01-09-2009 | (صوت العراق) -
PUKmedia خالد النجار/ السليمانية 15:00 01/09/2009
منذ فترة طويلة وانا ارغب في الكتابة عن حمامات السليمانية قديما وحديثا، ولكن اكثرها قدما وعمقا في التاريخ هو ( حمام ســورت او صورت ) وكانت الصدفة جميلة ان اسكن قرب هذا الحمام الذي يعتبر جزا من تاريخ الامارة البابانية التي حكمت كوردستان، وعندما نتذكر ايام زمان بحلوها ومرها، وليس افضل من تلك الذكريات سوى الحمامات الاهلية التي اصبحت جزءا من الذاكرة العراقية والشخصية ورمزا اصبحت تلك الحمامات ايضا تحمل جزءا من تاريخ العراق القديم والجديد، وفي السليمانية اصبحت الحمامات لها تاريخ خاص له ذكرى عند كل مواطن منذ ان كان صغيرا حتى الكبر، ومن تلك الحمامات التي شهدت بعض الاحداث التي لاتنسى هي (مام سـورت) اقدم حمام في السليمانية والذي يتوسط احد الشوارع الصناعية التي يكثر فيها الحدادين والسماكرة وبعض المحلات التجارية التي تبيع الملابس .
لذلك وجدت نفسي اندفع لدخول الحمام والتقي صاحبه السيد سـركوت الذي اطلعنا على اسراره واحداثه الجميلة والمرة حيث قال: ان حمامات السليمانية لها ميزة جميلة حيث تجمع بين التراث والمعاصرة معا لتجتمع كلها تحت صوت خرير المياه والغناء وضرب طوس الماء بين احواض المياه، وان حمام سورت هو من اقدم الحمامات في السليمانية الذي بناه (البابانيين) ايام مجد امارتهم العظيمة وقد خصصوه لعوائلهم واقربائهم والذي تم تغيير اسمة ليصبح (حمام صورت او سورت) لكون جدرانه التي تحمل الكثير من الصور واللوحات الفنية الجميلة وسقوفه المميزة بكل شي مكن ابراج الحظ (الجوزاء والثور والميزان والقوس والسرطان) وغيرها والتي اكل الدهر عليها وشرب .
ويضيف سـركوت: لقد كان والدي رحمه الله يدير الحمام بعد البابانيين وقد استاجره منذ ذلك الوقت حتى وفاته رحمه الله وقمنا بادارته انا واخي ثروت حتى يومنا هذا، واذكر ان احد المؤرخين الكورد الاستاذ عبد الرقيب يوسف اخبرني بان ان الصور الفوتوغرافية موجودة لديه عن هذا الحمام منذ عام 1960 , وتعود الاسباب الى تغيير اسمه الى قرار من والي بغداد العثماني كي لاتذكر الامارة البابابنية اطلاقا، وهناك راي اخر يقول ان عائلة المرحوم كريم فلكة تقول: ان تاريخ الحمام يعود الى عام 1900 ونجد ان هناك تناقضا بين الرايينوبفارق 120 عاما تقريبا، وان هناك اكثر من راي ومعلومة عن تاريخ الحمام ولكن حقيقة هذا الحمام هي قدمه وتاريخه العريق .
وعن اسعار الاستحمام بين الامس واليوم يقول سركوت: لقد بدات التسعيرة من (الفلس الى 10 فلوس) في البداية ثم ارتفع السعر مع المتغيرات الاقتصادية لكل مرحلة من تاريخ العراق ثم اصبح سعر الاستحمام بـ ( 25 فلســا ) ووصل بعد ذلك الى ( 100 فلســا)، وفي ثمانينيات هذا الزمن وصلت الى ( 500 فلس) واذكر بعد غزو الكويتى ارتفع السعر الى ( 750 فلسـا )، وبالمناسبة كان الاستحمام بدون وقت اي بامكان الزبون الدخول من الصباح حتى المساء , لذلك ومع تغير الزمن تم تحديد الوقت واصبح اليوم (الساعة الواحدة بـ 4000 الاف دينار) لان الاسعار ارتفعت بشكل جنوني واصبح شحة المياه وارتفاع اسعار النفط سببا اخر لهذا الارتفاع مع ان المياه في ايام زمان وبالرغم من عدم وجود تكنولوجيا اليوم كان افضل بكثير من الان حيث كانت الانابييب الموصلة للمياه تاتي من جبال كويزة وتصل الى السليمانية ومنها الى حمامنا وهي انابيب طينية قديمة جدا ولكنها كانت افضل من تكنولوجيا اليوم , وبعد ان وصلت شبكات المياه الحديثة اشحة المياه اصبحت لدينا مشكلة بالمياه والجميع يعرف ذلك جيدا .
