المقالات | اضغط هنا للمزيد



صوت العراق - Voice of Iraq - مقداد وأضغاث الحلم بقلم: حسين عبد الزّهرة مجيد
مقداد وأضغاث الحلم


بقلم: حسين عبد الزّهرة مجيد - 13-07-2012 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
يظهر علينا كل حين منظّرون جدد، يحلو لهم كتابة التاريخ على هواهم، ومن الباب الطائفي الضيق. وفي هذا فهم ليسوا نسّابين، ولا مؤرخين حقيقيين، بل مزورون، مشوهون للمشاعر الإنسانية النبيلة القائمة على الصدق. ولا غرو أن نرى اليوم رئيساً في أكبر دولة عربية يقول في أول يوم من تسلمه المنصب إن الخطر الحقيقي على الأمة هو الشيعة. لكن أحداً لم يلجمه، وها هو يسير اليوم إلى ملقي الفتن، لعله ينصره على الشيعة أولاً، وليذهب الأمن القومي إلى الجحيم، وكأن هذه تعطل التنمية الموهومة. وآخر ما وجدته في هذا الباب ما جاء به مقداد الحمداني في ذاكرته المصابة عن أبي الخصيب، والتي لا أدري لماذا ينسبها إلى أبيه، فيضع الرجلَ في دائرة الشك، فيقول إن هذه المدينة سنيّة بامتياز. ولأول مرة أرى من العراقيين من يجرؤ على تقسيم شعبه تقسيماً طائفياً، ولا ندري إن كانت لدى هذا إحصائية رسمية بذلك، لكننا قد نسأله على هوية من أورد من الأسماء، فهل الفراهيدي مثلاً سنيٌّ، أم السني بدر شاكر السياب؟ ثم يعود هذا ليقول بأن الخصيبيين خليجيون بامتياز- ويبدو أنه مغرم بالامتيازات، يطرحها يميناً وشمالاً. ونسأل هنا: ما الصحيح تاريخياً، هل الخصيبيون امتداد للخليجيين، أم الخليجيون امتداد تاريخي واجتماعي للعراقيين؟ لكن أنظروا إلى هذا التصريح الغريب. يقول إن الخصيبيين السنة ريفيون، بينما السنة في المناطق الوسطى والغربية والشمالية مدينيون، أو بدو. فهل رأيتم من قبل مثل هذا التقسيم الاجتماعي- الطائفي الجديد؟ قولوا لنا، ما الفرق بين أبي الخصيب والخالص، أو حديثة، أو عانة؟ هل تجدون فرقاً بشرياً أو ديموغرافياً واضحاًن ما عدا اللهجات؟ ومنذ متى دخلت العلوم الطائفية إلى كتبنا؟ سؤال نوجهه إلى السابقين واللاحقين، لا فرق. ثم يقول إن في الخصيبيين طيبة زائدة عن الحد الطبيعي، وبذلك لم يحصلوا من المناصب العليا ما حصل عليه أخوتهم العراقيون هناك. حسن، هل يروق لكم هذا الكلام غير المربوط؟ ما هو التفسير العلمي السوسيولوجي للطيبة، وهل توجد طيبة زائدة، وناقصة، وما هو المعدل العام للطيبة؟ لكن منذ متى كانت المناصب العليا في العراق رهناً على الطائفة؟ أوليست هي القبيلة أولاً، ومنذ أن قامت الحكومة العراقية الأولى؟ ثم يأتي هذا على ذكر أحداث طائفية معينة، فيقول إن بيت السلمان هم من السنة، لكن هذا خطأ، فالسلمانيون شأنهم شأن كل العائلات الخصيبية قسمان، سنة وشيعة. ثم يقول بأن انتهاك العرض عرف ثابت في الانتقام من السنة- ومعنى هذا إن المذكور آنفاً هو من دأب الشيعة، أليس كذلك؟ لكنه أمر وارد في مصراتة الليبية، كما هو في القاهرة الفاطمية، أو سربينيتسا، فهل من قام بذلك هم الشيعة، وما من شيعي هناك؟ هنا نسأل كاتب المقال، كما نسأل كل العراقيين، متى عرفتم أنكم شيعة، أم سنة؟ في تلك السنة التي خطب بها عارف في أهالي الناصرية قائلاً يا أهالي الناصرية، كونوا مثل أهالي الزبير؟ أم هي في تلك السنة التي أنجز فيها الأستاذ عفلق مشروعه التاريخي في الحرب على الجارة إيران أولاً، ثم الجارة الكويت ثانياً؟
