعات أخرى. يتطرق المؤلف في أحد فصول الكتاب إلى حروب الإبادة في الدول الفقيرة، مع التركيز على ما حصل في رواندا عام 1994. وكان العنوان الذي اخترته للمقال هو (دور المالتوسية في حروب إبادة الجنس في العالم الثالث) مع التركيز على ما يجري في العراق. ولكني ترددت في نشره خوفاً من أن يساء فهمه فيوجه لي البعض تهمة تبرير حروب إبادة الجنس، وتبرئة لوردات الحروب من هذه الجرائم أو حتى تأييدها معاذ الله!! وعليه عرضت البحث على عدد من الأصدقاء، طالباً منهم رأيهم، وفيما إذا كانوا ينصحونني بنشره أم لا. معظمهم أيدوا مضمون المقال وشجعوني على نشره، مع تغيير العنوان ونشره على حلقات لأنه مطوَّل.. الخ. لكن صديقاً يعمل في عالم الصحافة في إحدى دول الخليج اختلف معي كلياً واقترح عليَّ عدم نشره قائلاً أنه لولا يعرفني ويعرف مواقفي التقدمية والإنسانية لظن أن كاتب المقال ذو نزعة فاشية..!!. كذلك جاء تأييد هذا الرأي من قارئة واسعة الإطلاع نصحت بعدم نشره في الوقت الحاضر على الأقل، لأنه سيساء فهمه.

ولهذه الأسباب أخرت نشر المقال طيلة هذه المدة إلى أن دعاني في أواخر العام الماضي الصديق الشاعر والباحث الأستاذ جمال جمعة إلى المساهمة بمقال لي غير منشور سابقاً لنشره في العدد الأول من مجلتهم الفصلية الوليدة (أقواس). فبعثت له ثلاث مقالات، من بينها هذا المقال، تاركاً له حق الاختيار. وخلافاً لتوقعاتي، فقد أختار الأخ جمال هذا المقال مع تغيير بسيط في العنوان فجعله (مقارنة بين رواندا والعراق) ونشره مشكوراً في العدد الأول من المجلة الصادر في يناير/كانون الثاني 2008.

وطيلة هذه المدة، برزت أدلة جديدة تؤكد صحة فكرة البحث، لذلك كنت بين حين وآخر أجري عليه بعض التعديلات، مضيفاً فقرات أخرى حسب ما يتوافر من معلومات جديدة لها علاقة بالموضوع. وعليه فهذه النسخة هي معدلة وموسعة عن النسخة الأصلية التي كتبت قبل عامين، معتقداً أنها تحوي أدلة أكثر ومناقشة أوسع في الاستدلال على تأكيد صحة نظرية المالتوسية ودورها في إشعال الحروب.

********************

مقدمة
خلال أربعة عقود الماضية وقعت حروب إبادة الجنس في مناطق عديدة من العالم الثالث وتحت مختلف الواجهات والأسباب. فقد حصلت حروب الإبادة في تيمور الشرقية وجزيرة جاوة على أيدي الجيش الإندونيسي في الستينات من القرن الماضي، كذلك في عدد من دول جنوب شرقي آسيا. كما وقعت مجازر رهيبة في رواندا عام 1994 بين الهوتو والتوتسي بذريعة الاختلاف القبلي راح ضحيتها 800 ألف إنسان، وحصل اقتتال في الجزائر عام 1992 ومازال مستمراً لحد الآن هلك فيه نحو ربع مليون مواطن بذريعة الحرب بين الإسلام السياسي والحكومة الجزائرية، ومازالت حروب الإبادة مستمرة في دارفور جنوب السودان لأسباب عنصرية وبدعم من الحكومة السودانية. وفي جمهورية الكونغو وقعت حروب بين قوات الحكومة وقوات المعارضة خلال العشر سنوات الأخيرة قتل فيها نحو أربعة ملايين نسمة.

كذلك ارتكب حكم البعث الصدامي في العراق مجازر ضد الأكراد سميت بعمليات الأنفال قتل فيها نحو 180 ألف إنسان، ومجزرة حلبجة الكردية التي قتل فيها بالغازات السامة نحو خمسة آلاف نسمة أي معظم سكان المدينة الصغيرة، ومجازر إبادة ارتكبتها حكومة صدام حسين ضد الشيعة العرب في وسط وجنوب العراق لسحق انتفاضة آذار عام 1991 قتل فيها نحو 300 ألف نسمة. ثم الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) التي قتل فيها نحو مليونين من الجانبين، وأخيراً وليس آخراً، حروب الإبادة في العراق بعد سقوط حكم البعث الفاشي على أيدي فلول الحكم البائد وحلفائهم التكفيريين، والتي أخذت طابع طائفي وديني وعرقي والمقاومة الوطنية ضد الاحتلال... الخ. ومازال القتال جار بمنتهى الوحشية في مناطق عديدة من العالم، مثل أفغانستان وغزة وباكستان وغيرها. كما وأعتقد أن هناك بلداناً كثيرة في العالم الثالث وخاصة عدد من البلاد العربية مرشحة لمثل هذه الحروب.

أسباب حروب الإبادة في العراق
حاول عدد من المفكرين والمهتمين بالشأن العراقي إيجاد تفسير لظاهرة حرب الإبادة الجماعية الوحشية الجارية في العراق منذ سقوط نظام البعث في 9 نيسان/أبريل 2003 وإلى الآن. فالسبب الظاهر للعيان لهذه الإبادة عند معظم الأوساط الإعلامية والسياسية يعود إلى الصراع الطائفي (سني-شيعي)، حتى اقترح بعض دهاقنة السياسة في العراق وأمريكا، أن الحل الوحيد لهذه المجزرة هو تقسيم العراق إلى كانوتات طائفية. أعتقد أن دعاة الفيدرالية الطائفية لم يفهموا طبيعة المجتمع العراقي ولا الأسباب الحقيقية وراء هذه المجازر. إن إلقاء تبعات القتل المجاني والانتحار الجماعي على الطائفية وحدها خطأ كبير، فالتعددية الطائفية في العراق كانت موجودة منذ 14 قرناً ولم يعرف الشعب العراقي هذا النوع من الصراع الدموي بسببها، فما الذي فجر هذا البركان ليهلك الحرث والنسل في القرن الحادي والعشرين؟

لذا أعتقد أن إلقاء اللوم على الطائفية لا يقدم تفسيراً مقنعاً لما يجري في العراق لأن القتال ليس متوقفاً بين السنة والشيعة، بل هناك اقتتال بين المليشيات الشيعية-الشيعية، وكذلك بين مجموعات سنية-سنية، وضحايا من أتباع الديانات الأخرى، كالمسيحيين والصابئة والأيزيدين، وتشريدهم من ديارهم. كما ولحقت الإبادة الفقراء الغجر المعدَمين، ولم يسلم من القتل حتى الحلاقين والخبازين والفرق الرياضية والنساء السافرات، واللواتي يسقن السيارات. كما ويقوم القتلة بتفجير المدارس والمستشفيات دون أي تمييز بين ديانة أو مذهب الضحايا. فهل يكفي أن نلقي تبعة هذا القتل العشوائي على الاختلاف المذهبي والعرقي ونركن إلى هذا الرأي لنرتاح من عناء التفكير؟ أو نميل إلى نظرية المؤامرة كما عند الذين يرددون أن هذا القتل هو من تخطيط أمريكا والصهيونية العالمية، وحرب صليبية جديدة مخططة ضد الإسلام والمسلمين للسيطرة على البلاد العربية ومنابع النفط، وأن أمريكا خططت مسبقاً لتدمير العراق؟

لقد اكتفى معظم الباحثين في تفسير ظاهرة الحروب وحروب الإبادة إلى أسبابها المباشرة المرئية منها فقط مثل الخلافات الدينية والطائفية والعنصرية والقبلية...الخ، ورغم أهمية هذه الأسباب ودورها المباشر في إشعال فتيل الحروب في العالم الثالث، إلا إننا نعتقد أنهم أغفلوا سبباً مهما، وربما هو السبب الأساسي غير المرئي، ولكنه المحرك لتفعيل الأسباب المرئية المباشرة لإشعال فتيل الأزمة، ألا وهو الانفجار السكاني، أي المالتوسية.