ويقول سـركوت: كذلك كانت مشكلة النفط الذي يعتبر من المحروقات المهمة في عملنا لتسخين الحمام طيلة فترة عمله، لقد عملت منذ عام 1993 في هذا الحمام مع ان والدي رحمه الله قد عمل فيه واستاجره منذ عام 1967 وكان يستخدم النفط الاسود بعد ذلك ومع التطورات والحفاظ على البيئة استخدمنا النفط الابيض , ثم تغيرت المادة لاستخدام (الكاز اويل)، ثم انتم تعلمون ان نظام صدام قد حاصر الكورد في كل شي منذ ذلك الوقت حيث منع دخول النفط الى السليمانية لاسباب يعرفها الجميع من سياسة نظام حاقد ومجرم لذلك اظطر الناس الى قطع الاشجار والاستفادة من حطبه في كل شي سواء لاستخدامات المنازل من الطبخ والغسل وفي كل شي من الحياة، وهذا اثر على الطبيعة الكوردستانية والبيئة بشكل ملفت للنظر ولكن ماذا يفعل الناس ازاء تلك السياسة ,واظطررنا نحن ايضا الى استخدام الحطب في الحمام مما جعل الاسعار ترتفع ولكننا مع هذا ابقينا على الاسعار البسيطة جدا لمعرفتنا بحالة الناس انذاك , وان انعكاس تاثيراته على البيئة الكردستانية بدا واضحات حتى الان , وبعد ان تم اكتشاف وحفر ابار النفط في الاقليم بعد ثلاثة او اربعة اعوام بدنا استخدام النفط مرة اخرى حتى يومنا هذا ومن استخدام النفط الابيض الى استخدام الكازاويل , واتذكر ان هناك احدى الطرق القديمة في تسخين الحمامات وهي خلط عظام الحيوانت مع النفط الاسود لسرعة وديمومة اشتعالها لفترة طويلة .
ويقول سركوت: اما عن شبكات صرف المياه فكما ذكرت كانت الطرق القديمة السابقة افضل بكثير لايصال الماء من اليوم لان شبكات اليوم تتعرض لانقطاعات متكررة وكثير ويميا تقريبا بحيث يجهز الناس بالماء بشكل متقطع وبين يوم واخر ولساعات محدودة , واليوم وبعد مد انابيب المياه من سد دوكان الى السليمانية فقد تحسنت المياه نوعا ما والمشكلة في المياه في موسم الشتاء حيث يقبل الناس على الحمامات الاهلية بشكل ملفت للنظر من اجل الراحة ايضا , وقمنا بحفر بئر داخل الحمام ووضع خزانات للمياه للاستفادة منها اكثر لتوفير الماء لرواد الحمام .
وعن رواد الحمام القدماء والمشاهير يقول ســركوت : بصراحة ان الكثير من المشاهير قد استحموا في هذا الحمام وهم كثيرين ولكن ذاكرتي لاتتسع لذكرهم جميعا ولو كان والدي حيا اليوم لذكرهم لك جميعا , ولكن الذي اتكره ان ملك كورد
ستان الشيخ محمود الحفيد قد دشن هذا الحمام كذلك القائد الكوردي المعروف ملا مصطفى البارزاني وبعض الفنانين القدماء ووجهاء وشخصيات كثيرة من المجتمع واهالي مناطق السليمانية داخلها وخارجها .
