المقالات | اضغط هنا للمزيد

صوت العراق - Voice of Iraq - اللجنة الوطنية لمكافحة الأمراض السرطانية في العراق..مهمة وطنية كبيرة محفوفة بالفشل بقلم: أ.د. كاظم المقدادي
اللجنة الوطنية لمكافحة الأمراض السرطانية في العراق..مهمة وطنية كبيرة محفوفة بالفشل


بقلم: أ.د. كاظم المقدادي - 30-09-2012 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
لم يعد سراً إنتشار الأمراض السرطانية بشكل غير طبيعي، لا بل ومخيف، وسط العراقيين منذ عام 1993،أي عقب حرب الخليج الثانية عام 1991،التي إستخدمت خلالها وجربت لأول مرة في ميادين القتال "الحية" أسلحة جديدة مصنعة من النفايات النووية لعملية تخصيب اليورانيوم.وثمة مئات اََلاف العراقيين شهوداً أحياء على الأصابات والوفيات السرطانية، وعلى عدم إهتمام الجهات الحكومية المعنية بهذه المشكلة الخطيرة طيلة العقدين المنصرمين،وما أنفكت تفرض طوقاً من التكتم والتعتيم المريب ..
ويذكر أنه توجد في العراق العديد من المؤسسات،التي لها علاقة بمشكلة الأمراض السرطانية،الى جانب وزارة الصحة، مثل "مجلس السرطان في العراق" و"المركز العراقي لبحوث السرطان والوراثة الطبية"/ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي و"المركز الوطني للكشف المبكر عن الأورام" و"مركز الكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم" /كلية الطب / جامعة بغداد،و"معهد ومستشفى الأشعاع والطب الذري"/ وزارة الصحة و"وحدة البحوث السرطانية"/جامعة بغداد و"جمعية الاورام السريرية العراقية"، وغيرها .كان يفترض بها أن لا تسكت على ظاهرة إنتشار الأمراض السرطانية في العراق، وتضغط على وزارة الصحة وتلعب دورها في البحث عن الأسباب الرئيسية لأنتشار هذه الأمراض، بدراسات سريرية وتطبيقية، والأشتراك معاً في مسح ميداني شامل للأسر المصابة، ومتابعة حالات المرضى المصابين،الراقدين والمتوفين، وأخذ عينات وفحصها وتحليلها،ورصد المناطق السكنية للمرضى،خاصة التي تعرضت للقصف،إضافة للتأريخ المرضي للمريض ولأفراد عائلته،والمهنة والجنس والعمر، وما الى ذلك، لتحديد أسباب كل حالة، إسوة بباحثين سبقوها..لا أن يقتصر دورها غالباً على الجانب العلاجي للمرضى واجراء الفحوصات الطبية والمختبرية ذات العلاقة،ومن دون نتيجة تذكر.

للأسف، لليوم لا يوجد مسح ميداني شامل ولا بحث أو دراسة علمية واحدة قامت بها وزارة الصحة أو غيرها، ولا أي من الجهات المذكورة، لمعرفة الصلة بين إستخدام أسلحة اليورانيوم وإنتشار الأمراض السرطانية. وإن وجدت فهي مركونة على الرفوف وبقيت طي الكتمان. وذلك مرتبط بالموقف اللاأبالي للحكومة من هذه المشكلة الخطيرة، الذي إنتقدناه مراراً، وتجاهلها الصارخ حتى لنتائج الأبحاث العلمية الأجنبية المستقلة وتوصياتها، التي نشرت في مجلات علمية رصينة،أو قدمت في مؤتمرات دولية، وبعضها لعلماء وباحثين مختصين عراقيين أو بمشاركتهم.