ما هي المالتوسيّة؟
تُنسب المالتوسية الى الاقتصادي البريطاني، القس توماس مالتوس Thomas Maltus (1766-1834) الذي حذر من خطر تكاثر السكان في العالم في كتاب له نشر عام 1798. ناقش فيه أن البشر يزدادون وفق متوالية هندسية (1، 2، 4، 8، 16، 32....)، بينما المواد الغذائية تزداد وفق متوالية عددية (1، 2، 3، 4، 5...الخ). فمثلاً إذا كان سكان بلد ما 20 مليوناً عام 2000، ويتضاعف كل عشرين عاماً، فسيكون تعداد نفوسه 40 مليوناً عام 2020، و80 مليوناً عام 2040 و160 مليوناً عام 2060 وهكذا... بينما الإنتاج الغذائي لا يزداد بهذه الوتيرة. وهذا يعني أن سرعة الزيادة في السكان تفوق سرعة الزيادة في إنتاج الغذاء. وإذا فاقت زيادة السكان إنتاج الغذاء، فلا بد وأن تتوقف هذه الزيادة بسبب المجاعة والأمراض والحروب. هذا ملخص نظرية الاقتصادي القس مالتوس.

لاقت هذه النظرية في معارضة شديدة من الاقتصاديين والسياسيين في العالم، ولكنها في نفس الوقت حفزت الخبراء والحكومات، ولأول مرة في التاريخ، على إجراء دراسات ديموغرافية منتظمة، ومنها بدأت عمليات إحصاء السكان بشكل دوري كل عشر سنوات. وفي القرن العشرين كانت الأحزاب الشيوعية واليسارية بصورة عامة من أشد المعارضين لنظرية مالتوس، فكانوا يروجون ضدها ويصفونها بأنها كذبة استعمارية إمبريالية، الغرض منها تبرير المجاعات في العالم، وإن سبب هذه المجاعات ليس الزيادة في السكان وإنما النهب الذي تتعرض له شعوب العالم الثالث من قبل الدول الاستعمارية والإمبريالية، وعدم توزيع الثروة بصورة عادلة على سكان المعمورة، وأن التقدم العلمي والتكنولوجي والنظام الاشتراكي العادل في المستقبل كفيل بتوفير الغذاء للجميع، ولا داعي لتحديد النسل. قد تكون هذه التبريرات صحيحة في ظروف معينة عندما كانت الحروب والأوبئة تحصد الأرواح بالجملة، خاصة والكثافة السكانية كانت واطئة جداً قبل القرن العشرين. ولكن هل صحيح السماح للنمو السكاني إلى ما لا نهاية ودون حدود أو ضوابط، خاصة بعد اكتشاف اللقاحات ضد الأوبئة والتحسن المطرد في الخدمات الصحية؟

والمفارقة أن أول دولة فرضت قانون تحديد النسل وتنظيم العائلة قسراً على شعبها كانت جمهورية الصين الشعبية (الشيوعية) قبل أكثر من ثلاثة عقود. وبتبنيها برنامج تحديد النسل بصرامة، فقد قدمت الحكومة الصينية أعظم خدمة إنسانية نبيلة ليس لشعبها فحسب، بل وللبشرية جمعاء. ورغم أن هذا الإجراء رافقته حملات إعلامية ظالمة ومضلِلَة من قبل وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان في العالم وبالأخص في الغرب من باب النفاق والانتهازية ولأغراض سياسية بحتة، إلا إن المحصلة النهائية كانت في صالح البشرية دون ريب. فلولا هذه السياسة العقلانية الصارمة لكانت نفوس الصين الآن نحو ثلاثة مليارات نسمة، أي ما يعادل نصف سكان المعمورة تقريباً. وهذا العدد يشكل كارثة بيئية رهيبة، بينما نفوس الصين الآن حوالي مليار وثلاثمائة مليون نسمة فقط!!! وقد رافقت تحديد النسل هذا خطط تنموية بشرية واقتصادية رشيدة ناجحة جداً، حققت بموجبها دولة الصين أعلى نسبة في الناتج القومي الإجمالي (GDP) في العالم والتي هي بمعدل 10 بالمائة سنوياً حيث غزت البضائع الصينية أسواق العالم بما فيها الدول الغربية المتقدمة.

ما علاقة المالتوسية بحروب الإبادة في العالم الثالث؟
خصص العالم الدكتور جارد داياموند، فصلاً كاملاً من كتابه (الانهيار Collapse) لحرب إبادة الجنس في رواندا التي وقعت عام 1994 والتي راح ضحيتها نحو 800 ألف ضحية معظمهم من التوتسي. ذكر المؤلف أن رواندا تعتبر من أفقر البلدان الأفريقية، وأكثرها كثافة بالسكان، فنسبة الزيادة السنوية نحو 4.1%، أي أن عدد السكان يتضاعف كل 17 سنة، حيث تبلغ الكثافة السكانية فيها حوالي 760 نسمة في الميل المربع، أي أعلى من بريطانيا (610) وتقترب من هولندا (950). في حين تتمتع بريطانيا وهولندا بمكننة الزراعة وغزارة في الإنتاج، بينما الزراعة في رواندا بدائية والشعب فقير جداً. وكانت حصة الفرد من الأرض الزراعية في رواندا نحو 2 أيكر قبل عقود، انخفضت إلى أقل من ربع هذه المساحة قبيل المجازر عام 1994. وهناك ازدحام خانق في السكن، فكل عائلة مكونة من ثلاثة أجيال تعيش في بيت واحد يفتقر إلى أبسط شروط العيش الصحي، ونحو 70% من الشعب دون الثلاثين من العمر، معظمهم يعانون من البطالة والفقر والفاقة. وفي أواخر الثمانينات أصدر البنك الدولي قرار التقشف ضد رواندا بسب انهيار أسعار القهوة، المادة التي يصدرها هذا البلد. وهكذا انقسم الشعب إلى فقراء وفقراء جداً. لذا يؤول يعطي دياموند دوراً للانفجار السكاني في حرب الإبادة حيث بلغ عدد السكان نقطة حرجة لم يستطع معها اقتصاد البلد إلى سد احتياجاتهم في الغذاء وأسباب البقاء على الحياة.

