النكتة السياسية سلاح ذو حدين – تحليل ونماذج

فارس حامد عبد الكريم النُّكْتَةُ  في قواميس اللغة هي (الفكرةُ اللطيفة المؤثِّرَة في النفس). ونُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ: أي (مُسْتَمْلَحَةٌ تُحْدِثُ فِي النَّفْسِ انْشِرَاحاًوَانْبِسَاطاً).  طبيعة ورمزية النكتة؛ النكتة تقنية لغوية بالغة التكثيف بمضامينها المركزة صاغها عقل جماعي مجهول تقوم على عنصري المفاجأة والمفارقةالتي تعج بها وقائع الحياة اليومية فيولدان حالة من الدهشة المقترنة بالمتعة التي يعبر عنها المتلقي بالضحك، وهوتأثير إيجابي. انواع النكتة؛ وتطلق على النكتة من حيث تأثرها، عدة اوصاف؛ نُكْتَةً مُسْتَمْلَحَةً: أي نَادِرَةً، تُضْحِكُ وَتَنْبَسِطُ لَهَا النَّفْسُ. نكتة باردة؛ أي مُتكلَّفة لا حرارة فيها. نكتة مبتذلة: أي تخدش الحياء. نكتة سوداء؛ أي غير اخلاقية تطعن في الأعراض. نكتة اجتماعية؛ تنال من المظاهر والتقاليد والمعتقدات الإجتماعية البالية. نكتة سياسية؛ وهي شكل من أشكال المقاومة الثقافية تنال من الشؤون السياسية العامة بمظاهرها السلبية والتسلطيةالمختلفة. دلالة النكتة؛ ذهب ابن خلدون في مقدمته الى انه “إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أطبق عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة، كمن يساق إلى الموت وهو مخمور”. أما الفيلسوف الفرنسي “هنري برجسون” فقد عرّف النكتة  بأنها “قهر القهر”. وفي مجال النكات السياسية يمكن التمييز بين نوعين من النكات،  اولهما؛ تلك النكات التي تطلقها الحكومات من خلال اجهزة متخصصة في مخابراتها وأجهزتها الامنية والمدروسة بعنايةوالتي تهدف الى تفريغ وامتصاص الغضب الشعبي وتحويله الى مجرد نكتة تنتهي بضحكة وضحكات عامة وبهدف انيسلم النظام على رأسه. وتتنوع وسائل الدولة في ايصال نكاتها الى المواطن ومنها المسرحيات والافلام والبرامج الاذاعية والتلفازية فضلاً عن النكات المروية، وهذه النكات لاتمس شخوص السياسة ورموزها مطلقاً وانما تمس بعض الظواهرالتي أثارت وتثير الغضب الشعبي مثل ازمة السكن والكهرباء والروتين الاداري، وقد تمتد لتشمل مجموعات او طائفة منالشعب غالباً مايثير ابنائها أو اتباعها حنق الحكومة ورجالها. ثانيهما؛ النكات التي ينتجها الشعب من رحم معاناته وغضبه من السلطة العامة وأجهزتها سواء في الانظمةالديمقراطية او الانظمة الدكتاتورية مع الفارق،  هذه النكتة  قد يطلقها المواطن العادي او الصحف ووسائل الاعلامالمعارضة....

النظام الرئاسي المعدل أمل العراقيين في الخلاص

*فارس حامد عبد الكريم في العراق، وكما يفترض نظرياً على الأقل، ان لدينا نظام انتخابي دستوري ديمقراطي يوازي في شكله ومضمونه ماموجود في ارقى النظم الديمقراطية  الحديثة، ولكن مثل هذا النظام المتطور عبر تاريخ طويل من الصراع بين السلطاتوالشعوب لايمكن أن يدار إلا من قبل نخب وطنية في غاية النزاهة والعفة والشعور العالي بالمسؤولية الوطنية ونكرانالذات وهذا في الواقع لم يتوفر في كثير من الأحيان…! اذاً اين تكمن المشكلة؟ المشكلة اننا انتقلنا من الدكتاتورية الىنظام برلماني متطور لم تصل الشعوب الحديثة الى نظيره الا عبر تطورات تاريخية مفصلية و صراعات  دموية مع عتاةالحكام وثورات شعبية عارمة، بينما قدم لنا في ليلة وضحاها جاهزاً فأضحى عند التطبيق مرتعاً لبعض الفاسدينوالإنتهازين ووسيلة للإثراء السريع، وتم تحييد المخلصين في النظام البرلماني من خلال نظام محاصصاتي متشعباستبعد تدريجياً كل الكفاءات الوطنية وأحل محلهم اتباع الأحزاب وكثير منهم من الجهلة والمزورين والانتهازيين. وكان الأحرى ابتداءاً الدعوة الى نظام رئاسي دستوري مع برلمان منتخب للرقابة والتشريع  يبدأ به الشعب العراقي أولىصفحاته وخطواته مع الديمقراطية.  لماذا النظام الرئاسي؟  يمكن تلخيص مزايا النظام الرئسي بما يأتي: * ينتخب الرئيس من قبل الشعب بالإقتراع العام المباشر عادة. وبذلك يضمن الشعب تخويل شخصية عامة يثق بهالإدارة شؤونه ونتجنب بذلك اختيار رئيس تأتي به الأحزاب وأشباح الدولة العميقة بعد أن تثقله بشروطها وأجنداتهاالمشبوهة وتشل قدرته على إتخاذ القرارات الصائبة وتحسب عليه حركاته وقراراته تحت ضغط الإقالة.  * يقوم الرئيس بإختيار كابينته الوزارية وتكون مسؤولة أمامه لا أمام البرلمان. وفي ذلك فرصة لإختيار اصحاب الكفاءةوالنزاهة والعلم والمعرفة وزجهم في مفاصل الدولة. * عادة ما تتجمع الأحزاب في ظل النظام الرئاسي وتندمج لتكوين حزبيين رئيسيين في الدولة لأن ذلك فقط يعطيهم القدرةعلى المنافسة من خلال مرشحيهم، وعادة مايكون عدد المرشحين الفاعلين اثنين فقط. * يقوم النظام الرئاسي على الفصل التام للسلطات وبذلك تقوم كل سلطة بمهامها الدستورية دون تدخل من أية سلطةأخرى مطلقاً. * في ظل النظام الرئاسي يمكن لأي مواطن الترشيح لمنصب الرئيس. * يتيح النظام الرئاسي للعمل الإداري السرعة في إتخاذ القرارات ومعالجة الأزمات والتنفيذ دون الرجوع للبرلمان ولذلكهو صالح للدول التي تمر بمراحل انتقالية وبحاجة الى تنمية سريعة شاملة. * في النظام الرئاسي اما أن تحدد سلطات الرئيس بشكل حصري في الدستور وماعدا ذلك يكون من صلاحية البرلمان أوأن تحدد سلطات البرلمان بشكل حصري وماعدا ذلك يكون من صلاحيات الرئيس. وبذلك تكون صلاحيات كل سلطةواضحة لاتقبل التداخل والغموض. * في النظام الرئاسي لايمكن انشاء سلطات خارج سلطات الدولة ولايمكن للدول الأخرى التدخل في شؤونه لإستحالةزرع مؤيدين لهم في مراكز القرار، كما لايمكن لأعضاء البرلمان التدخل بشؤون الدولة. * يتفرغ البرلمان في النظام الرئاسي لدوره الأساس في التشريع ولايمكن في ظله ان تجد نائباً يتجول بين الوزاراتللحصول على امتيازات. * تكون سلطة القضاء في ظله قوية ونافذة وتراقب دستورية القوانين ومشروعية القرارات ولها الحق في الغائها متى ماخالفت الدستور او القوانين النافذة ومن الصعب التدخل في شؤونها نظراً لإستقلالها التام. * تنشأ في ظل النظام الرئاسي اجهزة رقابة قوية وفعالة وتتمتع بسلطات واسعة تحد من الفساد بشكل كبير. النظام شبه الرئاسي؛ * اما في النظام شبه الرئاسي فينتخب الرئيس من قبل الشعب أما كابينته الوزارية فتنتخب من قبل البرلمان وتكونالوزارة مسؤولة امام البرلمان والرئيس. وهو غير ملائم للدول غير المستقرة سياسياً لانه يعيد موضوع المحاصصةللواجهة وخضوع الرئيس للضغوط البرلمانية إلا اذا كانت الأغلبية البرلمانية من حزب الرئيس. ضمانات النظام الرئاسي...

