اخبار العراق | اضغط هنا للمزيد

في آخر مقابلة صحفية لعبد الكريم قاسم لـ اللوموند الفرنسية


07-02-2010 | (صوت العراق) -

جريدة اللوموند 5-2-1963
بغداد، 4 شباط 1963، من إدوارد صعب: امضيت بعضاً من الليلة الماضية برفقة الزعيم عبد الكريم قاسم. بدأت مقابلتي معه في التاسعة من مساء الخميس وتواصلت حتى فجر الجمعة. في حوالي الثانية عشرة ليلاً كان على الزعيم قاسم ان يستقبل مبعوثين من محطات الإذاعة والتلفزة الفرنسية، عبّر لهم عن انشراحه لعودة العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا.


لا يحب رئيس الحكومة العراقية أجهزة التسجيل الصوتية ولا ضوضاء آلات التصوير. كما يبغض المقابلات التقليدية المستعجلة. اما أجوبته فهي عامة بل عامة جداً احياناً.بدا لي متوتراً، "يبدد توتره" في منديل مسكين يضغط عليه بشكل دائم في راحة يده اليسرى التي تسند كتفاً تعرض للشلل منذ ان اخترقته رصاصات خصومه. فمحاولة الاغتيال التي نجا منها بمعجزة في عام 1960 تركت آثاراً عميقة فيه، حيث خرج منها ضعيف البدن. فهذا الرجل الذي أعود لملاقاته للمرة الاولى منذ حزيران 1959، لم يفقد شيئاً من حيويته ربما، الا ان ثمة تجاعيد تعتلي الآن جبهة وجهه الاسمر كما ان ملامحه توحي ببعض القلق. قال لي «ان ساعتين او ثلاثاً من النوم تكفيني يومياً، وأنا مستمر هكذا منذ اربع سنوات. فعندما اسمح لنفسي بالنوم اطول من ذلك يداهمني احساس بالذنب. تنتظرني واجبات كثيرة.. بينما عمر الإنسان قصير جداً... »
وسمح لي الزعيم قاسم، بمعية ضابطين من مساعديه وبضعة مراسلين أجانب كانوا في مكتب ملاصق لمكتبه، ان ازور قسم الارشيف العائد لسكرتيره الصحفي الضابط برتبة رئيس سعيد نوري. وهنا طلب الزعيم ان يقدم لنا الشاي، ثم توجه لي منهمكاً في احاديث حول مواضيع لا ترابط بينها احياناً. موضوعاته المفضلة هي الحديث عن حب المقربين والتضامن العالمي وخصوصاً البؤساء، اضافة الى الوسائل الكفيلة بتحرير الفقراء من مشاكلهم.
ويقول الزعيم: «انا نفسي منحدر من وسط فقير جداً، وهو ما اعترف به بكل فخر، كان أبي نجاراً، وقد واجهت أمي الكثير من الضنك في سعيها لكي احصل على تعليمي المدرسي. لذلك أستطيع أن أتصور ماذا تعني المدرسة في حياة الاطفال. وهو ما يفسر لكم لماذا أنا في عجلة لضمان التعليم المدرسي لكل الأطفال الفقراء في بلادي. ذلك لأنني أريد ان أجنبهم المشاق التي واجهتها في طفولتي. »
حتى تلك اللحظة كان حديثه مثيراً للعواطف. الا ان نبرته وأسارير وجهه ما لبثت ان تغيّرت كما لو انه آخذ بلعب دور شخص آخر اكثر تلاؤماً معه، حيث راح يبدو صارماً بل مهدداً.. وهو يضيف: «لكن حذار... ان أقدامي ثابتة بمتانة على الارض، كما ان رأفتي لا تذهب ابعد من الحدود المقبولة. انني لا احب التنظير، لكن عندما يتعلق الامر بالمساس بهيبة الدولة سنضرب بسرعة وبشدة. فنحن لا نمزح عندما يتعلق الأمر بالمساس بالمبادئ. ان ما قام به نفر من الطلاب قبل أيام حيث سمحوا لأنفسهم بالاعتصمام في مكاتب إدارة جامعة بغداد، هو تجاوز على سلطة الدولة. وأقول بشكل واضح على الدولة، ولا اقول على عبد الكريم قاسم. ولذلك، أرسلت مفرزة عسكرية لاخراجهم منها. الا انني مع ذلك حرصت على ان اجرد الجنود من الأسلحة قبل أن أرسلهم لينصحوا صناع الفوضى بالعودة الى رشدهم.»

