صوت العراق - Voice of Iraq - نهاية العقل ! بقلم: هاني الحطاب

نهاية العقل !


بقلم: هاني الحطاب - 20-04-2017 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
نريد في هذه المقالة أن نبين دور العفل في الحضارة وأستمرار وجودها وكيف أنه إذا حدت من قواه ونشاطه أن تتعرض الحضارة للانهيار كما حصل ذلك في كل الحضارات البشرية التي سنشير بشكل مؤجز لها كدليل على دور العقل في وجود الحضارة . فالعقل الإنساني ، كما بتنا نعرف يمرر في مراحل من التطور بنضجه ، فكثير من الأشياء بدت في حينها غير معقول ولا يمكن تصديقها ومستحيل التفكير بها، ولكن بعد فترة بدت عين العقل ولا يمكن مخالفتها ، فالعقل بكل فترة له حد معين من الخيال ، والقدرة على التعقل . فالأشياء التي تقع وراء هذا الحد ، تظهر للناس لا معقولة ولا يمكن قبولها ، ولكن ما تقترب منا أكثر وتضيق المسافة بينها وبيننا حتى ، يصبح ، حينئذ ، من الممكن التفكير فيها وتعقلها ، وثم لا يجد صعوبة في فهمها وقبولها . وهذا الحد من الخيال ليس شيء ثابت ، فهو يعتمد على الفترة التي يعيش الناس فيها ، فإذا كانت فترة ظلامية ومتحجرة ، فأن الناس يكون فيها خيالهم محدود وقتدرتهم على التعقل بسيطة بلكاد يَرَوْن ما تحت أقدامهم . غير أنه ، أي الخيال ، في الفترات الخصبة من تاريخ البشرية يكون مجنح ، ويرى ابعد من الأفق ، وما وراءه . ولعل المرحلة الأغريقية كانت من هذا النوع . فهي كانت خصبة ، وقدمت إسهامات مذهلة في كل المجالات ، ولولا تلك الحقبة لما وصل البشر لما هم فيه الآن . وتكررت هذه النوعية ، أو المعجزة من الخيال المجنح ، في أوربا في عهد النهضة ولحد بلوغ الرأسمالية طورها الحالي . فتلك ، النهضة أيقظت البشرية من نوم عميق .أم الفترة الرومانية والإسلامية فلم تتميزا في الخيال الخصب ، فهمًا ولد معصوب الأعين ، فالإسلام كان يُحد من خياله القرآن ، ولا يسمح له بذهاب أبعد من مداره ، والرمانية أيضاً كانت معصوبة الأعين في الولاء للأمبراطور ، والإمبراطورية ، والذي لعب نفس دور القرآن في الحد من خيالها ، لذك لم تنجب العظماء بحجم سقراط وأفلاطون وأرسطو ، وسوفوكليس وهيمروس وغيرهم وإنجبت المقلدين والمحاكين لهم كما هو الحال في الإسلام كذلك . أما من عصر النهضة وصاعداً فقد أغدقت أوربا بهم بلا حساب . ولو تسألنا عن السر في ذلك لصادفنا كم هائل من النظريات ، لعل أقدمهم وأكثرهم أقناع هي نظرية ابن خلدون عن السورة ، والحمية ، والجمرة التي تتوهج في روح أمة فتنداح موجتها في جميع الأرجاء وتفيض بكل النواحي . وبما لسنا بصدد تفسير نشؤ الحضارة أو ظاهرة الأبداع بحد ذاتها ، وإنما في صدد كيف يحدث الأنغلاق للعقلية المبدعة ، التي هي السر بتكوين الحضارة ، في فترة ما ، بعد أن كانت منفتحة وتقبل كل الحلول المبدع . فكيف تصل عقيلة ما لقص أجنحت خيالها المبدع . هذه الظاهر التي عانت منها كل الحضارت وقادتها في النهاية للموت والأندثار . فالحضارة الأغريقة مثلاً يقدم لنا أحد المفسرين المهتمين في تلك الحضارة كما يقدم له جورج الطرابيشي في كتاب العقل المستقيل هذه التعليل ؛ يقدم هذا الكاتب حسب ، ما يسرده علينا جورج سبب لهذا الأنهيار ، ويقول ، وبغض عن الأسباب التاريخية والأجتماعية ، علة أنهيار العقلانية اليونانية ، ونحن نستخدم مصطلح العقلانية ، كما يرى القأرئ هنا مرادفة للحضارة ، فكلما كان البلدة متقدم في استخدام العقل ، تكون حضارته متقدمة ، والعكس صحيح أيضاً . فهذا الباحث يعزو انتهى العقل اليوناني لكونه كان عقل نظري فقط ، وأستنزف كل قواه وطاقته في التنظير بدون أن يكبح من جماحه تجريب ، وبدون أن يختبر فروضه . فهذا العقل الكبير آل لندثار لكثرة ما نزفه من دماء مثل جسد جريح . فالعقل اليوناني كان عقل نظري خالصاً ، لا يبالي في التجريب والأختبار . ومن هنا ، أتى في نهاية المطاف على كل ما لديها والتهمت نفسه بنفسه وفقاً لهذا المختص . فهذه العقلية الجدلية عمدت في النهاية لتهديم ما شادته في فترة طويلة . وهذه الصورةالتي يرسمها لنا المفسر الذي هو أب المسيحي مختص بالحضارة الأغريقية ، للفول العقلانية اليونانية ، لا ترضي جورج الطرابيشي على وجاهتها ، لكونها في نظره أحادية ولا تقدم الصورة بشكل كامل . فهذا الأب ينسى أو يغفل دور المسيحية في هذا الفول أو الأنهيار ، لكونه أب مسيحي ، وأراد أن لا يحمل المسيحية سبب ذلك الأنهيار . غير أن جورج يلقي في اللوم على المسيحية في أفول هذا العقل . فالمسيحية حارب العقل والعقلانية اليونانية