الإنتهازية والديمقراطية الفارغة

*فارس حامد عبد الكريم امتدت الحضارة والديمقراطية ودولة المؤسسات الى شعوب كانت تعيش حياة بدائية في مجاهل وغابات افريقيا وشرقاسيا حتى مطلع العشرين، ومنها لم يكن يعرف حتى شكل الملابس، وكانت الامراض والملاريا خاصة تفتك بالآلآف منهمسنوياً، لكنها سرعان ما عرفت اليوم طريقها وخلاصها الاجتماعي والسياسي وبنت دول حديثة هي دولة المؤسساتالديمقراطية وبدأت تتسلق ادراج الحضارة بعزم وثبات. بينما شعب العراق وريث اقدم حضارة ومدنية ودولة عرفها التاريخ البشري لم تنقل له حضارته العريقة تلك سوىالخرافات والأساطير ولازال مدعي السحر والمشعوذين يجدون لهم مكاناً لائقاً حتى بين خريجي وخريجات الجامعاتالعلمية الرصينة!!  حتى تاريخ العراق المجيد استلمناه نصوص وحجارة ولم نعرف كيف نخلق منه سياحة اثرية يندر وجود مثلها الا فيدول محدودة تدر عليها الملايين من السياح والثروات على مدار السنة وتخلق فرص عمل متنوعة للآلآف من الشباب، بلان الاجنحة العراقية الاثرية في المتاحف العالمية تدر مبالغ طائلة على الدول التي تتواجد فيها. واذا كانت الدكتانورية المقيتة قد افرغت سمومها في جسد العراق أرضاً وشعباً، فما أن سقطت الدكتاتورية وشطحتالأحلام الذهبية بخيال الشعب الواسع الى بناء دولة الديمقراطية والعدالة والقانون ولكنه سرعان ما أكتشف انديمقراطيته المزعومة كانت مجرد وهم بعد ان افرغتها المحاصصة السياسية والقومية والطائفية والقبلية من محتواهاومضمونها الذي تفتخر به كل شعوب الأرض عدا العراق ودول متفرقة أخرى، بل إن الفساد السياسي والمالي والإداري،الذي يقود حتمياً وعلمياً الى فساد إجتماعي تخلفه الفوراق الطبقية مما يؤكد علماء الإجتماع والعلوم النفسية، قد جعلالكثير من ابناء الشعب يكرهون الديمقراطية ويلعونها، ولكن ينبغي لفت نظرهم الى ان مايحصل في العراق ليس(ديمقراطية) بمعناها الحقيقي بل ان غالبية من يعمل تحت عنوانها لايؤمن بها أصلاً، وينتهز اسمها البراق لخداعالجماهير وتضليلها لتحقيق مأربه ومصالحه الشخصية الضيقه التي لاتتعدى حدود عائلته وبعض المقربين. ومن هنا تبرز المفارقات الإجتماعية، فتجد عائلة سياسية هي في الأصل ثرية تدفع من خلال نفوذها الى تعيين جميعابنائها في وظائف مميزة وبرواتب مميزة، وهذه ظاهرة انتشرت بشكل واسع غير مسبوق في تاريخ الوظيفة. بينما يجدعوائل فقراء الناس صعوبة بالغة في الحصول على الوظائف ولو الدنيا منها تلك التي تتطلب جهوداً شاقة وتضحيةبالنفس. وغالبا ما يكون الانتهازي ذو شخصية مثيرة ومحل للجدل حول صفاته ومبادئه، وهو في انتهازيته هذه يبحث عنالأشخاص الملائمين لممارسة تسلطه بأقصى ما يمكن من الانتهازية، فيسارع بمجرد ما ان يمسك بالسلطة الى عزلالأكفاء والموهوبين والمخلصين النزهاء ليحل محلهم الفاسدين والجهلة والمزورين ممن يأتمرون بأمره دون جدل اومناقشة او حتى مجرد تساؤل. ان المشكلة العراقية تتلخص، كما لاحظ الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية الحديثة، في انعدام الولاء الوطني لدىالعديد من الافراد، وإذا انعدمت الوطنية حلت محلها الانتهازية لامحال، والإنتهازية صفة شخصية وجماعية مدمرة تنالاول ما تنال من المبادئ والقيم الخلقية في المجتمع وتحول المنافسات وتضارب المصالح بين افراد المجتمع التي يفترض انتكون مشروعة ومضبوطة بالقيم والأعراف وتضارب المصالح الى اعمالاً ومنافسات غير مشروعة يبتلع فيها الفاسدوالمحتال حقوق الناس دون وازع من ضمير او أخلاق. وعندما تنتقل اللاوطنية والإنتهازية الى الساحة السياسية، يكون العمل السياسي بلا ادنى ضوابط وتصبح محاولةالحفاظ على الدعم السياسي، أو إلى زيادة التأثير السياسي بطريقة تتجاهل المبادئ الأخلاقية أو القواعدالسياسيةالمتعارف عليها.  فتنتشر ظاهرة الفساد على نطاق واسع وتصبح المشاريع الوهمية والوعود الكاذبة اداة أساسية فياستقطاب أصوات الجماهير  واستدراجها الى صناديق الإنتخاب. وومع تفشي الإنتهازية في العمل السياسي تبرز ظاهرة الإغتيالات السياسية كممارسة دورية يمارسها الخصومالسياسيون بدم بارد ولكنهم يتبادلون الإتهامات بكل حماس وضجيج. ولاشك ان الانتهازية تجد ملعبها الواسع في أحضان الفقر والجهل والصراعات القومية والطائفية والعمل على تأجيجهافي الأوقات الإنتخابية. ومن البديهي، حسب سياق الأمور، ألا يكون للإنتهازية موقف صريح وواضح، لأن مواقفها وآراءها لا تنبع من معتقداتوقيم راسخة غير موجودة أصلاً، بل من مصالحها المتقلبة حسب ظروف الزمان والمكان، فهي تدعي اليوم ما تنكره أوتنقضه غدا قولاً أو فعلاً وتقول ما تتخلى عنه بعد غد، وهي لا تطرح آراءها بشكل نظرية متكاملة بل بشكل مواقف آنية. و واذا كان العمل السياسي ينطوي تاريخياً على قدر من الإنتهازية، كالإستفادة من اخطاء الخصوم ونقاط ضعفهموفشلهم في قضية محددة مثلاً، ولكن السؤال هو الى اي مدى يمكن ان تخرق المبادئ؟ هل يكون ذلك لدرجة التحالف معالشيطان؟!، أم إن هناك حدوداً لاينبغي تجاوزها بأية حال من الأحوال،  كما لا ينبغي الخلط بين الانتهازية و“اقتناص الفرص” كما هي أو “الاستفادة من الفرص عندما تظهر“. ولكن تشيرالانتهازية إلى طريقة معينة للتجاوب مع الفرص، حيث تتضمن عنصر  الأنانية الشخصية إلى جانب التغاضي عنالمبادئ الأخلاقية أو الأعراف ذات الصلة. ومن الوصف المتقدم ينهض معيار التمييز بين الوطنية والإنتهازية. فإذا أردنا ان نميز بين الوطني والإنتهازي، فان معيار التمييز  بينهما واضحاً وضوح الشمس، فالسياسي الوطنيبمجرد ان يفشل في تحقيق أهدافه لسبب أو لآخر تراه ينسحب من الساحة دون دعوة من أحد بل يعلن عن استقالتهويعتذر وينسحب بهدوء، اما الانتهازي فلا يستقيل ولاينسحب ولو تهدم البلد وحل به الخراب ولاحقته لعنات الناسأجمعين، لانه ليس من طبع الإنتهازي الخجل أو الإعتراف بالخطأ بل التمسك بالمنصب ولو بأي ثمن يدفعه الشعب. ——...

خيارات الدكتاتورية والديمقراطية

*فارس حامد عبد الكريم ترى الدكتاتورية ان نهضة الشعوب تتحقق بالقسوة والعنف وسحق المناوئين لها بلارحمة. ومن قواعد اللعبة الدكتاتورية تآليه الحاكم صراحة أو ضمناً، ونشر صوره وتماثيله في كل زوايا الدولة، بإعتباره البطلالمنقذ محرر الشعوب والأوطان وباني مجد الأمة. والدكتاتورية تنزل للساحة ابتداءاً بأسم الديمقراطية، ولكنها ديمقراطية مشبوهة ومحورة، بإستخدام تعابير مموهة مخادعة مثل الديمقراطية المركزية، الديمقراطية الشعبية، ديمقراطية نفذ ثم ناقش وغير ذلك من المزاعم الفارغة. بينما ترى الديمقراطية ان نهضة الشعوب تتحقق بالإرادة الحرة الواعية وتطبيق القانون بعدالة وترحب بالمعارضة السياسية بكل حفاوة، وترى فيها شريكاً مناسباً في الصراع من أجل خدمة الوطن والمواطنين على أفضل الوجوه.  والديمقراطية هنا هي الديمقراطية بلا تمويه أو إحتيال. و من أهم أسس الديمقراطية احترام القانون والنظام ومحاربة الفساد السياسي والإداري وترجيح كفة المعرفة على القوة والعنف. والديمقراطيّة بهذا المعنَى هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية معيّنة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية. لحد هنا الكلام جميل، ولكنه كلاهما يحمل معنى الحقيقة والزيف في ذات الوقت! كيف؟  الدكتاتورية صالحة لتعمير وطن جله من الجهلة والأميين والانتهازين والمنافقين والمشعوذين وذوي العقد النفسية والشعور بالنقص ومن لديهم هواية كتابة التقارير وكسر الرقاب. ويصعب إسقاط الدكتاتورية من خلال العمل السياسي لانها تقمعه بلا رحمة، انما يحتاج اسقاطها ثورة شعبية عارمة اوتدخل خارجي وهو أضعف الإيمان. بينما الديمقراطية صالحة لتعمير وطن جله من المثقفين الواعين الحريصين فعلاً على مصلحة بلدهم الواثقين من انفسهمالأصحاء عقلاً ونفساً ويحترمون القانون ذاتياً دون حاجة لرقيب. وبالتالي فإن الديمقراطية تركز على الفرص المتاحة للناس للسيطرة على قادتهم والإطاحة بهم دون الحاجة إلى ثورة أوتدخل خارجي. وخلاصة ما تقدم ان الدكتاتورية قد تقود الناس الى كره القانون ومخالفته في نهاية الأمر رغم العقوبات القاسية بينما الديمقراطية تقود الى حب القانون والنظام لأنه الطريق الامثل لتحقيق العدالة الإجتماعية. ومن ذلك ما حدث في أحد المؤتمرات ذات الطبيعة القانونية الذي عقد في بلد عربي، حين تداخل في النقاشات احدالمشاركين قائلاً؛ اخي يعيش في السويد ومتزوج من سويدية ولديه منها بنت واحدة وكانت زوجته حامل، وكانوا يسكنون في قرية فيضواحي العاصمة وفي أحد الليالي حضرتها الولادة وكانت تصرخ بقوة، فما كان منها الا ان اسندها بصعوبة وأركبهاالسيارة واسرع الى المستشفى، ولأن اشارة المرور في تلك القرية كانت حمراء فقد تجاوزها لأن الشوارع في الليل فارغة من السيارات في ذلك الوقت من منتصف الليل، وقد تمت الولادة بخير وانجبت ولداً .. وعندما عادوا الى بيتهم مسرورين بسلامة الزوجة …  طرق شرطياً الباب في اليوم التالي!!!! وعندما فتح الزوج الباب ابلغه الشرطي ان عليه غرامة لتجاوزه إشارة المرور ليلاً من يوم كذا من الساعة كذا!!!!...