قد يعترض البعض على هذه الفرضية قائلاً أن هناك العديد من الدول مزدحمة بالسكان مثل الدول الأوربية وخاصة هولندا، فلماذا لا تحصل فيها حروب الإبادة؟ الجواب هو أن الكثافة السكانية العالية وحدها لا تكفي لإشعال حروب الإبادة، بل عدم التوازن بين عدد السكان ومصادر الرزق، أي كثافة سكانية عالية مع هبوط شديد في الاقتصاد، أي تفشي الفقر. فإذا بلغت النسبة النقطة الحرجة، أي أن مصادر الغذاء لا تكفي لسد حاجة السكان، فعندها يحصل الانفجار والاقتتال بين الناس وتحت مختلف الذرائع، دون أن يدركوا السبب الحقيقي غير المرئي، بل يؤولونه إلى أسباب أخرى مرئية مثل الانقسامات الطائفية والعرقية والصراعات السياسية وغيرها. فمثلاً هناك كثافة سكانية عالية في بنغلادش، ولكن لم تقع حروب إبادة في هذا البلد. السبب في رأيي هو أن بنغلادش رغم فقرها، إلا إنها تواجه اقتتالاً من نوع آخر وهو الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والأعاصير وتفشي الأوبئة التي تحصد الأرواح بالجملة والتي تحقق نفس الغرض الذي تحققه الحروب. صحيح إن أعلى نسبة كثافة سكانية في العالم هي هولندا، ولكن الناتج الاقتصادي في هذا البلد يفوق حاجة سكانه إلى حد التصدير وتحقيق ثراء كبير وناتج قومي عال جداً.

فالمالتوسية تفرض نفسها دون إرادة البشر ودون وعيهم وتحت واجهات مموهة. وعلى العكس من هولندا، كانت قد عاشت القبائل العربية في الصحراء دون كثافة سكانية عالية، ولكن موارد الصحراء شحيحة لا تكفي إلا لعدد قليل من البشر، أي عدم التوازن بين عدد السكان وموارد الصحراء، لذلك فالبدو من سكان الصحراء كانوا في حالة مجاعة دائمة وحروب دائمة. وهذه الحروب كانت تعمل على حفظ التوازن بين عدد الأفواه الآكلة وكمية الأرزاق الشحيحة في الصحراء. كما وكانت بعض القبائل تقوم بعملية الوأد قبل الإسلام، أي قتل الأبناء وخاصة الإناث عند ولادتهن، لا خوفاً من العار كما يعتقد البعض، بل خوفاً من الفقر، فكما جاء في القرآن: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقكم وإياهم إن قتلهم كان خطأً كبيرا- سورة الإسراء /31). ومعنى الإملاق الفقر. فكان الوأد وسيلة من وسائل تحديد النسل عند العرب ولكن بطريقة بدائية ولا إنسانية. لذا نوضح ونؤكد ثانية، أن الكثافة السكانية وحدها لا تكفي لتفجير الوضع وإشعال الحروب الأهلية، بل عدم التوازن بين عدد السكان والإنتاج الاقتصادي، أي عندما يكون الناتج القومي غير كاف لإشباع حاجة السكان إلى حد نقطة الانفجار الذي يؤدي إلى إشعال الحروب الأهلية وتحت مختلف الواجهات.

مقاربة بين العراق ورواندا
العوامل التي ذكرها المؤلف داياموند في كتابه المذكور أعلاه في رواندا تشبه ظروف العراق إلى حد ما. فالعراق مثلاً، رغم سعة مساحته (438 ألف كم مربع) والكثافة السكانية ليست عالية بالنسبة للمساحة الكلية، إلا إن نحو 80% من مساحته صحراء غير صالحة للزراعة والسكن. لذلك فالعراق كغيره من بلدان العالم الثالث، يعاني من الانفجار السكاني، والكثافة السكانية عالية جداً. إذ كان تعداد نفوس العراق عام تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921م، نحو 1.5 مليون فقط، تضاعف هذا العدد إلى 26 مليوناً حسب إحصاء عام 1997، أي بعد 77 عاماً فقط، ويقدر الآن بنحو 30 مليوناً، أي تضاعف العدد عشرين مرة خلال ثمانية عقود فقط. ومما زاد في الطين بلة، أن رافق هذه الزيادة الهائلة في السكان تدهور شديد في خصوبة التربة واتساع رقعة التصحر وارتفاع الملوحة، وشح المياه، مما أدى إلى أن ترك عدد كبير من الفلاحين الزراعة والفلاحة، وصار الاعتماد الكلي على موارد النفط واستيراد الغذاء، وحصلت هجرة واسعة من الأرياف إلى المدن الكبرى مثل بغداد والموصل والبصرة وكركوك وغيرها دون توفير الإمكانيات في هذه المدن لتقبل الأعداد الهائلة من المهاجرين للسكن فيها.
وفي العراق كما في رواندا، تجد كل عائلة مكونة من ثلاثة أجيال يعيشون معاً بازدحام خانق في دار واحدة صغيرة تفتقد لأبسط الشروط الصحية (مدينة الثورة مثالاً). والشباب بلا عمل أو أمل مما أدى إلى احتقان شديد. كذلك قضى نظام البعث على الطبقة الوسطى وأحال معظم الشعب العراقي إلى فقراء وفقراء جداً نتيجة لسياساته الطائشة وحروبه العبثية والحصار الاقتصادي، وحصر الثروة في طبقة صغيرة من الأثرياء جداً من أنصاره.

قد يعترض البعض على أنه من المجحف تشبيه العراق برواندا، فرواندا بلد فقير جداً، بينما العراق بلاد الرافدين ثري جداً وعائم على بحر من النفط، وله تاريخ عريق حيث كان مهداً للحضارة، وعلم البشرية الكتابة..الخ. كل هذا صحيح، ولكن ما دور التاريخ إذا كان الحاضر بمنتهى السوء، وما قيمة هذه الثروة إذا كان الشعب محروماً منها؟ وهل استفاد الشعب العراقي من نفطه وثرواته الهائلة طيلة حكم البعث؟ إن الثروة النفطية صرفت على عسكرة المجتمع وشن الحروب على دول الجوار، إضافة إلى الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على حكم البعث بعد غزوه للكويت. وبذلك فرغم وجود النفط، إلا إن أبناء الشعب كانوا غير مستفيدين منه. وهذا الوضع يشبه المريض المصاب بداء السكري، إذ ترتفع نسبة السكر في دمه ولكن خلايا جسمه في حالة جوع لغياب مادة الإنسولين اللازمة لإدخال السكر إلى داخل الخلايا لكي تتم الاستفادة منه. وهذه الحالة توصف بـ(المجاعة في مجتمع الوفرة). فالشعب العراقي رغم تمتعه بثروة نفطية هائلة، ولكنه كان محروماً من ثرواته، وبذلك فحالته تشبه حالة الشعوب الفقيرة جداً مثل رواندا.