يقول: بعد انتهاء الأحداث، وهذه ليست أحداثاً، ولا هي فتنة، أو غوغائية، بل هي انتفاضة شعب بكل طوائفه وأقلياته، وهي من أنبل الصفحات في تاريخ العراق الحديث، ولا يعرف حتى اليوم من أطلق شرارتها الأولى في ساحة سعد، سني هو، أم شيعي. وقد يعرف تماماً إن من سارع لإجهاضها في أيامها الأولى، ونجح، هم الجيران الأصدقاء من الشرق، والجيران الأشقاء من الغرب والجنوب، والأخوال الأمريكان من السماء. ثم يقول إن الكثير من أهلنا في الكويت. حسن، من هم أهلوك، وكيف؟ هل هم المظلومون البدون هناك، أم هم الإقطاعيون الكبار الذين لا تهمهم غير المصالح أولاً؟ ثم يختم كلامه بالقول إن الخصيبيين جبناءٌ، أضعف من النساء، وارجعوا إلى المقال.
لا نعتقد أن مثل هذه السفاسف تنطلي على العراقي الحر، لكن دعني أوضح للأخوة القراء شيئاً، وهو إن كل الحركات الفكرية المتطرفة في الإسلام ظهرت من هنا، من البصرة، بل ومن أبي الخصيب عينها. أنظروا إلى ثورة الزنج، أو الخوارج، أو المعتزلة، وغيرهم الكثير، وكلها دعوات إنسانية إلى العدل والحرية والعقل. هذا من ناحية التاريخ القديم أولاً، أما التاريخ الحديث فيخبرنا إن البصرة كلها مدينة يندر فيها النسابون، قامت على قوى المد والجزر اليومي. لكن ما أن جاءت الثورة البيضاء المظفرة حتى قامت الحكومة بردم كل الأنهار والقنوات والجداول والجعافر في البصرة، وعددها كما يقول صاحب التحفة النبهانية في كتابه يتجاوز ربع المليون نهر ونهير. تم الأمر بتخطيط مدبر مدروس، وهذا ما أدى إلى صعود المياه الجوفية على سطح المدينة، ففسدت، وغادر الإقطاعيون الكبار فرادا وجماعات، وبتخطيط مدبر مدروس أيضاً. تركوا الفلاحين أجراء في بساتينهم، بلا ضمانة ولا كفالة، فتفرق هؤلاء بين الناس، ثم جاءت القادسية المجيدة، فأصبحت أبو الخصيب بالذات ساحة معارك طاحنة. ذبحت الحرب كل نخيل أبي الخصيب التنومة والجزيرة، وصارت الفاو أكبر مقبرة جماعية في تاريخ الشعوب، أما ما تبقى من النخل البرحي النادر، فيطلب الأمراء من الجنود الصعود إلى قلب النخلة وقطع الجمار العزيز لسيداتهم هناك- ماذا نفعل والغواني يحببن الجمار؟ أوليس هذا ما حدث، أم نسينا؟
هذا باختصار شديد، لكن لا تصدق يا هذا إن الطائفية يمكن أن تثمر يوماً في العراق، ولا تظنن يوماً إن تشريحك الطائفي يمكن أن يجد صدى في أذهان العراقيين، وكل ما نرجوه أن تذهب بكلامك الطائفي هذا إلى ناحية أخرى غير أبي الخصيب، وغير العراق كله.





المقالات | اضغط هنا للمزيد

Privacy Policy