أحباب الجهل ورعاته

*فارس حامد عبد الكريم الوضع الإجتماعي القائم يعاني من انتكاسة ليست في صالح الثقافة والمثقفين  فقد مضى ذلك الزمن الذي كان يقودهالجواهري ونازك الملائكة والسياب وجواد سليم وناظم الغزالي   … فقد تبدلت البلاد ومن عليها … وكأننا في بلد آخر  وهذه من اسوء افرازات الدكتاتورية التي انهت الوجود الثقافي بكل مظاهره  لتكتمل رسم صورة الجهل لاحقاً وعن عمد… كم كنت حزيناً جداً عندما علمت ان وزارة الإعلام في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي قد اوقفت استيراد الدورياتوالمجلات الثقافية والأدبية والعلمية بحجة الحرب وتكاليفها واستمر ذلك الوضع حتى التسعينيات وبداية الألفية الثانيةمنه بحجة الحصار وهكذا تمت ديمومة الجهل وتربيته.  ولاعجب فإن أعداء الثقافة الحرة أحباب الجهل ورعاته دائماً يجدون الأعذار لمحو الثقافة والفن والأدب ومطاردة العقولالتي تحملها حتى آخر نفس. وأهم الأعذار لمكافحة الثقافة هي الحرب وحماية الشباب والجيل الجديد من الأفكار الهدامة والمستوردة!!!! وقد يستخدمالتدين الزائف لمطاردة الثقافة والمثقفين بحجج واعذار متنوعة غير قابلة للنقاش والجدل. وكان افلاطون يؤكد كلما سنحت المناسبة الى أن  الطاغية (يستولي على السلطة عنوة، ويسعى للتخلص من خصومهبعد استيلائه عليها،لكنه يبدأ بكسب شعبية الناس ويوزع الأراضي، ويشن الحروب لكي يبقى الشعب بحاجة إليه، وهيوسيلة احتقار الناس، ومن مصلحة الطاغية استمرار الحروب. ويلاحق الطاغية جميع الناس الذين يمتازون بالشجاعةوكبر النفس والحكمة والثروة لأنهم يشكلون خطرا عليه،يحيط به جماعة مستعبدة تتقاضى أجورا عالية لكي تحميهوتمتدحه) فالتاريخ يعيد نفسه بالنسبة لذوي الحكمة!! إن الجهل أساس كل الشرور كما يؤكد أفلاطون ايضاً. وقد قيل بحق أن (الجهل مع الدين إرهاب، والجهل مع الحرية فوضى، والجهل مع الثروة فساد، والجهل مع السلطةاستبداد، والجهل مع الفقر إجرام، وهو أسوأ آفة قد تبتلى به أي أمة).   وبالمقابل، وكغطاء لتجهيله للشعب، يحاول الدكتاتور الظهور بمظهر الراعي للثقافة والفنون وقد يؤسس وزراتمتخصصة بالثقافة والإعلام حيث يسعى الى توجيه النشاط الثقافي والاجتماعي للجماهير توجهاً أيدولوجياً لصالحشخصه، تشبهاً بالفرعون الذب كان يقول لقومه: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)،  ومن ثم الاستخدام التعسفي لقوة الأجهزةالأمنية من أجل ترويع المثقفين وعموم المواطنين. لذلك كان لزاما على المستبد في الحكم أن يكون مستبدا فكريا ايضاً حتى يحافظ على كرسي حكمه من الزوال. فهوباستبداده يعطل العقول ويسفه الأحلام ويمحق الإبداع. ومن غرائب مظاهر الجهل والاستبداد انتقاله بالعدوى بين افراد المجتمع حتى أولئك الذين  لا يكون لهم أي منصب أو قرارفي الدولة، فيستبد الأب في بيته، ويستبد صاحب العمل على عامليه، ومن يصبح تغيير القناعات الراسخة بسببالجهل عملية تحتاج الى نضال حقيقي من المثقفين وخاصة معلمي ومدرسي واساتذة المدارس والجامعات. والاستبداد لايقتصر وجوده في المجتمعات المتخلفة، وان كانت هي مزرعته التي يرتع وينمو فيها، ففي المجتمعاتالمتقدمة يكون الاستبداد فكرياً، وهو خضوع الإنسان لتوقيتات وآليات عمل لايستطيع عنها فكاكاً تجعل منه كالآلة التيتعمل ليل نهار (فهو لا يقتل الإنسان ويحفر مقابر جماعية، بل يقتل الروحية المتحركة والفكر المتطور بحجج وأساليبخفية تسبق الزمن الاني).  كيف نواجه الجهل والتجهيل ان الطبقة المثقفة لاشك هي الأعرف من غيرها  بأعداء الثقافة وطبيعة الاستبداد وخاصة عند ممن كانوا سبب معاناتهمعبر التاريخ البعيد والقريب من الجهلة وناشري الجهل، ويقع عليها واجب الاستعداد لخوض المعركة الثقافية بكل ماأوتوا من قوة تأثيراً على الشعب، فاذا تمت محاربة الجهل والاستبداد ثقافياً وسياسياً، لن يجد الطغاة وأنصار الجهلوالتجهيل أي أرضية يقفون عليها لكسب الجماهير لصالح افكارهم المتخلفة. ان نشر الثقافة والوعي بين المواطنين يعطيهم المناعة من  التجهيل، كاللقاح المضاد للأمراض تماماً. ونحن نستذكر الجهلة والمجهلين والمستبدين بجهلهم ووسائل مكافحة الجهل وأهله  لايسعنا الا ان نذكر الشهيد المفكرعبد الرحمن الكواكبي رحمه الله  الذي كان أول من صرخ في العصر الحديث  بوجه الإستبداد والجهل وسبل مكافحتهوالذي مات مسموما بفنجان قهوة بعد أن كتب كتابه الشهر (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد). —– استاذ جامعي – النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