يتكون الشعب في رواندا من 85% هوتو و14% توتسي و1% من الأقزام pygmies . وهناك مئات الألوف من الزيجات المشتركة بين الهوتو والتوتسي. وقد اعتمد الاستعمار الألماني والبلجيكي على تغذية وتكريس التمييز العرقي بين مكونات الشعب، فقربوا التوتسي (الأقلية) في إدارة شؤون الدولة، وأصروا على ذكر الانتماء العرقي، هوتو أو توتسي، في الهوية الشخصية. وهذا الإجراء ساهم في تصعيد العداء والكراهية بين الفريقين عبر الأجيال.

وفي العراق، يتكون الشعب من 55-65% من الشيعة العرب، 15-20% من السنة العرب، و15-20% كرد و5% أعراق وديانات أخرى. (هذه النسب تقريبية). كذلك هناك مئات الألوف من الزيجات المشتركة بين السنة والشيعة والمكونات الأخرى. كما وحاول الاستعمار البريطاني في العراق زرع التمييز الطائفي والعرقي بمنح السنة العرب امتيازات في إدارة الدولة على حساب المكونات الأخرى، وقد ساهم قادة الشيعة الدينيين في هذا التمييز أيضاً بسبب مواقفهم الخاطئة من الإنكليز الذين حرروا العراق من الإستعمار التركي العثماني، وتبنوا سياسة معاداة الدولة الوليدة وعدم دعمها كما يعمل السنة العرب اليوم. ولكن هذا التمييز الطائفي كان في طريقه إلى الزوال لولا اغتصاب التيار القومي العربي وخاصة بنسخته المتطرفة المتمثلة في حزب البعث وأيديولوجيته الفاشية، للسلطة منذ عام 1963 والذي عمل على إذكاء سعار الطائفية من أجل استغلال أبناء الطائفة لدعم حكمهم. وهذه السياسة ساهمت في تنامي الأحقاد بين مكونات الشعب والتي بلغت الذروة في عهد حكم البعث الصدامي. وكما في رواندا، قضى البعث على الطبقة الوسطى وأفقر الجميع، وصار العراقيون فقراء وفقراء جداً، وذلك بسبب الحروب العبثية والحصار الاقتصادي بعد غزو الكويت.

وكما ذكرنا في مناسبات أخرى، أن تعددية مكونات السكان العرقية والدينية والطائفية موجودة في معظم شعوب العالم، وأغلبها مرت في صراعات دموية وحروب دينية وطائفية خلال مراحل تطورها، كما حصل في أوربا من حروب طائفية بين الكاثوليك والبروتستانت في عصور النهضة والأنوار. ولكن التعددية هذه لا تكفي لوحدها تفجير الحروب فيما بينها ما لم تكن هناك منافسة شرسة بين هذه المكونات على السلطة ومصادر الرزق. فتكاثر السكان وتناقص الأرزاق لا بد وأن تصل إلى النقطة الحرجة التي تؤدي في النهاية إلى تفجير الصراعات الدموية لتخفيض عدد السكان إلى مستوى يتناسب مع مصادر الأرزاق. وهذه هي سنة الطبيعة كما يذكرها تشارلس داروين في كتابه أصل الأنواع، أي الصراع بين الأنواع من أجل البقاء، والبقاء للأصلح. وتوماس مالتوس سبق تشارلس داروين بهذا الخصوص، فالمالتوسية هي التعبير الاقتصادي عن الداروينية في مبدأ الصراع بين البشر في المنافسة على مصادر الرزق من أجل البقاء.

الشعوب المتحضرة في العالم الأول استقرت تلقائياً على مستوى معين من عدد النفوس وذلك نتيجة لظروف موضوعية ولمتطلبات الحياة المتمدنة المعقدة، فاستخدمت بموجبها الوسائل الحضارية في تحديد النسل وعن وعي وقناعة. بينما الشعوب المتخلفة تستمر في الازدياد بلا ضوابط إلى أن تتدخل الطبيعة بأساليبها الفضة القاسية في تحقيق التوازن بين عدد السكان ومصادر الغذاء وذلك عن طريق الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية. فالآن ابتليت الشعوب الأفريقية وغيرها من شعوب العالم الثالث الفقيرة بمرض الأيدز مثلاً، والذي أصاب نحو 25% من السكان بين مصابين بهذا المرض أو حاملين لجرثومة الـ HIV ، وهذه النسبة في تصاعد مطرد، إضافة إلى الحروب الأهلية في بعض المناطق. كذلك تؤدي حالة عدم التوازن بين السكان ومصادر الغذاء إلى عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية وتصاعد موجة الجريمة المنظمة في هذه البلدان كما هو الحال في جمهورية هايتي الفقيرة جداً وبعض الدول الأفريقية وأمريكا اللاتينية، كلها وسائل بشعة تفرضها الطبيعة لتنفيذ المالتوسية. كما وتوفر المالتوسية البيئة الملائمة لتفشي الأيديولوجيات المتطرفة في المجتمعات الفقيرة والمأهولة بالسكان، تعرقل التنمية البشرية والاقتصادية والتقدم الحضاري، وبذلك تنجب قيادات سياسية متخلفة تقود مجتمعاتها إلى صراعات دموية وعدم الاستقرار السياسي، كما هي الحال في معظم بلدان العالم الثالث.

دور الطبيعة في حفظ التوازن السكاني
قد يبدو تأويل القتل الجماعي إلى المالثوسية، أي إلى الانفجار السكاني والشح في الغذاء، كلاماً غريباً وغير معقول، القصد منه إعفاء الآيديولوجيات الفاشية بشقيها العنصرية والدينية من مسؤوليتها، وكذلك تبرئة القادة السياسيين من مسؤولياتهم في ارتكاب هذه الجرائم. الجواب كلا. وإنما الغرض هنا تفسير الظاهرة وتوضيح دور العوامل الطبيعية في هذه الصراعات، وأن هناك أسباباً تدفع إلى هذا الاقتتال نتيجة لمخالفة البشر لقوانين الطبيعة في تحديد النسل. فكما يقول هـ. جي. ويلز: "إن القوانين الكونية تعامل المغفلين كمجرمين". وما هذه الآيديولوجيات والاختلافات العنصرية والدينية والطائفية إلا الأنزيمات (الخمائر) تبقى غير فاعلة إلى أن يتوفر لها عامل منشط catalyst وهو الفقر الناتج عن الانفجار السكاني والانهيار الاقتصادي، ليقوم بتفعيل هذه الأنزيمات للقيام بوظيفتها التدميرية، وكما يقول النبي محمد (ص): (الفتنة نائمة لعن الله من أيقضها).

فالطبيعة لها طرقها الخاصة في معالجة الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، أو أي اختلال يحصل في التوازن بين الأنواع species، فعندئذٍ تتدخل الطبيعة لحل تلك المشكلة. ولكن تدخل الطبيعة في معالجة الأمراض وحسم الصراعات بين الأنواع والتجمعات البشرية لن يكون دقيقاً ومنضبطاً كدقة ومهارة الطبيب الحاذق في معالجة الأمراض البشرية والبيطرية، أو كتدخل الخبراء الأكفاء في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها. فطريقة الطبيعة في معالجة المشاكل هي فجة وفضة وقاسية وباهظة الثمن، وأحياناً مهلكة.

