04-11-2009 | (صوت العراق) -
PUK media خالد النجار/بغداد 04/11/2009
كلنا يعلم بان التطور في العالم لابد له من ان يحدث التغيير في كل شي حتى في انماط معيشتنا والبيئة التي تعودنا عليها حتى ولو كانت بسيطة جدا ولا تتناسب مع المتغيرات والمستجدات، ولاشك إن المدينة او القرية التي ولدنا فيها مهما كانت بسيطة او مهمة، فلا بد ان يشملها التغيير في كل الاحوال، وتبقى ذكرياتنا هي اساس تعلقنا بالقديم.
الكثير من مناطق بغداد و اسواقها وتراثها الجميل اصبح جزءا من الذاكرة البغدادية، ولا اعتقد ان الاجيال التي عاصرت تلك الفترة قد تنسى تلك الايام الجميلة التي لن تعود ابدا، وبقت من تلك الذكريات بعضا من شواخصها الجميلة التي تتواصل مع هذه الاجيال ومنها (شارع النهر) والذي كان يسمى (شارع العرسان) او شارع (الصياغ او الصاغة)، والذي يستذكرة عرسان تلك الفترة كلما ضاقت صدورهم وارادوا ان يتذكروا تلك الايام الجميلة واحداثها ولحظاتها، وقد يزيد عندهم الحماس للتجوال مرة اخرى علهم يجدون ما يواسيهم عن فقدانهم تلك الايام وذكرياتها الجميلة التي يحلم بها الجميع ان تعود من جديد .
وشارع النهر الذي شهد فترة من مناسبات الافراح ومنها (الزواج وعقد القران والنيشان) وغيرها من الذكريات التي كانت تشهدها (المحكمة الشرعية) وبنايتها القديمة التي لاتزال موجودة حتى الان، وفي جولتي في شارع النهر استذكرت هذا الشارع كيف كان مزدحما لدرجة ان التجوال فيه قد يطول الى ساعات، لان كل شي فيه يجذبك للمشاهدة والاستفسار والتمتع بما يجري فيه من حركة سوق لم تعد كالسابق لان معظم محلاته اصبحت مخازن او ورش او معامل للخياطة , وحتى ان المولدات الكهربائية قد اخذت جزءا من مساحته بسبب الكهرباء هو الاخر.
وتوقفت قليلا لأسأل أبا مصطفى صاحب محل للكماليات عن احوال هذا الشارع ومتغيراته قال :منذ اربعينيات القرن الماضي و شارع النهر يحضن قصص الزواج التي كانت تعقد في المحكمة الشرعية التي تتوسط الشارع، وكان منظومة أعراس متكاملة، حسب تعبيره، تبدأ بجولة حول الصاغة لاختيار النيشان وتنتهي بعقد القران، وحفل الزفاف، وبين اول قصة ونهايتها السعيدة، و الكلام لا يزال لأبا مصطفى : يجد الخطيبان كل مستلزمات عشهما الذهبي ابتداءاً من الملابس النسائية والفرش والمكياج والعطور وانتهاءً بكلمة الموافقة على الزواج التي ينطقها الخطيبان أمام القاضي في المحكمة الشرعية وسط شارع النهر الذي يستذكره ناس أيام زمان وماتبقى منهم حتى اليوم .
ويضيف ابا مصطفى بالقول: يمتد تاريخ شارع النهر الى العصر العباسي، حيث يرتبط بسوق الخفافين التي بنيت في نفس الفترة التي بنيت فيها المدرسة المستنصرية قبل أكثر من 1100 عاماً.
وكان شارع النهر يمتد على كورنيش دجلة لهذا فقد سمي بشارع النهر في حين أن اسمه الرسمي المسجل في امانة بغداد هو (شارع المستنصر) ويوازيه من جهة الشرق وعلى مسافة قريبة أقدم شوارع بغداد وهو (شارع الرشيد) في خمسينيات القرن الماضي، وكان شارع النهر مزدحماً في كل المواسم صاخباً يلفه الضجيج للحياة منها زفاف يقطع الشارع ومواكب من الناس تمر على محال الصاغة والملابس لمجرد الفرجة والاستمتاع بالحب الجميل لهذاا الشارع .
وعن حركة ونشاط محاله التجارية يقول أبا مصطفى: لا شك أن محلات شارع النهر كانت محال فخمة وعامرة بكل شي بما فيها ألعاب احتياجات الاطفال مع استراحة خاصة لهم وللسيدات اللاتي اتعبتهن الفرجة على ألوان الملابس وبريق الأساور، وعرف شارع النهر بحركته النشطة والمتواصلة في الصباح وحتى ساعات الليل، حيث كان يزدحم بالعوائل الآتية من كل مكان للتبضع ولا سيما مع اقتراب مواسم الأعياد .