التوزير بين السياسة والمهنية

*فارس حامد عبد الكريم حينما تحررت فرنسا من سيطرة النازية وعاد زعيم فرنسا الوطني الجنرال ديگول الى فرنسا وبدأ بتشكيل حكومته المعروفة بالجمهورية الخامسة استدعى الروائي الشهير  أندريه مالرو وعرض عليه تولي أحدى الوزارات السيادية المهمةتقديراً لدوره الفكري  البارز في مواجهة الفكر النازي والمساهمة في بناء اساس فكري للمقاومة الوطنية، ولكنه رفضتولي هذه الوزارة السيادية وطلب تولي وزارة الثقافة، قائلاً، وسط اندهاش الجنرال من هذا الإختيار؛(لقد اصبح عقلفرنسا بيدي). لم يكن الأديب مالرو حزبياً أو منتمياً لجماعة ما ولكنه كان وطنياً بحق وكان هذا كاف لوحده  ليمكنه من تحقيق اكبرنقلة في تاريخ الثقافة الفرنسية الحديثة وكسب حب وثقة الجمهور. هذا الحس الوطني المرهف هو الذي مكن مالرو من إعادة بناء وعي المواطن الفرنسي وتخليصه من إفرازات الحرب النفسية والإجتماعية وثقافة الحرب التي تراكمت خلال الحرب العالمية وفترة الإحتلال النازي وما رافقها من مذلة ومهانة مست الكرامة الوطنية في الصميم. لقد صرف مالرو بسخاء بالغ على المشاريع الثقافية والأدبية والفنية وأزدهرت المسارح والعروض الفنية والترفيهيةوطبعت وأعيدت طباعة المئات من عناوين الكتب والروايات وترجمت لمختلف اللغات… حتى بدا الفرنسيون يشعرون وكأنهم عادوا ليعيشوا في عصر النهضة من جديد بكل تفاصيله التاريخية… وتصدرت فرنسا المشهد الثقافي العالمي وأضحت الثقافة مصدراً مهماً من مصادر قوتها …. يكفي ان تقدم مصالح شعبك العليا على مصالحك الذاتية الضيقة لتكون وطنياً بحق وتحقق اعظم الإنجازات… **** النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