وعن بناء الحمام وصموده حتى اليوم يقول ســـركوت : ان بناء هذا الحمام الذي شيد على حجر كان يجلب من منطقة ملكندي المعروفة اليوم بمحلة ملكندي في السليمانية حيث كانت في السابق تعتبر منطقة بعيدة جدا عن السليمانية , بسبب بساطة الناس وعدم وجود مثل هذا التطور في يومنا هذا , وكما تلاحظون ان بنائه اعتمد على الحجر الصلب الجبلي كاساس ثم ياتي الحجر او الطابوق الذي يستخدم انذاك في كل المنازل ويسمةى بطابوق (( الفرشــــي )) حيث احتفظ طيلة تلك السنين بقوته وصلابته واحتفظ ايضا بجماليته ويمكنكم ملاحظة ذلك بالرغم من وجود بعض التغيير البسيط في معالمه حيث كانت الصور والزخارف تملا اجوائه , وامنيتي ان تهتم الحكومة بهذا المعلم التراثي والذي ارتبط بتاريخ السليمانية لانه يحكي قصة اجيال بعد اجيال واحداث بعد احداث فلابد من الحفاظ عليه وجعلة مزارا ومعلما سياحيا هاما يرتادة السياح من داخل العراق وخارجه .
وحول صغر مدخل الحمام بشكل غير طبيعي يقول ســركوت : ان لهذا قصة اتذكرها جيدا لان والدي عانى منها , والسبب يعود الى سياسة النظام السابق وازلامه حين كانوا يداهمون بيوت الناس واماكن اعمالهم ومحاربتهم في كل شي , فقد كان مدخل الحمام ابان تلك الفترة كبيرا جدا وان عرض مدخله اكثر من ( 6 ستة امتار ) ولم يجري والدي اي تعديل او تحوير الا بعد ان هددته القوات الامنية الصدامية بضرورة ان يصغر مدخله بحجة ان ( البيشمركة كانت تستخدمه كملاذ لاختباء واستمكان قوات الامن او الشرطة انذاك ) فاضطر والدي الى تصغير حجمه كما تلاحظون وبقى على هذه الحال حتى الان , واضطررنا الى تحويل باقي المسافة الى محلات واصبحت اليوم محلات للحدادين والباكين كما تلاحظون وقد اثر على جماليته بشكل غير جميل .
وعن حاضر ومستقبل الحمامات يقول ســـركوت : لقد شهد العالم التطورات السريعة وخاصة العراقيين بعد ان تحسنت اوضاعهم في الانتقال من المنازل القديمة وهدمها وبناء منازل جديدية لها مواصفات كثيرة ومنها الحمامات المنزلية التي لايمكن الاستغناء عنها , وهذا قلص عدد زبائن الحمامات بشكل ملفت للنظر , بينما كان الناس لايستغنون عن حمامات السوق اطلاقا . وقبل سقوط النظام ارتفع سعر برميل النفط الواحد من 10 الاف دينار الى 150 الف دينار وهذا يعتبر مبلغ خيالي فكيف يمكن للناس ان تستخدم هذه المادة الضرورية وبهذا السعر لذلك اضطروا الى استخدام الحطب وتدميرمساحات واسعة من الاشجار والغابات , وبعد سقوط النظام زاد عدد السياح وزوار السليمانية بشكل كبير بفضل الامان والسلام والمحبة التي عمت العراقيين بلا فروقات او طائفية وانفتاح الطرق التى كان النظام السابق قد اغلقها بوجه الجميع بلا استثاء .