الدسائس الانجلو – امريكية

وفجأة توقف الزعيم عبد الكريم قاسم عن الكلام. الا ان شفتيه استمرتا في التحرك، او هكذا تبديتا لي، كما لو انه اخذ يتفوه بكلمات موجهة لغيري. ثم للحظة خيل لي ان ابتسامة منه اوشكت على الارتسام على وجهه، غير انها لم تكن في الواقع سوى حركة لا إرادية من فكه الأعلى. كان ينظر لي نظرة توحي بالتركيز، مما أكد لي ان الرجل متألم جسدياً كما معنوياً. وهنا انتقل الى الحديث عن فرنسا قائلاً: «توجد بيننا وبين الشعب الفرنسي روابط لم يمكن لأحد ان يفسدها بما في ذلك حرب الجزائر. لقد قمنا بسببها بقطع علاقاتنا مع الحكومة الفرنسية. وتوجب من اجل ان نعيد علاقاتنا مع فرنسا، تدخل رجال الأدب الذين جاءوا الى بغداد للمشاركة في احتفالات ذكرى الفيلسوف العراقي الكندي. فلقد تأثرت جداً من جانبي بخطابات الاساتذة جاك بيرك وبلاشير. اذ اكتشفت آنئذٍ الى أي درجة كان شعبنا قريباً من الشعب الفرنسي »
ويواصل الزعيم عبد الكريم قاسم قائلا: «الا انني لا اقول ذات الشيء حيال الانجليز والامريكيين. فما الذي لم يفعله هؤلاء لكي يستعبدوا العراق ولكي يحكموا قبضتهم على ثرواتنا؟
والادهى من ذلك، انني تسلمت قبل بضعة أيام فقط مذكرة تهددني فيها واشنطن بفرض عقوبات ضد العراق اذا تمسكت بمواقفي. ولا ادري كيف يعطون لأنفسهم الحق باستخدام لغة كهذه؟
«ان الفترة الهاشمية ولّت الى غير رجعة. وهم لا يدركون ان جمهوريتنا لا يمكن قهرها طالما هي نابعة من إرادة الشعب وحده. وفي الواقع، فإن جميع الصعوبات التي نواجهها الآن مع الإمبرياليين بدأت منذ ذلك اليوم الذي اعلنا فيه مطالبتنا بحقوقنا المشروعة في الكويت. لكنكم انظروا إلى هذه الخارطة.. (وهنا عرض عليَّ كراساً بعنوان "الحقيقة حول الكويت" مرفقاً بخارطة للإمارة)، وتمعنوا جيداً في هذه البقعة الصغيرة بالأخضر في جنوب العراق... هذه هي الكويت، الجزء السليب من وطننا. وأخبرونا بربكم: أين هي العناصر التاريخية أو الأيديولوجية والاقتصادية التي تجعل من هذه الإمارة مملكة في هذه البقعة التي ليس فيها حتى ماء للشرب؟ »
* في هذه الحالة يا سيادة الرئيس، لماذا لم تقدموا على احتلال الكويت... حتى قبل أن يمتلك البريطانيون الوقت الكافي للتدخل؟
- لم أرد القيام بضربة مماثلة لضربة هتلر في تشيكوسلوفاكيا. فأنا لست فاشستياً. كما إنني لا أريد إعطاء أعدائي فرصة اتهامي بتوظيف القوة لاستعادة قطعة مسلوبة من أرض العراق.
* يقال يا فخامة الرئيس، أن السفير البريطاني في بغداد اقترح عليكم إجراء استفتاء في الكويت حول الموضوع، لكنكم رفضتم ذلك؟
- وماذا تتصورون أن أقولو لو أن مثل "صاحبة الجلالة" يقدم إلى الحكومة السعودية اقتراحاً يدعو إلى استفتاء حول عائدية مكة المكرمة؟ ففي هذه الحالة هناك من الهنود أكثر مما فيها من العرب. لكن هل يكفي هذا سبباً لإلحاق مكة بالهند؟ فلا ينبغي أن تتعجبوا من اقتراحكهم بالنسبة للكويت. فلقد سبقوه باستخدام أعداد كبيرة من النيوزلنديين والروديسيين والباكستانيين والإيرانيين لكي يقيموا فيها. كما قاموا بـ"شراء" العائلة المالكة، وعملوا من الكويت دولة مستقلة. لكن هذا ليس كافياً برغم ذلك. فلا يكفي وجود بئر نفط لتقوم دولة.
* هل هناك مؤامرات أخرى تهدد نظامكم؟
- هناك المؤامرة الاخطر. وهذه ليست موجهة ضد العراق ولا ضد سوريا إنما ضد فلسطين بشكل خاص. فهناك مؤشرات في الأجواء توحي بوجود مؤامرة لتصفية المشكلة الفلسطينية تقودها الولايات المتحدة الامريكية. وهم يدركون ان النجاح في تنفيذها يقتضي التخلص قبل اي شيء من الحكومات التقدمية المناهضة لاسرائيل. والامريكيون يتمتعون سلفاً بتواطؤ عدد من الدول العربية، ولم يبق عليهم سوى خنق سوريا والعراق. لذا فهم يخلقون لنا شتى الصعوبات داخل البلد بهدف اشغالنا بعيداً عن الاهتمام بالمشكلة الفلسطينية. وفيما يتعلق بسوريا، فانني اقولها علناً بأننا سنكون الى جانبها مع اول اشارة. فهم يسعون، كما في العراق، الى تلغيم البلاد من الداخل. إنني اعرف اسماء العناصر المخربة كافة، الا ان الامر لا يعود لي بصفتي رئيساً للحكومة إصدار الامر باعتقالهم انما اترك الاجهزة المسؤولة في الدولة كي تقوم بواجباتها الملقاة على عاتقها. أيضاً ان من المفيد ان نمنح لكل فرد منهم فرصة العودة الى رشده. فما اعتقده أحياناً مع نفسي هو انه لابد ان يأتي ذلك اليوم الذي سيعودون فيه الى جادة الصواب. انني افضل العفو عند المقدرة، لكن يجب عدم استغلال ذلك. وكما تعلمون فان عليّ منع عناصر التخريب من التقاط أنفاسها. وبرغم هذا كله لا تتوقف اذاعات وصحف بعض الدول العربية من اتهامي بالاختلال وحتى الجنون الحاد وبالدكتاتورية وبغيرها من الاتهامات.. لكننا لن نترك لهذه الاتهامات أن تستفزنا سيما نحن نعرف بأنها تصدر عن أدوات في خدمة الاستعمار. فهذا الأخير أوجد له بعض الوسائل يأمل عبرها ان يتسلل الى صفوفنا.
* سيادة الرئيس، مضت سنتان منذ وعدتم العراقيين بدستور دائم وبانتخابات وبمجلس تشريعي. أين وصلتم في إنجاز كل هذه المشاريع؟
- أتحدى ان يُذكر لي مثال واحد عن تعهد قطعته ولم التزم به. ففي يوم من الايام، وكان ذلك في 11 حزيران 1959 خلال مؤتمر الشبيبة الديمقراطية الذي انعقد في بغداد، قطعت وعداً ببناء «مدينة الثورة». آنئذ اعتبرني كثيرون مجرد حالم وطوباوي. لكن الجميع اليوم بإمكانهم الذهاب إلى هذه المدينة اللطيفة التي يعيش فيها ثلاثمئة وخمسون الفاً من السكان جميعهم من ذوي الدخل المحدود. وقريباً ستكون لها حدائق عامة وشوارع مبلطة ومسبح كبير. وفيها الآن عدد من المدارس ومستشفى ومستوصفات بنيت بالتزامن مع بناء المنازل. وهذا ليس كل شيء. هناك ايضاً سد دربندخان الاروائي الذي كلف الدولة 26 مليون دينار واترك الكلام عن الطرق والساحات والنصب والعمران والمصانع الحديثة والاصلاح الزراعي وغيرها. وكل هذا بهدف اشاعة الرفاه الاجتماعي. اننا لا نعادي الاغنياء ما داموا مستعدين لمعاونتنا في سعينا الهادف الى رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للفقراء. اما فيما يخص الدستور، فانني اتعهد الآن علناً بان لجنة من الخبراء ستشكل في نهاية شهر شباط 1963، لتكلف بإعداد مشروعي دستور دائم وقانون انتخابي جديد. وسنضع تحت تصرفها من اجل ذلك، نصوص عدد من الدساتير الأجنبية ومنها النصوص السويسرية والالمانية والفرنسية والمصرية والسورية... وفي كل الأحوال، انني اتعهد علناً أمام الشعب بان يكون عام 1963 هذا عام ولادة الجمعية الوطنية العراقية .
* * *