المعايير القانونية والإجتماعية …. معيار الوطنية مثالا

فارس حامد عبد الكريم المعيار من الناحية الأخلاقية والقانونية هو في الواقع مقياس يتضمن نموذج لما ينبغي ان يكون عليه السلوك الإنسانيفي مواجهة وقائع الحياة المختلفة. والمعيار القانوني قد يتمثل بقاعدة قانونية او مفهوم قانوني وهو في الواقع وسيلة لتمييز السلوك المخالف للقانون عنالسلوك المتوافق مع القانون ففي إطار قياس الخطأ يلجأ الى معيار  موضوعي هو معيار الرجل المعتاد،ومن تطبيقاتهالعملية معيار الطبيب المعتاد ومعيار المهندس المعتاد والمحامي و.. وقائد الطائرة والعجلة … والرجل المعتاد هو شخصمن عامة الناس محاط بذات الظروف الخارجية للفاعل لا هو بالذكي جداً بحيث يصل بنا الى القمة ولا هو بالغبي بحيثينحدر بنا الى الحضيض هذا الشخص عند التقييم نجرده من ظروفه الشخصية ، ويتخذ من قبل القاضي او رجل الادارةاو عامةالناس مقياساً او نموذجاً لتقييم تصرفات الآخرين، فلو أُدعي ان طبيباً قد اخطأ فإن تحديد وجود الخطأ او عدمهيكون بالقياس الى تصرفات الطبيب المعتاد في ذات الظروف الخارجية فلو اتفقت معها فلا خطأ ولا مسؤولية وإن كانتادنى منها تحققت مسؤوليته القانونية والمهنية وإن كانت اعلى منها استحق التقدير والثناء. والمعايير في إطار زمان ومكان معيينين ثابتين نسبياً تسهيلاً لقابلية الحكم والتقييم. ولكن تختلف ادواتهما بإختلاف الزمان والمكان حتماً حسب مقتضيات التطور الإنساني. وتسبب اختلاف المعايير في مجال معين في مجتمع معين الى الفوضى وعدم امكانية التقييم الحقيقي للسلوك مما ينتجعنه الصراع والظلم والغبن. إلا أن المعايير الأجتماعية ليست كآنضباط المعايير القانونية فإنضباطها يعتمد على مدى تطور وثبات المجتمع العاملةفيه. ومن مظاهر التحضر والرقي والإنسجام المجتىعي المجتمعي وجود معايير ثابتة متفق عليها في السلوك الإجتماعيالعام. ففي المجتمعات المتحضرة هناك شبه اتفاق تام على ماينبغي ان يكون عليه السلوك العام، مثل: احترام نظام التسلسل والأسبقية، احترام القانون والانظمة القانونية مثل احترام اشارات المرور، رفض الفساد والتبليغعنه،  الإلتزام بالمواعيد الرسمية والشخصية، الإلتزام بالهدوء وعدم إحداث ضوضاء في الاماكن العامة، رفض مظاهر الاحتيالوالتسول، المحافظة على النظافة العامة، عدم التدخل في شؤون الآخرين الخاصة، …. ان مثل هذا الإتفاق يشكل وحدة المعيار الإجتماعي ووجوده يقلل من فرص التعارض والصدام الإجتماعي. ومن المؤكد ان  ما تقدم يمثل تصرفات غالبة عامة ولا يوجد مجتمع مثالي. إلا ان محتوى المعايير يختلف في الامم المتحضرة عن الامم الأقل تحضراً فلو اخذنا معيار إجتماعي وهو معيار شرف الشخص فتراه يختلف بشكل واضح وبين من مجتمع الى إخر  ومن زمانالى إخر. ففي المجتمعات المتحضرة فان معيار الشرف يكون في مدى الالتزام بالقوانين والانظمة القانونية والضوابط الإجتماعيةالسائدة فمثلاً يوصف الموظف الذي لا يؤدي واجبه على اكمل وجه والمتهرب من دفع الضرائب او من يخرق اشارة المروراو من يتجاوز التسلسل او دوره في الإنتظار او من يقدم معلومات خاطئة عمداً لشركة التأمين مثلاً  بانه غير شريفوينظر اليه نظرة احتقار وإشمئزاز . اما في مجتمعنا الشرقي فالأمر مختلف تماماً اذ يرتبط الشرف الشخصي بعفة النساء حصراً. وإذا أخذنا العراقكنموذج، فقدكانت لدينا الى عهد قريب معايير للسلوك خاصة بالريف ومعايير للسلوك خاصة بالمدن الحضرية. وكانت معايير متوازنة وثابتة نسبياً في البيئة التي تحتضنها. إلا ان الهجرة من الريف الى المدينة عى نطاق واسع خلقت مشكلة معيارية خطيرة نتيجة صراع المعايير الريفية معالمعايير الحضرية وكانت النتيجة غلبة المعايير الريفية نتيجة الغلبة العددية فضلاً عن القهر الإجتماعي المتمثلباستعمال القوة والتهديد في فرض المعايير الريفية على ابناء المدن. وشكل ذلك تراجعاً خطيراً في القيم الحضرية فإذا كانت المعايير الريفية مقبولة في بيئتها الام فإن انتقالها للمدن يشكلانتكاسة مؤسفة للتطور الحضري....

العمالة والعملاء في العصور الحديثة

فارس حامد عبد الكريم ظاهرة العملاء السياسيين برزت بشكل واضح بعد أن قررت بريطانيا العظمى، ولأسباب إقتصادية ابتداءاً، وكذلكماأفرزته تطورات القانون الدولي لاحقاً المتعلقة بحركات التحرر الوطني، سحب جيوشها الجرارة من ما كانت تسميهممتلكاتها في ماوراء البحار، وإستبدالهم بجندي واحد عميل من مواطني البلد المنسحب منه، بعد أن يتم إيصاله للحكمبطرق تتلائم مع طبيعة كل شعب (تنصيب ملكي؛ ثورة شعبية متحكم بها، تركيز الاعلام على شخصية معينة دونغيرها….) ويفضل ان يكون من الأقليات في ذلك البلد ومن الطبقات المسحوقة لمداعبة مشاعر الأغلبية المسحوقة، ويتماختياره وتدريبه بكل عناية ولأجل محدد سلفاً، والعملاء نوعين؛ الأول العميل المباشر الذي اشرنا اليه اعلاه وهو منجندته المخابرات الأجنبية (الغربية او الصهيونية مثلاً) بشكل مباشر وسري وخصصت له واجبات ومهمات محددةورواتب وعادة مايتسنم هؤلاء مواقع متقدمة في الدول التي زروعوا فيها تسللاً او من خلال انقلاب عسكري تحت يافطة(ثورة). ومن المعلوم تاريخياً انه لاتوجد ثورة في التاريخ الانساني قادها أو ابتدعها العسكر فالثورة انتفاضة شعبية كبرى لهاخصائصها المميزة مثل الثورة الفرنسية(1879) مثلاً. اما الثاني فهو عميل غير مباشر  وهو من أتباع العميل المباشر أو المؤمنين بطروحاته الثورية، وهو الأخطر على الحياةالإجتماعية لانه لايعرف انه عميل ويكون عادة متعصباً أعمى ينفذ دون ان يناقش، ومن امثلتهم اعضاء بعض الاحزابالتي أسسها الأستعمار لتخلفه في حكم البلاد التي خرج منها جيوشها لتقليل التكاليف كما سبق القول وبعضالمنظمات التي تظهر بمظهر الخدمات الإنسانية والمنظمات الإرهابية وهي مرحلة متطورة من صور الإستعمار الحديث،وكما سبق البيان فإن هذه القيادات العميلة تتصرف دائما بخلاف مقتضى العقل والمنطق الوطني لأنها في الواقع تمثلالاستعمار والمصالح الغربية لا المصالح الوطنية وان تسربلت بسربال الوطنية المتشدد من خلال الشعارات الرنانة التيتستهوي البلهاء والجهلة والغوغاء من الناس وتعمي بصيرتهم.  ومن ابرز مظاهر هذه القيادات العميلة كذلك انها تقوم بتقديم المساعدات المالية الضخمة لدول شتى في انحاء المعمورةتنفيذاً لأوامر المستعمر التي تقع تلك الدول تحت حمايته. ومن ذلك ماذكره احد الوزراء في احد المقابلات من ان رئيسدولة افريقية زار دولتنا وكنت قد كلفت بإستقباله رسمياً بسبب مشاغل الرئيس خارج العاصمة واثناء المجاملات قال ايانه بصدد طلب تمويل لمشروع اتصالات متطور جداً، ولدهشتي ابلغته ان مثل هذا المشروع الضخم المتطور هو غيرموجود لدينا اصلاً،  فكيف ستموله حكومتنا؟ فرد قائلاً: انا اعرف انه ليس لديكم مشروع متطور مثله، وسأناقش الموضع مع الرئيس. ويبدو انه حصل على التمويل اللازم!!!! وعلى أية حال يبدو ان ظاهرة العميل البشري في طريقها للإنحسار بعد تطور تقنية النانو! فقد تكون الحمامة أو حتىالذبابة أو البعوضة التي تخترق مكتب الرئيس هي احد عملاء المخابرات المركزية.