وفي جانب آخر من الشارع التقينا مهدي شاوي ليحدثنا عن الشارع فقال"كان شارع النهر ملتقى العوائل البغدادية التي تجد فيه ضالتها من البضائع النسائية المختلفة ومستلزمات الأعراس ومن المؤسف أن يفقد الشارع ملامحه التاريخية وحيويته التي عرف بها منذ عشرات السنين خلال المدة الماضية، بعدها تراجعت تراجع نشاطه ولم يتبقى منه سوى ذكريات تاريخية جميلة وأمنيات بأن يعود هذا الشارع الى سابق عهده الذهبي .
ولأن الجولة كانت ممتعة للتجوال في هذا الشارع وأزقته ودرابينه البغدادية، التقينا أبو سمير صاحب محل للصياغة، الذي قال: لقد عشنا تلك الفترة كالعصر الذهبي من كل شي، سواء من حيث تعاملاتنا التجارية وتوافد الناس وخاصة النساء لشراء الذهب في كل المناسبات وخاصة الزواج والهدايا وغيرها، بحيث لم تكن هذه المنطقة الا قبلة لمن يحتاج الى الذهب وكان هناك الكثير من محلات الصاغة ومحال المجوهرات والحلي الذهبية والفضية وبعض محال الانتيكات المجاورة لبناية غرفة التجارة بغداد التي تأسست في العام 1926 تلتها مجموعة من الخانات القديمة تحولت الى محال تجارية وهي خان دلة وخان الباجه جي والخضيري والنملة وخان البنكة وخان العادلية وخان الدفتردار، وأن الحركة التجارية كانت مزدهرة جداً بالقياس الى ان الناس في تلك الفترة، فلم تكن القدرة الشرائية عندهم بالقوة التي فيها اليوم ولكن يحب الجميع ان يترك أثره وذكرياته في شارع النهر، وأنا شخصياً أعتبره شارع النهر الخالد، ولا أعتقد أن الأيام مهما طالت، ومهما تعددت الأزمان فأن شارع النهر يبقى عزيزاً بالرغم من انه يشكو الاهمال من قبل الجهات المعنية بالأمر.
ويضم الشارع عددا من الجوامع العريقة ومنها جامع الباجه جي وجامع التكية الخالدية وجامع العادلية الكبير وجامع الخفافين الذي يعد من اقدم الجوامع في بغداد ويعود تاريخه الى نهاية الخلافة العباسية.
يتقاطع شارع النهر مع نهاية الشارع سموال، ثم يأتي سوق دانيال والتي الذي نسبت اليها التسمية لانه اول من قام بالبيع فيه، كان شخص يدعى دانيال ويعتبر هذا السوق من الأسواق المتخصصة في بيع لوازم الخياطة والى جانبه سوق لبيع الأقمشة النسائية والرجالية، وبالاتجاه نحو المدرسة المستنصرية عند نهاية شارع النهر هناك سوق الخفافين الذي أنشئ قبل 800 عام، وأشتهر بمهنة (الريافة) التي تعتبر منقرضة في يومنا هذا، كذلك هناك سوق صناعة العباءات الرجالية والعقال العربي وغيرها من الملابس الشعبية، وفي الطرف الأخير من الشارع يوجد مسجد وعدد من المقاهي حملت نفس الاسم ويجمع أغلب أصحاب المحال على أن شارع النهر بدا يفقد زبائنه منذ تسعينيات القرن الماضي بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية والحروب.
بعد سقوط النظام البعثي تغيرت أحوال الناس، مما دفعت بأصحاب المحال التجارية التي تشتهر بتسويق وبيع الملابس الى تغيير حرفهم والتحول الى حرف أخرى، لا تدخل في اهتمام الأسرة العراقية حتى هجرته تماماً ويمكن للمتتبع لأحوال هذا الشارع يجد أن الكثير من المتغيرات السلبية التى حصلت فيه، حيث تحولت محلاته الجميلة الى مستودعات لمختلف البضائع أو مخازن لأدوات احتياطية للمكائن والمعدات واللوازم الرياضية.
وكلما توغلنا في هذا السوق العريق كلما تاخذنا المفاجات بان اصحاب المحلات أو الأبنية قد لجاؤوا لتأجير محلاتهم لمن يدفع أكثر للحاجة المادية أو لتوفير المال لليوم الأسود.

|
|