10-11-2009 | (صوت العراق) - 
فيل ساندس – مراسل خارجي: يحلم السياسي الكردستاني باِقليم مستقل للمسيحيين وقد منح بيوتاً مجانا للنازحين من بغداد بسبب العنف في أعقاب الغزو الأميريكي. إن تكتمه على الخطة التي يَتْبِعها سَبَبَ الشكوك لدى معارضيه.
في صغرِه كان سركيس أغاجان يخفي الحلم في أنه سيكون في يومٍ ما ركناً يخصص للمسيحيين في العراق، الذي يسيطر عليه الأسلام، وهذا الركنْ يمثل منطقة مستقلة يتمكنونَ فيها من حكم أنفسهم، وعند الضرورة، يكونونَ في مأمن من أعدائهم.
في حديث للسيد أغاجان في مقابلة فريدة من نوعها من مكتبه المترف في بيته بأربيل، قال كُنا نطالب بالحكم الذاتي منذ القرن الماضي ولكننا لم نتمكن من تحقيق ذلك بسبب الظروف المحلية والدولية.
بعد ذلك وفي سنة 2004 تم تهجير أبناء شعبنا مما أعطاني العزم والحماس للاستمرار بهذا الطلب. ففي العراق الذي يُعّد غير مستقراً في الوقت الحاضر، يعتقد سركيس أغاجان، البالغ من العمر 46 عاما والمنعزل حاليا، بأن هناك فرصة فريدة من نوعها لدفع هذه الخطة المثيرة للجدل الى الأمام.
فالعنف الطائفي الذي حدث بعد سقوط صدام حسين أرهب العوائل المسيحية التي بدأت بالهرب من بغداد والموصل والبصرة. لقد منحهم السيد أغاجان بديلاً جذاباً لكي لايتركوا البلد كلياً، إذ بنى بيوتاً جديدة وأعطاها لهم مجاناً في بعض المناطق من شمال العراق التي تسود فيها الأغلبية المسيحية وحيث الوضع الأمني أقل خطورةً.
لقد بدأ تضاؤل الكثافة السكانية في القرى المسيحية منذ خمسينيات القرن الماضي حيث انتقل ساكنيها الى الخارج أو الى المدن الكبيرة، وقد تسارعت الهجرة، بالقوة أحياناً، في ظل نظام البعث، وبدأ المسيحيون العراقيون بالاندماج بالثقافة المحلية التي كانت علمانية رسمياً، لكنها إسلامية، في المقام الأول، على المستوى الشعبي.
لقد أخافَ ذلك الاتجاه القوميين المسيحيين وحذرهم الى الانتباه والخوف على دينهم وثقافتهم من الاضمحلال ومن ثَمَّ الاختفاء كلياً.
وأثناء المذابح وسفك الدماء الذي تَبِعَ الغزو الأميريكي للعراق عام 2003، وجد السيد أغاجان وأنصاره بأن الفرصة مواتية لعكس التيار وإعادة الناس الى القرى المسيحية.
وأضاف، "إن حقيقة هروب المسيحيين من البلاد مرتبط ارتباطاً وثيقاً مع فكرة الحكم الذاتي لشعبنا"، فمن غير الممكن أن يكونَ هناك حكماً ذاتياً ما لم توجد قرىً مسكونةً، ولايمكن أن يكونَ هناك قرىً مسكونةً ما لم يرغب البعض البقاء فيها. " وحين يكون شعبنا على أرضهِ يصبح مركزنا أفضل للمطالبة بحقوقنا".
وبعد سلسلة التفجيرات خارج الكنائس التي حدثت في بغداد عام 2004، حيث كانَ السيد أغاجان نائباً لرئيس وزراء حكومة اقليم كردستان، شُكِلتْ لجنة خاصة لإسكان المسيحيين المغادرين للعاصمة وتم استقبال اللاجئينَ في كردستان وبدأنا ببناء البيوت للذين تعهدوا بالبقاء. وأضاف السيد أغاجان، منذ تلك الفترة أعدنا بناء 105 من القرى والمجمّعات، وفي الأقل اثنتين من المستوطنات (في محافظات الموصل ودهوك وأربيل) التي استوعبت عشرون ألفاً من المسيحيين النازحين.
وهذه تمثل المنطقة التي يأمل السيد أغاجان أن تصبح يوماً ما أرض الحكم الذاتي للمسيحيين، مع العلم بأنه يعترف بعدم وضع الحدود الدقيقة بعد، وحتى في ذهنه.
إن هذه القرى المسيحية تقع في قلب المناطق المتنازع عليها مما يجعل مشروع الحكم الذاتي محصوراً في مركز إحدى أكثر القضايا السياسية المثيرة للانقسام في العراق.
ففي هذا العام اعترف المسؤولونَ الكورد، في المبدأ، بحق المسيحيينَ للحكم الذاتي في المناطق التي هي تحت إدارة حكومة كردستان، وما زالَ الانتظار لتفعل بغداد الشيء نفسهِ.