متلازمة الجهل والتطرف

فارس حامد عبد الكريم الجهل والتطرف متلازمتان لاتفارقان بعضهما في الغالب الأعم. فالجاهل إذا لبس لباس التدين تطرف اقصى تطرف، وإذا فسق انحرف الى حد الإنغماس.  وإذا أُقحم في عقيدةً سياسية ما تلبس لباس الثورية بلا وعي وأضحى أما  قاتلاً محترفاً او فاسداً بلا حدود …  والجاهل حتى في حبه او كرهه هو  متطرف فاما ان يعشق لدرجة الجنون او يكره لدرجة الحقد الدفين.  والجاهل يعتقد إعتقاداً جازماً لا رجعة فيه  بأنه اثقف الناس وأكثرهم عدلاً وإن ضحاياه هم دائماً خونة ومارقين ولوكانوا بالآلاف من الناس. وعادة ما تكون حاشية الجاهل اذا تولى امراً عاماً من أراذل الناس وأكثرهم انتهازية وهم على أهبة الإستعداد دوماًلمكافحة كل مثقف وغيور على وطنه.   والتاريخ القديم والحديث يزخر بالأمثلة فالحجاج الذي تحول فجأة من شرطي بسيط الى والي العراق وحكمه بالحديدوالنار  كان يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه يحقق العدل الذي يمثله الخليفة وكان يؤدي الفرائض على اتم وجه كما يعتقد. وتاريخ المنطقة والعراق الحديث يرزخ بأمثلة عديدة عن جهلة تولوا زمام الأمور العامة فكان تطرفهم وتعصبهم الأعمىسبباً في إزهاق ارواح الآلاف من خيرة شباب العراق وتبديد الأموال العامة على من لا يستحقها وتخريب البنية التحتيةفضلاً عن النكوص الحضاري بعد ان تحول العراق من دولة نامية متسارعة التطور الى دولة خربة حتى قيل بحق انماضينا كان أجمل من  حاضرنا. أن الجهل والتطرف كانا ولايزالان يحكمان واقعنا ومشهدنا السياسي  والإجتماعي وكانتا سبباً لعصور  مظلمة ما انيفيق الشعب منها حتى يقع في أخرى أشد وقعاً وظلمة. وأني لسعيد جداً ان ارى اليوم كثيراً من مثقفينا النبلاء الوطنيين وهم يتصدون بقوة لمظاهر الجهل والتخلف رغم كلمظاهر الإنتقام والقسوة.  وقد قيل (ان مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة).