إحدى وسائل تدخل الطبيعة الفج في تحديد النسل هو تصاعد نسبة العنوسة التي نشاهدها الآن في معظم البلاد العربية وشعوب العالم الثالث، بسبب عزوف الشباب عن الزواج الناتج عن الفقر وعدم تمكنهم من القيام بإعالة حياة زوجية. كما وتفيد تقارير عن تفشي "ظاهرة أطفال الشوارع في مصر بمثابة القنبلة الموقوتة التي ينتظر انفجارها بين حين وآخر، حيث يشير تقرير الهيئة العامة لحماية الطفل (منظمة غير حكومية) أن أعدادهم وصل في عام 1999 إلى 2 مليون طفل وفي تزايد مستمر مما يجعلهم عرضة لتبني السلوك الإجرامي في المجتمع المصري." وهناك ظاهرة أطلق عليها اسم: "بزنس الرصيف" تجارة أطفال الشوارع!". وهذه الظاهرة لن تنفرد بها مصر وحدها، بل هي منتشرة وخاصة في الدول الإسلامية حيث يمنع فيها تبني الأطفال المرفوضين من ذويهم أو اللقطاء. أما في الدول اللاتينية الفقيرة ذات الانفجار السكاني، فهناك الملايين من الأطفال المشردين يعيشون في أنفاق مجاري الصرف الصحي نهاراً ويخرجون إلى الشوارع ليلاً لارتكاب الجرائم. والأعداد الهائلة من الأطفال المشردين يشكلون رصيداً لا ينضب لرفد عصابات الجريمة المنظمة في القتل والسرقة والاختطاف، والتي هي بحد ذاتها حروب أهلية غير معلنة.

كذلك نرى إقدام الألوف من الأفارقة وبلدان الشرق الأوسط على المجازفة بحياتهم بالهجرة غير الشرعية إلى أوربا عن طريق زوارق الموت عبر البحر المتوسط ويهلك عدد كبير منهم.
يذكر الخبير الاقتصادي نيكولاس همفري في هذا الخصوص، إحدى الفرضيات الذكية في تفسير ظاهرة تدخل الطبيعة في معالجة الأمراض، فيقول أن الجسم يمتلك عدة مصادر لمعالجة أمراضه: الألم في حالة الإصابة بجرح أو كسر لمنع الحركة التي من شأنها زيادة التلف، الحمى لقتل الجراثيم، التقيؤ والإسهال في حالة تناول طعام مسموم للتخلص من السموم، ثم عملية تحفيز الجهاز الدفاعي immune system لإفراز الجسيمات الدفاعية المضادة anti-bodies ضد الجراثيم المهاجمة. هذه وسائل طبيعية فعالة لمواجهة المرض ولكنها باهظة وأحياناً مكلفة تلحق الضرر أكثر مما تساعد. (عن كتاب Breaking The Spell, Daniel C. Dennett ، p 137-8).

فلو تأملنا قوانين الطبيعة وحركة التاريخ واتجاه مساره، لعرفنا أن الطبيعة كالتاريخ، تموه أغراضها وأهدافها وتعبر عنها بالتمويه والمكر والمراوغة. إذ نسمع بمصطلح مكر التاريخ، وكما يؤكده الفلاسفة مثل هيغل وماركس، أن حركة التاريخ غير خاضعة لإرادة الإنسان، والتحولات التاريخية والاجتماعية تحصل خارج وعيه، فمن نسميهم بصناع التاريخ ورغم أنهم يخططون ويعملون بوعي ويهدفون لتحقيق أهداف معينة، ولكن النتائج غالباً ما تكون على غير ما يرغبون.

فالطبيعة خلقت الغرائز في الحيوانات ومنها البشر، ولكن لها أغراض أخرى من هذه الغرائز غير ما يفهمه الإنسان والحيوان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر غريزة الجنس. فالهدف من ممارسة الحيوان للجنس هو المتعة الجنسية المؤقتة، ولا يخطر ببال الحيوان أي غرض آخر من وراء ممارسة الجنس. ولكن غرض الطبيعة الحقيقي والمموه من هذه الغريزة هو التناسل والحفاظ على بقاء النوع (species). كذلك معظم الاكتشافات الجغرافية والعلمية حصلت بالصدفة ودون تخطيط مسبق لهذا الاكتشاف أو ذاك، ففي معظم الحالات، يبحث العالِم أو المكتشِف عن شيء ولكنه يكتشف شيئاً آخر لم يدر بخلده، وربما يكون أعظم مما بدأ بحثه أو رحلته من أجله. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قاد كرستوفر كولومبس أسطولاً بحرياً برحلة من أسبانيا متجهاً إلى الغرب في المحيط الأطلسي من أجل اكتشاف أقصر طريق بين أوروبا والصين، فاكتشف العالم الجديد (أمريكا)!! وهكذا في معظم الاكتشافات. لذا فالتاريخ هو عبارة عن ناتج ثانوي byproduct وليس المقصود أو المبتغى أصلاً في الخطة الأساسية من البحث أو الرحلة الاستكشافية.


عودة إلى حرب الإبادة في رواندا
نعود إلى حرب الإبادة في رواندا، فبعد إسقاط طائرة رئيس الجمهورية عام 1994، سيطر المتطرفون من الهوتو على الحكم وقام الجيش والمدنيون بحملة واسعة في قتل التوتسي، وكانوا يذيعون بلاغات من الراديو يدعون التوتسي إلى التجمع في أماكن مثل الكنائس والأبنية الحكومية بدعوى حمايتهم. ولكن هذه كانت خدعة القصد منها تجميعهم في أماكن معينة ليسهل قتلهم بالجملة. وقد انتشر هوَس القتل بين الناس إلى درجة حتى الأطباء كانوا يقتلون مرضاهم في المستشفيات، ومعلمون يقتلون تلامذتهم في المدارس، وأناس يقتلون من قبل أبناء جنسهم عندما حاولوا حماية أزواجهم من الجنس الآخر. (جارد داياموند، نفس المصدر).

كذلك في العراق، يفجر الانتحاريون من أتباع القاعدة أنفسهم وبتوجيه من فلول البعث، في الأماكن المزدحمة، المساجد، الأسواق الشعبية، مراكز تجنيد القوات المسلحة، المدارس والمستشفيات، وفي ساحات تجمع العمال الفقراء الباحثين عن العمل اليومي، لقتل أكبر عدد ممكن من الناس. استمر القتل في رواندا لمدة ستة أسابيع، قتل خلالها 800 ألف من التوتسي إلى أن لم يبق منهم أحد حيث فر الباقون إلى البلدان المجاورة. وعندها حصل القتال بين قبائل الهوتو أنفسهم، وخاصة في المنطقة الشمالية الغربية التي تسمى بـ Kanama المغلقة للهوتو فقط حيث تم قتل 5% من سكان هذه المنطقة، القتلة والمقتولون كانوا من الهوتو فقط في هذه المرة. كذلك تم قتل 90% من الأقزام وفر الباقون. وعلى العموم قتل 11% من الشعب معظمهم من التوتسي.

