صوت العراق - Voice of Iraq - ثقافة الاصول وثقافة المدارس العابرة ! * بقلم: د. رضا العطار
ثقافة الاصول وثقافة المدارس العابرة ! *


بقلم: د. رضا العطار - 11-01-2017 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع


إن اردنا ان ندخل ـ بأمتنا ـ عصر تنوير حقيقي، علينا ان نفرق بين ثقافة الاصول الفاعلة وغيرها، فالعصور التي تضم مراحل تاريخنا الفكري والادبي تتعرض دوما لموجات من افكار ومدارس واتجاهات متتالية متباينة ومتناقضة، تسود مجتمعاتنا لحين من الدهر ثم يقل تأثيرها تدريجيا.
ففي فترة ظهرت (الواقعية الاجتماعية). وفي فترة تالية (الوجودية) وفي اخرى (السريالية). وهكذا حسبما تفيض به الثقافة الغربية من موجات نابعة من تياراتها وحاجاتها الذاتية.
وخلال صعود كل من هذه الموجات تشهد الساحة العربية فيضا زاخرا من الترجمات والدراسات والكتابات الفنية تصب كلها في بوتقة تلك المدرسة ـ الموجة ولا تتعداها.
ولعل جيلنا يتذكر كيف كان اسم مكسيم غوركي ذات يوم كلمة السر في اوساط الادب (التقدمي)، ثم جاء اسم سارتر والبير كامو في مرحلة اخرى ثم اسم (رامبو) في مرحلة سريالية تالية . . وهكذا.

وليس لدينا اعتراض على متابعة اوساطنا الادبية آخر تطورات الثقافة العالمية. ولكن ما يحدث عندنا هو ان ناشئتنا ـ لضحالة خلفيتهم الجامعية ـ ينكبون في كل مرحلة من هذه المراحل على ما تنتجه المطابع العربية من كتب حول هذه الموجة الثقافية او تلك . . فيخرج لنا جيل كل حصيلته مبادئ الفكرة الوجودية وادبها، وجيل آخر كل محصوله بعض نتائج المدرسة السيريالية، ولا علاقة له بالمعرفة الانسانية وواقع العالم إلا من خلال المنظار الوجودي او المنظار السيريالي وهلم جرا. . فإن واجهته مرحلة جديدة مختلفة أصيب بالحيرة والعجز واليأس.

ولان المطبعة العربية، بحكم مراعاتها لمستوى الجمهور العربي، تقدم من كل مدرسة وموجة الاسهل فالاسهل، فإن حصيلة اجيالنا، حتى من الوجودية او السريالية، ليس بالفكر الفلسفي العميق، بل النتاج العربي المبسط المبتسر.
ومن قرأ لسارتر من الشباب العربي فقد قرأ له رواياته وبعض مسرحياته، ولكن لم يقرأ له في الاغلب كتابه الفلسفي (الوجود والعدم) على سبيل المثال. . والامثلة على تلك كثيرة.
وبعد كل هذه المدارس التي مرت علينا وانشغلنا بها، من حقنا ان نسأل : ماذا افدنا منها في تطورنا الفكري الحضاري العام ، وماذا بقي منها وترسخ وتأصل في ادبنا وفكرنا العربي واصبح جزءا منا ومن ابداعنا العربي المعاصر الذي طال انتظاره، ولم تهل علينا انواره بعد.

ان اول مستلزمات عصور التنوير الرجوع الى (الاصول). اصول الثقافة الانسانية والحضارات العالمية التي لا تفقد قيمتها مع ذهلب هذه الموجة او تلك، والتي لا يستغني عنها في بلورة اية رؤية حضارية جديدة ، جادة ورصينة ثابتة وباقية لا تتعرض للاهتزاز والسقوط مع النكسات والنكبات.
والاصول هي الاصول رغم تقادم الزمن وتجدد المراحل، هي ابدا، هناك، حية متجددة، متحدية، شائقة، رغم ايغالها في القدم . . الاصول هي سقراط وافلاطون وارسطو بالنسبة للفلسفة الاغريقية.
والاصول هي الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدونبالنسبة للفلسفة الاسلامية.
والاصول هي ديكارت وكانط و هيجل ونيتشة بالنسبة للفلسفة الحديثة. والاصول هي المتنبي والمعري وشكسبير وطاغور بالنسبة للادب العالمي.
هذه هي اصول الادب والفكر والفلسفة على سبيل المثال لا الحصر.

فمن اراد ان يفهم وجودية سارتر على حقيقتها فإن اصولها ترقى الى نيتشة !
ومن اراد ان ان يفهم الصراع الإجتماعي لدى مكسيم غوركي وكارل ماركس، فإن الاصل يجده في المنبع . . في ديالكتيك هيجل.
هذا هو الفرق بين ثقافة (الموجات و (ثقافة الاصول) والمسألة ليست مجرد مسئلة تعمق في البحث و(تبحر) في الخلفيات الفكرية لجذور الاشياء . . كلا . . انها ليست ترفا أكادميا . . انها اكثر من ضرورة. هذه العودة التي تطالب بها الى (ثقافة الاصول) في وجه ثقافة الافكار السطحية التي لا تترك غير ركام من الكتب العقيمة على الرفوف المغبرة للمكتبة العربية.

هكذا اصبحت العودة الى الاصول اكثر من ملحًة على ضوء الازمة الحياتية والحضارية الخانقة التي تعانيها امتنا اليوم. لا بد من الخروج من متاهات المذهبيات الادبية والفكرية التجزيئية الضيقة الى رحابة الاصول والثقافات الانسانية التي اسست النهضات واقامت الحضارات.

* مقتبس بتصرف من كتاب تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها لمحمد جابر الانصاري.





أضف تعليق



19-01 ملامح مشرقة من عام 2016 عبدالزهرة الطالقاني
19-01 الشعب العراقي وفهم الديموقراطية سلام محمد العامري
19-01 ( القائد الرياضي الجديد ) كيف نريده .!. د . خالد القره غولي
19-01 مفوضية تزوير الانتخابات تشفط 630 مليون دولارا رشيد سلمان
19-01 بِكم اسودّتِ الأيام بعدَ ضِيائها عبد الخالق الفلاح
19-01 مشاعر بالإحباط والغضب الشعبي يتفجر في اعتصام ضد العنف في مدينة مالمو محمد الكوفي الحداد العبودي
19-01 قراءة نقدية لقصيدة للدكتور فرج ياسين د. باسل مولود الطائي
19-01 المالكي ترامب يؤكد ما قلناه إدارة أوباما دعمت داعش؟ نعيم الهاشمي الخفاجي
19-01 انقلاب اخر على الشرعية! جاسم الحلفي
19-01 لقطات عراقية ساخرة احسان جواد كاظم


صحيفة صوت العراق ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية بعيداً عن التشدد والطائفية, علماً ان تعليقات الزوار ستخضع للتدقيق قبل نشرها, كما نحيطكم علماً بأننا نمتلك كامل الصلاحية لحذف اي تعليق غير لائق.
Advertise on Sotaliraq.com? Click here for more information!

Copyright © 1998-2017 Sotaliraq.com - All rights reserved / جميـــع حقـوق الطبع والنشر محفوظة لصوت العراق
Home | News & Reports | Articles | Privacy Policy | Contact Us

Google