الفقه القانوني والثقافة القانونية في الحياة المعاصرة

فارس حامد عبد الكريم  الثقافة القانونية والمجتمع لاتشكل الثقافة القانونية في مجتمعاتنا الا حيزا محدوداً، في حين ان لهذه الثقافة نظريات فلسفية وأصول وأدبياتتتعلق بأصل الحقوق والحريات العامة ساهم في وضعها كبار الفلاسفة منذ نشأتها في عهود الاغريق الى يومنا هذاوينبغي ان يطلع عليها كل من يعمل في مجال العدالة وحقوق الإنسان وكل من تهمه الشؤون العامة من رجال السياسةوالاعلام والتربية وطلاب العلم في عموم الكليات والمعاهد الوطنية، فضلاً عن عموم المواطنين ليكونوا على بينة منحقوقهم وواجباتهم لما للثقافة القانونية من ادوار جوهرية متنوعة في الحياة المعاصرة،منها إدراك الحقوق والحرياتالعامة وأساليب ممارستها والقيود الواردة عليها وتوجيه عوامل التقدم،ونشر ثقافة وقيم العدالة الحقة ومكافحة كل ماهو ظالم وغير معقول… الفقه القانوني والديمقراطية والحال ان التجربة الديمقراطية الحقيقية تجربة حديثة في العراق، بما وفرته من حقوق وحريات عامة، ومن المتوقع انتثار بشأنها نزاعات وخصومات متنوعة، وحداثة التجربة تتطلب الاطلاع على النظريات القانونية والأحكام القضائيةالمتعلقة بممارسة الحريات العامة وحق النقد السائدة في الدول التي ترسخت فيها الأنظمة الديمقراطية منذ قرون عديدةونشرها في وسائل الاعلام المختلفة للمساهمة في خلق ثقافة عامة تقدر الحريات العامة وتمارسها باسلوب حضارييساهم في تنمية عوامل الخلق والابداع في المجتمع، ولا يحتج على ذلك باختلاف القوانين. مباديء القانون العامة … مباديء عالمية  فالقانون علم عالمي راسخ له نظرياته المستقرة التي تستقي منها التشريعات الوطنية احكامها، فالقانون ليس مجردنصوص محلية مثبتة في نصوص التشريعات، ولو وجدت اختلافات او استثناءات فإنها لا تمس جوهر الحق اوالواقعة ومن الميسور ادراك تلك الاستثناءات وتطبيقها في مواضعها التي وضعت من اجلها، فالقواعد والأحكام المتعلقةبالعدالة والانصاف مستمدة في اغلبها من نظرية القانون الطبيعي والأحكام المتعلقة بالأشخاص المعنوية في اغلبقوانين العالم مستمدة من نظرية الشخص المعنوي وإحكام المديونية والأموال مستمدة من نظرية الالتزام التي تطورتتدريجياً منذ عهود الرومان. الفرض والحكم في القاعدة القانونية  ومفاد ماتقدم  من حيث التطبيق التشريعي ان القاعدة القانونية تتكون من عنصرين، هما الفرض والحكم، والفرض،وهوالأهم في الدراسة والبحث القانوني، وهو الواقعة التي برزت إلى العالم الخارجي ، اما الحكم فهو الأثر المترتب على تلكالواقعة، فالنص على انه ( من يرتكب جريمة قتل عمداُ يعاقب بالاعدام او السجن المؤبد) فالقتل هو (الفرض) والعقوبةهي (الحكم). ويتطلب اعمال الفرض في الغالب، لصلته بصفة التجريد، عملاً عقلياً خالصا كالتفسير والاستنتاج المنطقي والاستنباطوالتكييف القانوني للواقعة أما اعمال الحكم فلا يتطلب ذلك في الغالب لتجسده بصورة مدد زمنية او حسابات مادية، بلان اجراءات المحكمة منذ رفع الدعوى وما تمر به من اجراءات تحقيقية ومحاكمة واستماع للشهود والخبراء واجراءاتتحري ومعاينة ومناقشات ودفاع واثباتات حتى ختام المرافعة تدور كلها حول تحقق فرض القاعدة من عدمه ولا تناقشالعقوبة او الحكم الا بعد ختام المرافعة… الفروض متشابهة او متقاربة في أغلب قوانين العالم وبصورة عامة فان الفروض متشابهة او متقاربة في اغلب القوانين خاصة في نظام قانوني واحد كالنظام اللاتينيالمتبع في فرنسا والبلاد العربية وهو الشائع في اغلب دول العالم، فاركان جريمة القتل او السرقة او القذف وعملياتالتكييف بشأنها هي ذاتها في فرنسا او ايطاليا او مصر او في العراق أو اليابان.  ومن هنا كان الالتجاء الى الفقه والقضاء الأجنبي او العربي وحتى الدراسة في كليات القانون الأجنبية ممكنا، كما انتغير القوانين او تعديلها من وقت لأخر لا يمس في الغالب فروض القاعدة القانونية وانما يمس الأحكام المترتبة عليهاوفي احوال معينة قد يمس بعض شروط تحقق الفرض، ولو كانت الفروض عرضة للتغيير الدائم لأصبحت الدراسةالقانونية والبحوث القانونية شبه مستحيلة لان ذلك يعني انهيار للفقه القانوني القائم، بينما نجد ان تغير حكم القاعدةلا يتطلب سوى القراءة المادية في متون القوانين للأحكام الجديدة. وإيمانا بهذه الحقيقة نصت الفقرة (3) من القانونالمدني العراقي، فيما يتعلق بمصادر الأحكام، على انه (وتسترشد المحاكم في كل ذلك بالأحكام التي اقرها القضاء والفقهفي العراق ثم في البلاد الأخرى التي تتقارب قوانينها مع القوانين العراقية). أهمية نشر الثقافة القانونية ان نشر ثقافة قانونية تتعلق بالأصول العامة،مثل ضرورة القانون ومعنى الدستور، مفهوم العدالة وقيم الحريةوممارستها ومبادئ النظام الديمقراطي، ومبدأ سيادة القانون، ومبدأ تكافؤ الفرص، ومبدأ مساواة المواطنين أمامالقانون،ونظرية القانون الطبيعي، والغايات الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني، مبدأ مساواة المواطنين فيالانتفاع من المرافق العامة، مبدأ المساواة في مباشرة الاعمال الاقتصادية، مبدأ المساواة في الضريبة، مبدأ المساواة فيالمعاملة، مبدأ حق الحياة لكل فرد، مبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان، مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، مبدأضرورة سير المرفق العام بانتظام، مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الاكراه، مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة، مبدأ عدمالتعسف في استعمال الحق…. لهي ضرورة وطنية خالصة تساهم في التخلص من ثقافة الدكتاتورية التي ترسخت فيعقول بعض ابناء شعبنا، مما عرقل في كثير من الاحيان التجربة الديمقراطية الناشئة في العراق. ان الدراسات القانونية لا تقتصر على شرح النصوص القانونية باسلوب الشرح على المتون الذي يقوم على التفسيرالحرفي الذي ساد لبعض الوقت في مطلع القرن الثامن عشر، وهي السائدة ليومنا هذا في العراق التي يهتم بهاالعاملون في المجالات القضائية، والتي تسهم في تكوين ثقافة قانونية عملية  محدودة وهذه ليست هي المقصودةبدعوتنا هذه، لان هذا النوع من الدراسات من عوامل جمود القانون لا من عوامل تطويره. فقه الشريعة الإسلامية من عظمة فقه الشريعة الإسلامية،ان فقهاء الشريعة وهم يفسرون القرآن الكريم وهو كلام الله المنزل بطريق الوحي لفظاًومعناً على رسوله محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم لم يقفوا عند التفسير الحرفي للقرآن حصراً،باستثناء أهل الظاهر، ويكاد ان يجمع فقهاء الشريعة الإسلامية على ان النصوص تسري بلفظها وفحواها، بمعنى انالتفسير اما ان يقوم على استخلاص معاني النصوص من ظاهر عبارة النص ودلالة ألفاظه ( دلالة اللفظ على المعنى )،او ان يقوم على استخلاص معاني النص من دلالات مضمون عبارة النص( دلالة النص على مضمونه ) ولذلك قالوا انالعبرة في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني. وتفسير علماء المسلمين تفسير علمي وعقلي يتميز بحرية فكرية  محفوفة بالمشروعية.  وقد تبنى الفقه الإسلامي بكافة مذاهبه هذا الأسلوب في التفسير، باستثناء اهل الظاهر الذين تمسكوا بحرفيةالنصوص ويقابلهم في الفقه القانوني الغربي  مدرسة الشرح على المتون كما سبق البيان، وكلا المدرستان مندثرتان فيالحال الحاضر، باستثناء انه يوجد لهما تطبيق واسع لدى رجال الإدارة والقضاء في بعض البلدان العربية، بالنظرلقعودهم عن مواكبة القفزات الهائلة في مختلف العلوم والنشاطات الاقتصادية والسياسية والحاجات الاجتماعيةالمتسارعة في كل يوم....

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close