بشدة ومنعته من ممارسة دوره وحلت محله ، وأصبحت بعدة ذلك هي السائدة . ولم يبقى من العقل سوى بحدود ما يقبله منه الدين المسيحي ، أي بات العقل تابع للأيمان . فالدين والعقل لا يمكن أن يوجد جنب إلى جنب بدون أن يتنافس ويهيمن أحداهما على الآخر . فالدين لذلك له حد معين من المعقولية ، سرعان ما يفقدها ، ويبدأ دور للأمعقول فيه . وهذه هو أيضاً المصير التي تعرض له الإسلام ، فهو بعد أن أنداحت موجته في جميع الأرجاء ونتج حضارة رأقية ، شرعت في الضمور ، والأنحسار ، والأفول بعد حين ، لأن العقل الذي فيه استنفذ كل طاقته ، فأخذ يتأكل من الداخل وتتصلب كل العروق التي فيه ، فجفت الدماء التي تغذيه . تلك هي قصة فقدان الحضارات أو العقليات السابقة لوجدوهاوأختفاءها . كما يمكن أن نرى من مسار البشرية ، أضاف لعوامل تاريخية وأجتماعية ، بالطبع ، لسنا في صدد ذكرها ، ولكن يبقى السبب الرئيسي ، هو الحجر على العقل ومنعه من تأدية دوره . فلا يمكن لحضارة أن تقوم وستمر في الوجود إذا ما تعرض العقل لضمور أو الكبح أو جعل في خدم قوى آخر غريبة عنه . وهذه الحالة الآن نراها تمرر في الحضارة الغربية التي قام على العقل وطلاق كل قواه ، في بداية صعودها . والتي غيرت العالم والحياة من حولها ، وأصبح العالم كله يعيش في كنف تلك الحضارة وعقلانيتها ،، ولذا بات من المستحيل تخيل حضارة آخرى بديلة عنها ، لأنها غدت حضارة الإنسان في كل بقاع الأرض . ومن هنا تخيل موتها وأندثارها شيء لا يمكن للعقل أن يعقله . وعند مرحلة من حياتها فكر الكثير من الفلاسفة والمفكرين بتلك النهاية ، وخصوصاً وقت الأزمات ، وقالوا أنها بداية أفول الحضارة الغربية ، ولكن كل تلك التنبأت تلاشت وأستمرت في الوجود وزادة قوة ، لكون تلك الحضارة بات حضارة كل الجنس البشري . غير أن مع ذلك ، تبقى هناك أمكانية انتحار هذه الحضارة أو العقلانية وراد ، بل أن كثير من الدلائل والعلامات تشير لذلك . فمكانية استسلم العقلانية الأوربية للانتحار هو نقطة الضعف في تلك الحضارة . وهذا الأنتحار لا ينبع عن نظره سوداوية للحياة أو لمستقبل مظلم ، وأنما يأتي ، أن هذا التطور في عصر الرأسمالي قاد العقل ذاته للضمور والضعف وأصبح أي عمل متهور ممكن في ظل عصر القنابل الذرية . التي يمكن تقضي على الحضارة ، فقد أضحت الحياة ، تحت ظل هذه القنابل معلقة بشعرة واهية يمكن بنسفها أي عمل متهور . والسلوك لا متوقع للإنسان هو ما حذّر منه ، دستويفسكي ، فهذا ، للأمعقول الذي يكمن في داخل الإنسان ، أو نزعة الموت كما دعاها فرويد ، هي التي يمكن أن تقوض كل شيء في لحظة . فنحن لو نظراً ، مثلاً ، في عدد المجابهات التي حصلت بين روسيا وأمريكا وحلفاءها ، فتلك المجبهات تبدو للطرفين معقولة ، وطريقة لفرض النفس وسلطتها ، غير أنها في نهاية التحليل ، ومن وجهة نظر العقل الخالص ، هي الأنتحار الذي أشرنا له والذي يمكن أن يفاجئ العالم كله بقدومه ، والذي يبدو فعل غير مقصود ولا مفكر به بل قادت له تسلسل الأحداث ذاتها . فالمقصود بالأنتحار ، هنا ، هو أن العقل ، حينما يعاني ضمور ، ونحسار ، عن طريق سدد الروافد الحيوية التي تغذيه ، يصبح عقل مأقزم ، وضعيف ، وعصابي ، مثله مثل أي إنسان يتعرض للضغوط هائلة ، والذي قد يصدر عنه أي فعل متهور . وقلنا في عصر الرأسمالية تعرض العقل أو تحول لعقل تبريري وليس عقل خلاق كما في لحظة أنبثاقه ، وسدت عنه الكثير من المنافذ والشرايين التي تغذيه . فنحن في فترتنا ، فترة المجتمع الأستهلاكي ، وصلنا ، لمرحلة ، شطب واللغاء كل ما ليس سلعه استهلاكية . فقد إلغاء الشعر ، ولأدب ، وأصبحت الفلسفة مجرد للغو ، ولم يعد هناك من يهتم بالفنون ، ما عد تلك التي تثير الحواس ، والشهية . وقد كانت الفنون والأدب والفلسفة هي الروافد الثرية التي تصب في مصب العقل ، وتزوده بالقوة والحيوية ، بيد أن عقلنا المعاصر ما عاد يَصْب فيه سوى مخلفات السلع وفضلاتها . لذلك غدا عقل مأزوم ، عصبي ، معدوم الخيال ، سريع الأستثارة يمكن له أن يهدم معبده على الكل في أي لحظة غضب . فما عادة حضارتنا تملك الحصانه ، التي تمنعها عن الانتحار ، بل هي الآن في مهب الريح . لأننا ألغينا العقل وبقينا على الغريزة وأشباعها فقط . وهذا النتيجة هي التي حذرة منها أفلاطون منذ قرون حينما جعل من العقل القائدة لعربة الشهوة واللذة . فعقل الحضارة الغربية يقاد اليوم من قبل الغريزة ، وبلغ ذروته في عقل ترامب . عقل فارغ من كل. التراث الفكري لحضارة وتملئه أسماء المأجرين في عقاراته .