الجديد، الذي تداولته وكالات الأنباء المحلية مؤخراً، بعد مطالبات كثيرة من علماء وباحثين وأطباء متخصصين،وبعد طول إنتظار غير مبرر،صدرت موافقة الامانة العامة لمجلس الوزراء على تشكيل "اللجنة الوطنية لمكافحة انتشار الامراض السرطانية"، التي تشكلت برئاسة وزارة البيئة وعضوية وزارتي الصحة وحقوق الانسان، اضافة الى ممثلين عن منظمات المجتمع المدني المختصة، وهدفها "الكشف عن اهم الاسباب التي أدت الى انتشار الامراض السرطانية وعلاقة ذلك باستخدام اليورانيوم المنضب اثناء القصف الامريكي على الاحياء السكنية في المحافظات الجنوبية والوسطى، ًواللجنة مكلفة بتحديد الطرق الطبية لمعالجة هذه الحالات والحد من انتشارها ومن ثم رفع تقاريرها الدورية عن أعمالها الى الامانة العامة لمجلس الوزراء"-وفقاً للمتحدث بإسم الحكومة علي الدباغ (وكالات، 14/8/2012).
من المؤاخذات على القرار الحكومي هو عدم ذكر العديد من الوزارات المعنية في عضوية اللجنة، وفي مقدمتها وزارة العلوم والتكنولوجيا، التي هي معنية بالمشكلة ويعول على مشاركتها كثيراً لما تمتلكه من كفاءات وخبرات ومصداقية علمية في تأكيد أو نفي وجود إشعاع ضار وفي مهمة التخلص منه، كأحد أهم مهماتها الراهنة..

والسؤال المطروح: هل ستنجح "اللجنة الوطنية لمكافحة الأمراض السرطانية" في القضاء على كارثة السرطان في العراق،أو على الأقل في الحد من إنتشار الألمرض الخبيثة والتخفيف من محنة ضحاياها ؟ وهل ستتجرأ وتعلن صلة التلوث باليورانيوم المنضب بإنتشار الأمراض السرطانية ؟

ان الخيرين والحريصين على حاضر ومستقبل الشعب العراقي يتمنون مخلصين ان تنجح هذه اللجنة ، وكل لجنة ومؤسسة ومنظمة، تهمها صحة وحياة العراقيين.. بيد إن إناطة رئاسة اللجنة الوطنية بوزارة البيئة، ومشاركة مركز الوقاية من الأشعاع التابع لها، بقيادته الحالية، في عضويتها، يجعل نجاح مهمتها موضع شك، ومحفوفة بالفشل، لأسباب كثيرة، ومنها ان وزارة البيئة ليست هي الجهة الرسمية المعنية أساساً بوبائية الأمراض السرطانية وتطوراتها السريرية. وعدا كونها حديثة التكوين، تشكلت عقب سقوط نظام صدام حسين، فهي تعاني من مشاكل كثيرة، ولا يوجد حتى إنسجام بين أفراد قيادتها وكوادر مؤسساتها. ولعل الأهم، موقفها غير المهني وغير المشرف من المشكلات البيئية الساخنة، فأثبتت بأنها ليست جدير بالثقة،ولا تستحق رئاسة اللجنة الوطنية المذكورة للأسباب التالية: كيف يمكن ان تترأس لجنة وطنية ينتظر منها النهوض بمهمة " الكشف عن اهم الاسباب التي أدت الى انتشار الامراض السرطانية وعلاقة ذلك باستخدام اليورانيوم المنضب" وهي لا تعترف أساساً بإنتشار الأمراض السرطانية وتعتبرها "لا تشكل"مشكلة ساخنة.أما موقفها من التلوث باليورانيوم المنضب فهو مخجل،إبتدأته ثاني وزير لها، مشكاة المؤمن،حين وقفت أمام المجلس الوطني العراقي نافية كذباً وبكل صلافة وجود "أي تلوث باليورانيوم المنضب في العراق".واصلته الوزيرة التالية، نرمين عثمان، بتخبط تصريحاتها، فمرة تعلن "وجود تلوث إشعاعي خطير"وطالبت في محفل دولي بمحاسبة المجرم الذي تسبب بتلويث العراق باليورانيوم المنضب،وأعلنت إرتفاع الأمراض السرطانية أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وبلغت أكثر من 140 ألف إصابة،وان الحكومة لم تول المشكلة ما تستحقه من إهتمام، ولذا لم يتم تنظيف جميع المواقع الملوثة، الخ.. عادت فتراجعت، معلنة ان "لا وجود لمستويات تلوث إشعاعي عالية"، وان معدلات السرطان "ليست أكثر" من الحدود الطبيعية .. الخ. ووجهت أتهامات باطلة لمن أثبت غير ما تقوله وزارتها، في وقت أشارت بحوث ودراسات عراقية وأجنبية الى حجم الكارثة البيئية التي تعاني منها مناطق العراق والتي بدأت تتعاظم بمخاطرها على حياة الإنسان. وكانت مديريات البيئة التابعة للوزارة في محافظات البصرة،ميسان،ذي قار، بابل، الأنبار، وغيرها، تعلن بإستمرار ولحد اليوم عن إكتشافها للمزيد من المصادر والمواقع الملوثة بالأشعاع. وحيال ذلك دعت رئيسة لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب د.لقاء اَل ياسين الى فتح ملف التلوث البيئي بسبب اليورانيوم المنضب، مؤكدة ان البلاد بحاجة ماسة للتطهير منه لانه يشكل خطراكبيرا على المواطن.وأعلنت بأن عدد الأصابات السرطانية بلغ نحو 700 ألف إصابة وان العدد يتزايد بإستمرار..ولم يعد سرأ ان من ورط الوزيرة عثمان بتناقض تصريحاتها هو مدير عام مركز الوقاية من الأشعاع ووكلاء الوزارة، الذين درجوا على التخبط والتأكيد مرة والنفي مرات عديدة، واَخر تصريحاتهم: " خلو موقعي عداية والريحانية في محافظة نينوى من اي تلوث اشعاعي"،في وقت أعلنت الجهات المسؤولة في محافظة نينوى عن مشروع لإزالة المواد الملوثة إشعاعياً في موقع عداية يتضمن ست مراحل، ستنفذه وزارة العلوم والتكنولوجيا بموافقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.وقبل ذلك أعلن المركز المذكور " خلو العراق تماماً من أي تلوث إشعاعي" وتبين فيما بعد وجود أكثر من 40 موقعاً عالية التلوث. والمفارقة ان المركز نسي أنه كان مشاركاً في الدراسة التي كشفت عنها