صار الوقت متأخراً حيث كانت عقارب الساعة تشير الى الثانية فجراً. إلا إن الزعيم قاسم بدا كمن يشعر بحاجة قوية للتكلم عن منجزات ثورته، وعنها تحدث طويلاً. انه يرفض تهمة الدكتاتورية التي توجه له ويشعر بسرور أن يرى من يستمع له وقد اقتنع بما يقوله. على أية حال، بإمكاننا ان نتصور ما نشاء عن هذا الرجل الذي اعلنت الصحافة الدولية والعربية مراراً طوال السنوات الأربع الماضية عن سقوطه الوشيك بينما هو عرف أن يصمد في موقعه. بيد ان الزعيم قاسم لم يعد ثورياً. فلقد وجدته واقعياً مؤمناً برسالته ويتمتع بطريقة تفكير راجحة واكثر تطوراً من تلك التي يتمتع بها كثير من زعماء الدول العربية سواء الذين ينظرون له نظرة حقد او نظرة شفقة. كانت الساعة قد بلغت الرابعة وخمساً وأربعين دقيقة من ذلك الفجر الذي بدأ يطل علينا. عندئذ وجدت ان الأوان قد آن كي انصرف. استأذنت الرجل، فمدّ لي يده مصافحاً وهو يقول: سلّم لي على عمال المطبعة في الجريدة».

المدى




Google