هاني الحطاب


أضف تعليق



26-04 إباحة قتل الاخر ! عمار جبار الكعبي
26-04 الشعبي يقطع رأس السلطان ثامر الحجامي
26-04 سطور في الفساد ... د.يوسف السعيدي
26-04 خطط الأردن لغزو سورية بأمر الولايات المتحدة أحمد صلاح
26-04 " ليش تتكلم يا بومة, دائمي ضد الحكومة ؟ " * احسان جواد كاظم
26-04 عمار الحكيم ، موقفا مغايرا للمألوف!! جواد كاظم ملكشاهي
26-04 تركيا والكرد.. فلم بأنتاج مجهول! محمد حسب العكيلي
26-04 الفرصة مؤاتية ان كانت نوايا اردوغان صادقة عماد علي
26-04 المنظمات الوهابية تساند آل سعود رشيد سلمان
26-04 الصمت الحكومي المذل .. تقف وراءها أجندات دولية ؟! علي الموسوي


صحيفة صوت العراق ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية بعيداً عن التشدد والطائفية, علماً ان تعليقات الزوار ستخضع للتدقيق قبل نشرها, كما نحيطكم علماً بأننا نمتلك كامل الصلاحية لحذف اي تعليق غير لائق.
Advertise on Sotaliraq.com? Click here for more information!

Copyright © 1998-2017 Sotaliraq.com - All rights reserved / جميـــع حقـوق الطبع والنشر محفوظة لصوت العراق
Home | News & Reports | Articles | Privacy Policy | Contact Us

Google