ان المهمة الملقاة على عاتق اللجنة الوطنية لمكافحة إنتشار السرطان في العراق مهمة وطنية وإنسانية كبيرة وملحة واَنية.وبقدر ما هي مهمة نبيلة، لكنها جسيمة وهي صعبة ومعقدة جداً. تستلزم عملاً جماعياً تشارك فيه كافة الوزارات والمؤسسات والمنظمات المعنية في البلاد.. لكن أناطة رئاستها بوزارة البيئة يعني ، بكل صراحة، الحكم على اللجنة بالفشل في تحقيق أي إنجاز،لأن الوزارة ستبذل ما بوسعها لتأكيد مواقفها الأرتجالية واللاعلمية المتواصلة والقائلة:"لا علاقة" للتلوث الأشعاعي لأستخدام أسلحة اليورانيوم بإنتشار الأمراض السرطانية في العراق، وان الخلفية الأشعاعية هي "ضمن الحدود الطبيعية"، وان الأمراض السرطانية "ليست مرتفعة" أكثر مما لدى الدول الأخرى.. وبالتالي.."لا مشكلة سرطانية" في العراق..وهذا ما يريده من لوث العراق بالأشعاع وسبب إنتشار الأمراض السرطانية الرهيبة، ويريده حلفاءه من المسؤولين المتنفذين، الذين منعوا،تنفيذاً لطلب حليفهم، كافة الباحثين والأطباء المختصين وطلبة الدراسات العليا من إجراء الدراسات ذات العلاقة بأسباب إنتشار الأمراض السرطانية وحتى التصريح لوسائل الأعلام بشأنها،مكررين ما كان يتبعه النظام السابق منذ عام 1991 وحتى سقوطه..

تداركأ للخطأ الحاصل، ندعو ان تكون تشكيلة اللجنة الوطنية هذه على غرار تشكيلة مجلس السرطان في العراق الواردة في التعديل الرابع لقانون المجلس رقم (63) لسنة 1985، التي أقرها مجلس النواب وصادق عليها رئيس الجمهورية في 1/8/2012.
--------
* أكاديمي عراقي مقيم في السويد




صحيفة صوت العراق ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية بعيداً عن التشدد والطائفية, علماً ان تعليقات الزوار ستخضع للتدقيق قبل نشرها, كما نحيطكم علماً بأننا نمتلك كامل الصلاحية لحذف اي تعليق غير لائق.

المقالات | اضغط هنا للمزيد

Privacy Policy