وعن النساء وحماماتهن في السليمانية يقول ســـركوت : بصراحة لابد من القول ان السليمانية لايوجد فيها اي حمام مخصص للنساء كما هي الحال في بغداد والمحافظات العراقية الاخرى ,لان الظروف الاجنماعية والسياسية قد حالت دون ذلك , واعتقد ان هناك بعض منها قد خصصص اياما لاستحمام النساء ومنها حمام ( مارف ) القديم قد خصص يومان فقط لاستحمام النساء , وايضا حمام ( جوار باخ ) الذي خصص هو الاخر يومان في الاسبوع لاستحمام النساء ويبدا العمل من الصباح حتى المساء وفي منطقة ( صابون كران ) حمام المفتي الذي خصص يومان لاستحمام النساء فقط في الاسبوع وحتى ان اقبال النساء ليس بحجم اقبال الرجال كما تعرفون , وبالرغم من تحديد يومان في الاسبوع لاستحمام الساء الا ان اكثر النساء يرتدن الحمام في يوم واحد من الاسبوع فقط , وهن يستخدمن الماء بشكل غير طبيعي واكثر من الرجال .
وعن نوعية زبائن ورواد الحمام اليوم يقول ســـركوت : مع الاسف الشديد لم يبق الحال كما هو عليه ايام زمان بالرغم من ان روادنا من الشباب واشياب ايضا لان فيهم البركة وسوالف ايام زمان , حيث ان الشباب اكثرهم من العمال او زوار المدينة اللذين ياتون من المحافظات او القصبات وقرى السليمانية حيث يجدون الراحة والاستفادة الفعلية من الاستحمام والتي لاتوجد في مناطقهم كما في حمام سورت , وقد كان رواد ايام زمان لهم طقوسهم في السباحة والاستحمام واخذ فاصل من الراحة والاستلقاء على ارضية الحمام الحارة جدا من اجل القضاء على الام الظهر اوالاسترخاء والتدليك وغيرها , اضافة لذلك نحن نتبع الشروط الصحية ايضا من عدم السماح باستخدام الادوات الشخصية ( مثل الخاولي والوزرة والليفة ) حتى ادوات الحلاقة ) خوفا من انتقال الامراض والعدوى وخاصة الامراض الجلدية وغيرها , ونحن نوفر بعض المستلزمات الضروية الجديدة والتي تباع بنفس اسعار السوق مثل الخاوليات والليف والوزر وادوات الحلاقة وهناك رقابه صحية من قبل اجهزة وزارة الصحة حيث يجرى فحص العاملين في الحمامات كل 10 ايام وبشكل دوري للمحافظة على الصحة العامة وصحة الزبائن ايضا .
وهل بقى المدلكجية ايام زمان لحد الان يقول ســركوت : بصراحة لم يبقى كل شي على حاله فقد تغير الزمان وتغيرت اشكاله والوانه ولم تبقى منه اشياء تذكر , لان التغيير قد شمل كل شى في حياتنا وحتى المدلكجية شملهم التغيير لان من كبر قد كبر واصبح على التقاعد والقسم الاخر قد توفاهم الله , ومن بقى منهم لم يعد يزاول هذه المهنة لان الجيل الجديد لم يعد هو الاخر يرغب بالمدلكجية وقد كانت هناك ايام زمان شخصيات من المدلكجية لهم سمعة وباع طويل بهذه المهنة , ومنهم كاك شهاب المدلكجي المعروف والذي كان يعالج الكثير من الامراض الخاصة بالفقرات والانزلاق والام الفقرات ونزلات البرد التي كان الشياب يعنون منها , لذلك اقول لك ان مهنة المدلكجي قد تضائلت ان لم اقول قد انتهت تماما مثل بعض المهن الكثيرة التي قضت عليها التطورات التكنولوجية وتغير الامزجة والبشر .
وعن امنية ورغبة سركوت في الحياة يقول : يوجد لي رغبة شديدة من ان تقوم الحكومة الاهتمام بهذه المعالم السياحية والتراثية والفولكلورية الاصيلة التي تحكي قصة شعب وقصة حضارة ةثقافة لابد من الاهتمام بها وابرازها بالشكل المطلوب لانها تحكي للاجيال القادمة قصص وماثر الاجداد وماخلفوه من اثار من التاريخ القديم والجديد .

|
|