وفي العراق، نجد القتل في بغداد بين الشيعة والسنة، ولكن في نفس الوقت هناك اقتتال بين المليشيات الشيعية نفسها، حيث جري اقتتال ضار بين مليشيات مقتدى الصدر (جيش المهدي) ومليشيات عبدالعزيز الحكيم (فيلق بدر) في المحافظات المغلقة للشيعة مثل البصرة والسماوه والديوانية وغيرها. كما وحصل اقتتال بين الفصائل السنية في الأنبار وديالى، كما جاء في بعض التقارير: "قال مصدر مقرب من «كتائب ثورة العشرين» إن الشهر الماضي «شهد أقوى موجة تصفيات بين فصائل المقاومة الوطنية والعشائر من جهة، وتنظيم «القاعدة» من جهة أخرى». وأضاف ان «كتائب ثورة العشرين» تمكنت من تشكيل جبهة مناهضة لـ «القاعدة» مكونة من «كتائب ثوار الغضب» التي شكلها عدد من عشائر الرمادي، وأعلنت ان هدفها الاقتصاص من «القاعدة» لقتلها المئات من أبناء هذه العشائر الذين انضموا إلى الشرطة، وكتائب صلاح الدين الايوبي». وقتل خلال عمليات التصفية هذه «العشرات من أفراد «القاعدة» بينهم عدد من جنسيات عربية، (سعوديون وسوريون ويمنيون). (الحياة اللندنية، 02/10/2006).

كذلك تم قتل وتشريد المسيحيين والصابئة والإيزيديين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، وعلى وشك أن يفرغ العراق من هذه الأقليات الدينية والعرقية. ومن هنا نعرف أن الصراع الطائفي والقتل على الهوية الطائفية والدينية ما هو إلا الجزء المرئي في عملية الإبادة الجماعية، وأن هذا الاقتتال يحصل بين الجماعات من ذات الدين والعرق والمذهب أيضاً.

كما ويجب أن نعرف أن حروب الإبادة حصلت ومازالت تجري في الجزائر والصومال وفي قطاع غزة المأهولة بالسكان، رغم أن هذه الشعوب متجانسة قومياً ودينياً ومذهبياً، ولكن المالتوسية توجد أسباباً أخرى لتحقيق الغرض. ففي الجزائر حرب الإسلاميين التكفيرين "المجاهدين" ضد أبناء جلدتهم من العلمانيين "الكفار"، وفي غزة بين حركة حماس الإسلامية ومنظمة فتح "عملاء إسرائيل"، إضافة إلى بين حماس وإسرائيل، وفي الصومال بين لوردات الحروب، وأخيراً بين المجاهدين من حركة المحاكم الإسلامية (القاعدية) من جهة والحكومة الصومالية والقوات الأثيوبية من جهة أخرى.

والملاحظ أيضاً، أن المجتمعات المزدحمة والفقيرة، تجتاحها موجات جرائم القتل والسرقة والنهب كمقدمات تهيئ لحروب الإبادة الجماعية بسنوات. ففي رواندا وكما يوضح دياموند، أن البلاد اجتاحته موجة عارمة من جرائم القتل والسرقة تقوم بها عصابات الجريمة المنظمة. وكانت هناك عصابات من الفقراء المعدَمين يطلق عليهم (اللصوص المعدَمون). كذلك حصلت هذه الجرائم في العراق خلال سنوات الحصار الاقتصادي في عهد صدام حسين، حيث تفشت جرائم القتل والسرقة والاختطاف والفساد الإداري وفرض الرشاوى على مراجعي دوائر الحكومة بشكل غير مألوف في السابق. وكان حكم البعث يصعد من العقوبات المشددة في محاولة منه لكبح جماح الجريمة، مثل عقوبة بتر الأطراف، وجدع الأنوف وصمل الآذان ووصم الجباه بالوشم على شكل حرف X.. إلى آخره من العقوبات البدنية المؤلمة والمعوقة والمهينة والمذلة، ولكن دون جدوى لأن الجريمة في مثل هذه الحالات صارت من وسائل الصراع من أجل البقاء كما تمارسها الحيوانات في الغابة. وكانت سلطة البعث تقطع رؤوس النساء بتهمة الدعارة أو السمسرة لها، وتضع الرؤوس المقطوعة على أعمدة أمام بيوتهن لثلاثة أيام كإجراء لنشر الرعب بين المواطنين بغية الردع. كما وامتلأت السجون بنحو 140 ألف سجين جنائي، وكانت حكومة البعث قد خصصت لحماية بغداد وحدها 72 ألف من الشرطة، إضافة إلى مئات الألوف من منتسبي أجهزة الاستخبارات وأعضاء الحزب الذين كانوا أيضاً عبارة عن شرطة وجواسيس على الشعب. وهناك قصص يعرفها العراقيون عن قيام أناس بذبح أقرباء لهم من أجل سرقتهم والاستيلاء على أموالهم مهما كانت هذه الأموال ضئيلة وتافهة. كل هذه الجرائم كانت مقدمات لانفجار حرب الإبادة الجماعية التي حصلت في العراق بعد سقوط حكم البعث الصدامي حيث حصل فراغ في الحكم وغياب حكم القانون.

وكما بينا أعلاه، كانت في رواندا كثافة سكانية خانقة أكثر مما تستوعبها مساحة البلاد وإمكانياتها الإقتصادية. ويستشهد دياموند بأقوال بعض الخبراء الأوربيين الذين درسوا واقع رواندا اجتماعياً واقتصادياً قبيل المذابح، فينقل عن باحثتين بلجيكيتين أندرَيه وبلاتو قولهما: "أن أحداث 1994 وفرت فرصة ذهبية لحل مشاكل كبيرة وإعادة ترتيب ملكيات الأراضي بين السكان، وحتى في قرى الهوتو... ليس غريباً حتى في يومنا هذا أن تسمع من بعض الناس يقولون أن الحرب كانت ضرورية لإزالة العدد الفائض من السكان وليتناسب عدد السكان مع مساحة الأرض المتوفرة."

يقول دياموند: "أن هذا التعليق من أهل رواندا أنفسهم عن جرائم إبادة الجنس تثير الاستغراب، وأنه لغريب أن تسمع من ناس عاديين أن يربطوا بين الازدحام السكاني والقتل. إن تنامي مشاكل البيئة نتيجة التكاثر البشري وعدم قدرة البلاد على استيعابهم، أشبه بتحويل البلد إلى برميل بارود، فمعظم مناطق رواندا كانت عبارة عن براميل بارود تنتظر إلى من يشعل عود ثقاب لتفجيرها. وكان السياسيون هم المبادرين في إشعال الفتيل ولمصالحهم السياسية." كما وينقل عن باحث فرنسي يدعى (جيرارد برونير) نشر دراسة عن دول شرق أفريقيا قائلاً عن الإبادة في رواندا: " طبعاً كان قرار القتل يتخذه السياسيون ولأغراض سياسية. ولكن تقع الأسباب على الأقل جزئياً، على كاهل الفلاحين الذين نفذوا هذه الجرائم بحماس والذي كان ناتجاً عن شعورهم بأن هناك أعداد كبيرة من الناس في مساحات قليلة من الأرض، وأن في تقليص عددهم ستكون هناك وفرة من الأراضي للناجين".