وقال السيد أغاجان، " إنها حقاً مشكلة للرد على مسألة الحدود"، فالبعض من شعبنا يعيش في محافظة نينوى التي هي تحت إدارة بغداد، والبعض الآخر في محافظة دهوك التي هي تحت إدارة حكومة إقليم كردستان.
وأضاف، إن مصير شعبنا في نينوى لم يتم تسويته بعد، فهم مشمولون بالفقرة 140 من الدستور التي تتعامل مع المناطق المتنازع عليها، لكننا لن ننتظر ذلك ليتم تقريره فإن لنا بالفعل قرىً في المنطقة الكردية يمكننا إستحداث مؤسسات الحكم الذاتي فيها، إننا لَسنا في وضع يمكننا إنتظار تحديد كل المنطقة "المسيحية" لِنطالب بالحكم الذاتي بعد ذلك، فنحنُ نطالب بالحكم الذاتي في كلتا المنطقتين، إذ من المحتمل أن لا تكون المنطقة التي تعود الى محافظة نينوى ضمن حكومة اقليم كردستان، ولكن إذا كان لنا الحق الوطني "بالحكم الذاتي" في الدستور العراقي فإننا سنكون في مركز يمكننا من استحداث الحكم الذاتي في مناطق خارج نطاق حكومة اقليم كردستان. وأيضاً، تبقى التفاصيل غامضة لما ستكون عليه منطقة الحكم الذاتي المسيحية.
وهناك أحاديث عن مؤسسات حكومية بتخصيصات مستقلة وقوى أمن وخدمات شرطة وقوانين حكم ذاتي وانتخابات يمكن لجميع المسيحيين المشاركة فيها، وحق متساوي لغير المسيحيين الذين يعيشونَ في منطقة الحكم الذاتي، وستبقى المنطقة المسيحية ضمن العراق الفيدرالي. وبحسب السيد أغاجان، يمكن تسوية مثل هذه الامور في وقت لاحق.
أما معارضي السيد أغاجان – علما بأن الكثير منهم من المسيحيين الآخرين – فإنهم يصّرونَ على أنه بدون وضوح الأمور والتخطيط يصبح الحديث عن الحكم الذاتي فارغاً.
إن الخطة مثيرة للجدل بدرجة كبيرة حتى بين المسيحيين، فالبعض يخاف من خلق أحياءاً دينية، كما أن السيد أغاجان نفسه في قلب هذا الجدل ويتهمه المعارضون بأنه متكتماً استحواذياً من الناحيتين الشخصية وفي تخطيطاته السياسية.
لقد تم ضخ ملايين الدولارات لإعادة بناء القرى ولكن لا أحد على يقين تام عن كمية الأموال التي تم صرفها أو من أين جاءت هذه الأموال، الأمر الذي أثار تكهنات مختلفة، فهل أن الفاتيكان كانت تُقدم الأموال نقداً أو انها من أموال السيد أغاجان الخاصة أو أن المانحين الأميريكان والأوربيين يحاولون تقسيم وإضعاف العراق من خلال المسيحيين أو أن الكرد يشترون أراضي المسيحيين وولائهم كجزء من مشروع الاستقلال الخاص بهم، وكل ذلك بإستخدام السيد أغاجان واجهةً.
أما تفسير السيد أغاجان فإنه لايقل سوءاً، إذ يقول، نظراً لكونه من المتنفذين سياسيا في الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم، فقد كان قادراً على توجيه أموال حكومة الاقليم الى مشروع من اختياره، وقد اختار مشروع القرى.
وأضاف، إن كل ذلك هي أموالاً حكومية، وكما تعرف، إن كل ما يتم صرفه في الاقليم يُتبع بالتدقيق وما اليه من امور أُخرى، وهو بذلك رفض وضع رقم تقريبي عن كمية الأموال التي صُرفت حتى الآن.
وأضاف أيضا، إنه شيئاً اعتيادياً في البلدان الشرقية القول بأن رئيس الوزراء يقوم بهذا المشروع كما لو كانت أمواله الخاصة، حتى وإن لم تكن كذلك، ويعتقد الناس بأنه مشروعاً شخصياً.
وقال، لقد كنت نائباً لرئيس الوزراء، وإن لهم الصلاحية والسلطة لتعيين المشاريع المزمع عقدها، وهذا جزءاً من واجباته وصلاحياته ولي مثل هذه الصلاحيات والسلطة، وحين تكون عندي مثل هذه الصلاحيات لماذا لا أستخدمها لصالح شعبي، وهذا حقاً طبيعياً.
ومهما كان من مردود لمشروع الحكم الذاتي، فقد أثبت السيد أغاجان بأن دوافعه دينية. فقد قال، "أنا متدين جداً" إذ لدي الالهام من الروح القدس لأي شيء أقوم به، فأنا لا أُخطط مطلقاً، إن السيد المسيح هو الذي يخطط الأشياء في شخصي. وأضاف، في كثير من الأحيان عندما أُخطط شيئاً ما في ذهني ينصحني الروح القدس بعدم القيام به.
"إن ذلك قد يظهر بأنه ضعفاً بالنسبة للسياسي، لكن بالنسبة لي أعِدَه قوةً".