أدلة جديدة على صحة المالتوسية
نسمع هذه الأيام عن اضطرابات في عدد من بلدان العالم الثالث بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية مما تسبب في حصول صدامات دموية سميت في مصر بـ(انتفاضة الخبز). إذ تشير الدلائل إلى أن معظم شعوب العالم الثالث وخاصة مصر بدأت تقترب من النقطة الحرجة أي (الانفجار السكاني مع عدم كفاية المواد الغذائية لسد احتياجات السكان من الغذاء) مما يدعم دور المالتوسية في الحروب الجارية والتي تنذر بحروب قادمة في العالم الثالث قريباً.

إذ أفادت الأنباء قبل أيام عن اضطرابات في عدد من المدن المصرية. [وتقول مصادر أمنية أن ما لا يقل عن 11 توفوا في طوابير الخبز منذ أوائل فبراير/شباط 2008، بما في ذلك ضحية أصيب بأزمة قلبية وامرأة صدمتها سيارة أثناء وقوفها في طابور امتد إلى الشارع. وقتل شخص بالرصاص وأصيب ثلاثة في مشاجرة في طابور خبز بأحد أحياء القاهرة. وتطور جدل بين طفلين على مكان كل منهما في الطابور إلى مشاجرة اصيب فيها أربعة. ودفعت الطوابير الطويلة وسائل الإعلام للحديث عن "أزمة" الخبز في أكبر دولة عربية من حيث تعداد السكان حيث أدى خفض الدعم للخبز في عام 1977 إلى أعمال شغب قتل فيها العشرات واجبرت الحكومة على العدول عن قرارها. ويقول مراقبون أن المشاكل المستمرة التي يعاني منها نظام الدعم قد تؤدي لتكرار أزمة 1977 ما لم يتم احتواء المشاكل سريعا. وقال جودة عبد الخالق استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة "ربما تكون أوسع نطاقا وأكثر عنفا لأن الناس تشعر بتأزم أكبر لاوضاعها." كما وصرح وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد لصحيفة فاينانشال تايمز اللندنية بأن مصر ينبغي ان تتحرك للتصدي للتضخم لما يسببه من مخاطر لبرنامج التحرر الاقتصادي. وأضاف: " يقول الناس ليس لدينا طعام كاف.. سيبدد هذا الوضع (انجازات) برنامح الاصلاح في مصر بالكامل. لا يسعنا ذلك."] رابط التقرير أدناه.
كما وأفادت الأنباء أن عائلات تونسية تخترق الحدود الجزائرية فرارا من الجوع والفقر .
و[حذر مدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان، من أن مئات الآلاف من الأشخاص سيعانون من المجاعة اذا استمرت أسعار الغذاء العالمية ارتفاعها. وأضاف: أن الاضطراب الاجتماعي الناشيء عن استمرار التضخم في أسعار الغذاء قد يؤدي الى نشوب صراعات. وقد تسبب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية في كثير من الاضطرابات في كثير من الدول الفقيرة في شتى أرجاء العالم، من بينها هايتي ومصر والفلبين.] ويذكر إن أسعار الغذاء قد ارتفعت بشدة في الشهور الاخيرة، بسبب جملة من العوامل من بينها زيادة الطلب وسوء الاحوال المناخية في عدد من الدول المنتجة، والتوسع في استخدام الاراضي الزراعية لاغراض الوقود الحيوي. وكانت الأمم المتحدة قد أطلقت اكثر من تحذير بشأن النتائج الوخيمة لارتفاع اسعار المواد الغذائية على مستوى العالم. صندوق النقد يحذر من عواقب ارتفاع اسعار الغذاء
بطبيعة الحال، إن السبب المباشر المرئي للأزمة هو ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والذي هو خاضع لقانون العرض والطلب. وهذا يعني أن العرض لا يكفي بسبب زيادة الطلب عليه والذي بدوره ناتج عن زيادة السكان. وهذا دليل آخر على صحة النظرية المالتوسية في الصراعات الدموية. فإلى متى يطمس المسؤولون رؤوسهم في الرمال وينكرون دور الانفجار السكاني في إشعال الحروب؟

تفسير وليس تبريراً
يقول جارد داياموند، أن هذه الآراء والتفسيرات من أندريا وبلاتو وبرونير في تفسير جرائم إبادة الجنس في رواندا على ضوء الضرورة البيئية لخلق التوازن بين عدد السكان ومساحة الأرض، واجهت معارضة من بعض الباحثين الأمريكان ووصفوها بالتبسيطية وأنها من باب "حتمية بيئية “Ecological Determinism . يردّ داياموند على هذه الاعتراضات كما يلي:
أولاً: أي تفسير لظاهرة حروب الإبادة يمكن أن يفهم خطأً أنه "تبرير" لها من أجل حفظ التوازن. وسوء الفهم هذا ينشأ دائماً في السجالات حول أصل الشر، ولكن مهما كانت الأسباب فإنه من غير الممكن تبرئة الجناة القائمين بجرائم القتل من مسؤولياتهم، ويجب محاسبتهم على جرائمهم، كما ويجب عدم الخلط بين التفسير والتبرير. والأهم من هذا أنه عندما نعمل على فهم الأسباب الأساسية لحروب الإبادة، ليس الغرض منه إعفاء الجناة من العقاب، بل لمعرفة هذه الأسباب وظروفها، من أجل العمل على منع تكرارها في المستقبل. وكمثال على ذلك، هناك أناس نذروا حياتهم أو اتخذوا مهناً لدراسة أصول النازية وجرائم الهولوكوست، أو لفهم عقول القتلة المحترفين والمغتصبين. فدراسة هؤلاء ليست لتبرير جرائم هتلر والقتلة المجرمين وإعفائهم من مسؤولية جرائمهم، بل من أجل أن يعرف الناس وخاصة المسؤولون منهم لماذا حصلت هذه الجرائم البشعة وما هي أحسن السبل لمنع تكرارها في المستقبل.
وفي حالتنا العراقية لا نريد هنا أن نبرر جرائم المقابر الجماعية في العراق بشكل عام، وعمليات الأنفال وحلبجة التي ارتكبها حكم صدام حسين ضد الشعب الكردي، ولا أن نلقي تبعاتها على المالتوسية، فأيديولوجية البعث هي أيديولوجيا عنصرية معروفة بعدائها للإنسان، وتختلق الأسباب المختلفة لحروب الإبادة.

ثانياً: يضيف داياموند، كذلك تعتبر نظرة تبسيطية إذا ما اعتبرنا الضغط السكاني هو السبب الوحيد لحرب الإبادة في رواندا، إذ هناك عوامل أخرى ساهمت في الجرائم، منها: عوامل تاريخية، هيمنة التوتسي (الأقلية) على الهوتو (الأكثرية). والتوتسي قاموا بمجازر على نطاق واسع ضد الهوتو في بوروندي، وعلى نطاق ضيق في رواندا. كذلك هناك عوامل اقتصادية، الجفاف، انهيار أسعار القهوة التي هي الصادرات الرئيسية لدعم الاقتصاد، وقرار البنك الدولي بإجراءات التقشف، وهناك مئات الألوف من اليائسين والعاطلين والمستميتين من الشباب الروانديين في مخيمات اللجوء، كانوا مهيئين للتجنيد في المليشيات، والمنافسة بين الفئات السياسية مستعدين لعمل أي شيء من أجل السلطة. لذا فالضغط السكاني كان عاملاً مساعداً للعوامل الأخرى التي كانت تغلي تحت السطح.

ثالثاً: كما ذكرنا آنفاً، لا يجب أن نستنج أن الضغط السكاني لوحده سيؤدي تلقائياً إلى حروب إبادة في أي مكان في العالم، إذ يمكن أن تكون هناك بلدان مأهولة بالسكان دون الانحدار في الجينوسايد، مثلاً بنغلادش (نسبياً سالمة من القتل على نطاق واسع ولو حصل فيها جرائم الإبادة عام 1971 كذلك تعرضها للكوارث الطبيعية بتكرار). وأكثر بلد مأهول بالسكان هو هولندا وبلجيكا ذات شعب متعدد الأعراق. كل هذه البلدان الثلاثة أكثر كثافة سكانية من رواندا ولم تقع فيها حروب إبادة ولكن لأسباب جئنا على ذكرها. كذلك يمكن أن تحصل جرائم إبادة الجنس لأسباب لا علاقة لها بالضغط السكاني، مثال ما حصل ضد اليهود والغجر في ألمانيا في عهد النازية في الحرب العالمية الثانية، أو إبادة الجنس في كمبوديا عام 1970 التي كانت كثافتها السكانية حوالي سدس ما في رواندا.

ومن كل ما تقدم، يستنتج داياموند، أن الضغط السكاني كان أحد الأسباب المهمة وراء جرائم إبادة الجنس في رواندا، والتي تمثل أسوأ احتمالات سيناريو توماس مالُتوس. ولكن محنة رواندا تؤكد على إن اجتماع الضغط السكاني مع تردي البيئة وانهيار الاقتصاد والتخلف الحضاري وفشل السلطة في حل هذه المشاكل ستنتهي إلى حروب إبادة الجنس تحت مختلف الواجهات والمعاذير.
وكما قال الباحث الفرنسي جيرارد برونير عما جرى في رواندا: " كل الذين قُّتِلوا كانوا يمتلكون أراض وأبقار. ولا بد للبعض أن يمتلك هذه الأراضي والأبقار بعد مقتل أصحابها. ففي بلد فقير وكثافة سكانية عالية كان من غير الممكن إهمال هذا السبب كدافع للقتل".

ولو قارنا هذا الوضع مع الوضع في العراق، نجد أن هناك حملة تهجير قسرية بذرائع طائفية، إذ يُرغَم الشيعي في المناطق ذات الأغلبية السنية على ترك داره، وكذلك يُرغَم السني في المناطق ذات الأغلبية الشيعية على ترك المنطقة، وما أن تغادر العائلة دارها حتى يتم احتلالها من قبل عائلة من الطائفة الأخرى أو من قبل الإرهابيين، رغم أن دينهم يحرم حتى العبادة في الأرض المغتصبة. وهذا في رأيي ناتج عن الصراع على مصادر البقاء والسلطة والثروة.

الدروس المستخلصة
لا شك أن هناك أسباباً عديدة متداخلة ومتشابكة لما يجري في العراق من حروب الإبادة، ولكن في نفس الوقت ليس صحيحاً إسقاط عاملَيْ الانفجار السكاني والفقر وأزمة السكن من قائمة الأسباب. إضافة إلى العوامل المرئية مثل الصراع الطائفي والعرقي وعوامل خارجية كالتدخل الإيراني والسوري وغيرهما من دول الجوار، والإرهاب القاعدي، كل هذه العوامل وجدت التربة خصبة لتدخلها. ولكن في هذه المداخلة كان تركيزنا على دور الانفجار السكاني في تأجيج الصراعات الدموية.

وهذا يفرض على المسؤولين في العراق وفي البلاد العربية وجميع دول العالم الثالث، إعطاء عامل الانفجار السكاني وتردي المستوى المعيشي أهمية بالغة لمنع وقوع حروب الإبادة مستقبلاً، إضافة إلى نشر ثقافة التسامح والانسجام والتعايش السلمي بين مختلف مكونات الشعب، وتحقيق المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص للجميع دون أي تمييز. فجميع الدول العربية ومعظم دول العالم الثالث تعاني الآن من حالة اختناق واحتقان شديدين بسبب الانفجار السكاني وتردي الوضع الاقتصادي، وهي أشبه ببراميل بارود تنتظر من يشعل عود ثقاب لتشتعل فيها حروب إبادة الجنس في أية لحظة، كما حصل في رواندا وما يجري الآن في العراق ودارفور والصومال وغزة والجزائر وأفغانستان والكونغو وأخيراً باكستان. فهذه الشعوب تتكاثر نفوسها بشكل عشوائي وبلا ضوابط وفوق إمكانيات بلدانها الاقتصادية، فهي كمن يسير نحو الهاوية وهو نائم. وما يجري في مصر ودول فقيرة أخرى من اضطرابات وتفشي الجريمة المنظمة بسبب الفقر وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ما هو إلا دق ناقوس الخطر لحروب أهلية قادمة ستحرق الأخضر واليابس. وقد ارتفعت أسعار القمح والأرز والذرة مما أدى الى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل عام بنسبة 83 في المئة في السنوات الثلاث الأخيرة، كما قال مدير البنك الدولي. وحذر مدير صندوق النقد الدولي من انتشار المجاعة إذا استمرت أسعار المواد الغذائية في الارتفاع الحاد وحذر من أن التجارب أثبتت أن أوضاعا كهذه قد تنتهي بالحروب. (تقرير موقع بي بي سي العربية، 14/4/2008).

وفي الختام، مرة أخرى أود التوكيد على إن هذه المقالة ليست لتبرير القتل الجماعي على الهوية الطائفية والعرقية والقبلية، ولا لإعفاء القادة السياسيين من مسؤولياتهم في توظيف هذه الانتماءات للكسب السياسي، بل كل ما أردت التأكيد عليه هو دور الانفجار السكاني المصحوب بالفقر في تفجير الألغام الطائفية والعرقية الخامدة. لذلك نحذر، إذا لم تتدخل الحكومات وأصحاب الحل والعقد بوضع حلول عقلانية علمية فوراً لوقف الانفجار السكاني كما عملت حكومة الصين الشعبية، فستتدخل الطبيعة بطريقتها البشعة لحل هذه المشكلة وعلى شكل كوارث طبيعية وحروب إبادة الجنس.
فهل من يسمع؟
ـــــــــــــــ
الهوامش ومواد ذات علاقة بالموضوع:
1- في مصر .. طوابير طويلة لشراء الخبز المدعوم .. وتحذيرات من انفجار قادم
http://www.aafaq.org/news.aspx?id_news=4915

2- صندوق النقد يحذر من عواقب ارتفاع اسعار الغذاء
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/business/newsid_7344000/7344944.stm
3- عائلات تونسية تخترق الحدود الجزائرية فرارا من الجوع والفقر
http://www.aafaq.org/news.aspx?id_news=5039
4- مقال للكاتب: الانفجار السكاني من أهم المعوقات للتنمية
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=16582


الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها
جميـــع حقــوق الطبـــع والنشــــر محفوظة لصوت العراق
Copyright © 1999-2006, Sotaliraq.com - admin@sotaliraq.com