المقالات | اضغط هنا للمزيد

صوت العراق - Voice of Iraq - ما بين الإسلاميين والديمقراطية: طَفرة بحر! بقلم: رشيد الخيّون
ما بين الإسلاميين والديمقراطية: طَفرة بحر!


بقلم: رشيد الخيّون - 31-07-2013 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
الأمر لا يتعلق بتجربة «الإخوان المسلمين»، إنما بكل تجارب الإسلام السياسي مع الديمقراطية. يسرعون إلى ترجمة الشرعية الانتخابية بالشرعية الدينية، لأنهم بالأساس لا يؤمنون بها، لأنها وضعية غربية النَّجار. على سبيل المثال نجد حزب الدعوة الإسلامية، يضع في رأس الصفحة الرئيسية من موقعه الرسمي، عبارة محمد باقر الصدر (أُعدم 1980): «كلُّ وعي سياسي لا يمتد إلى الإسلام فهو سطحي، يدرس العالم من زاوية المادة البحتة التي تكون البشرية بالصراع والشقاء في مختلف أشكاله وألوانه» (موقع حزب الدعوة الإسلامية). وعندما تسأل: كيف يُنظر لتجربة عمرها 1434 عاماً أغرقت التاريخ بالدِّماء بسبب النزاع على الإمامة؟ ألم يكفِ هذا أن الدين لم يرسم دولة بعينها؟! يأتيك الجواب: لم يُطبق الدين في السياسة بشكل صحيح. ومتى سيُطبق؟!

لسنا بصدد مناقشة صحة أو عدم صحة العبارة، ودرجة الوعي السياسي الذي قيلت فيه، بقدر ما يعنينا منها عدم الاعتراف بالآخر، واعتبار السياسة قضية إلهية، وتجد أكثر من هذا الكلام لدى الجماعات والأحزاب الإسلامية الأخرى. مع أن مفهوم الوعي الإسلامي السياسي يُحدده المذهب أيضاً، ومعلوم ما بين السنّة والشيعة، والفروع منهما، من خلاف بدايته عميقة وهي قضية الإمامة. تلك التي قال فيها إخوان الصَّفا (القرن الرابع الهجري): «كثر فيها القيل والقال، وبدت بين الخائضين العداوات والبغضاء، وجرت بين طالبيها الحروب والقتال، وأبيحت بسببها الأموال والدِّماء...» (الرسالة 1 القسم 4). ولأن إخوان الصَّفا لم يعجبوا الفقهاء ولا الإسلام السياسي عموماً، نجد الاستشهاد يُحال إلى أبي الفتح الشهرستاني (ت 548 هـ): «إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية، مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان» (الملل والنِّحل). بينما إخوان الصفا سبقوا الشَّهرستاني، في تعليل هذه الظاهرة، بنحو مئتي عام.











إن الديمقراطية، وهي فكر سطحي حسب العبارة المتمثل بها حزب الدعوة، وضعت بيده رئاسة الوزراء وقيادة القوات كافة، وليس هناك من ينافسه في إدارة مجلس الوزراء، وبيده صرف المال الوفير، وإدارة محافظة بغداد، وكانت له حصة الأسد في إدارة المحافظات. فهل تلكؤ هذا الحزب وتدهوره السلوكي ناتج عن تلك الفكرة السطحية، أم بسبب أخلاق الرجال والوعي المرتهن؟ فماذا أنجز خلال السنوات التسع التي يتولى فيها المهام الجسيمة؟

لقد تفاخر أمين الدَّعوة نوري المالكي بانتصارات الإسلاميين، وصرّح بأنه هزم العلمانيين والملحدين والحداثويين، قال هذا وهو رئيس وزراء العراق لا الإسلاميين والدعوة فقط. أقول: لأن لسان الإسلاميين واحد، بعد مفاخرة المالكي ولا نعلم بما يُفاخر؟ ظهر المشايخ في حضرة مرسي، وهو رئيس مصر، يناشدونه القضاء على الخونة والمنحرفين، ومَن هم هؤلاء غير الرافعين لراية الدين دعاية انتخابية؟!

نعم هناك مشكلة بين الإسلاميين والديمقراطية، في حال إصرارهم على أسلمة السياسة بالاتكاء على النصوص الدينية، كمشكلة الأحزاب العقائدية الأُخرى عند ممارسة الديمقراطية والعقيدة معاً. لكن الأحزاب الماركسية الحاكمة سابقاً بالنار والحديد تخلت عن مبدأ ديكتاتورية العمال والحزب الواحد بقوة العمال أنفسهم، وأخذت تمارس السياسة ببلدان أوروبا الشرقية بأفقها الليبرالي، وعندما عادت إلى السلطة، عبر الانتخابات، لم تتبن عنواناً مِن عناوينها العقائدية السَّابقة. هذا التغيير إذا لم يمارسه الإسلام السياسي يصبح عائقاً أمام الديمقراطية، وستعاد تجربة هتلر (انتحر 1945)، وموسوليني (أُعدم 1945)، عندما ركبا الديمقراطية لممارسة الديكتاتورية، وبدل القبعات تكون العمائم.

في موقع حزب الدعوة أيضاً تجد الآية: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (يوسف: 108). على أن الحزب تأسس بالدعوة إلى الله. معلوم أن المخاطب بهذه الآية هو النَّبي لا الحزب، لكن أن تصبح شعاراً لحزب سياسي، في زمن السلطة والتوجه الديمقراطي، فيه شيء من الاستغفال، والنظر إلى أن سبيل الدعوة إلى الله مناطة بالحزب وفيها اقتراب من الاعتقاد بجاهلية المجتمع (سيد قطب)! وهي لا تختلف عن اتخاذ «الإخوان المسلمين» للآية شعاراً «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» (الأنفال: 60). هذا يحتكر الدَّعوة إلى الله داخل مجتمع مسلم، وأولئك يُرهبون باسمه.

ليس خافياً أن الإسلاميين، على العموم، صرحاء في موقفهم السلبي مِن الديمقراطية، سواء أكان بالدعوة الظاهرة (حزب التحرير) أو المبطنة (الإخوان المسلمون وولاية الفقيه)، فمازال هناك ولي ومرشد يتحكمان بالعمل السياسي، ولا يعبر ذلك عن الديمقراطية، فهل سمحت إيران لغير إسلامي بالترشح للانتخابات؟

يقول الخميني (ت 1989): «إذا وضعتم الديمقراطية بجانبه فيعني أن الإسلام ليس ديمقراطياً. مع أن الإسلام أسمى ديمقراطية من كل الديمقراطيات، ولهذا السبب فإن شعبنا لم يقبل بها أيضاً، والمفكرون كانوا جادين في إزالة كلمة الإسلام، وعرفنا أنهم تضرروا من الإسلام» (من أقوال الإمام الخميني). وبهذه العبارة حذف الخميني رجال التكنوقراط والأوفياء للثورة ضد نظام الشاه.

إن الحديث عن ديمقراطية إسلامية، حسب مقولة الخميني، أو ما يوازيها، هو نوع من التغابي، فهل من الديمقراطية الإسلامية أن تُحكم الدولة بالمادة الآتية: «في زمن غيبة الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه، تعتبر ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل...» (دستور الجمهورية الإسلامية)؟ أقول: مَن يُقرر ذلك، وهل فكرة الإمام المهدي المنتظر (قيل غاب 260 هـ) عالمية أم هي محصورة في طائفة معينة؟ أليس هذا تصغيرا للإسلام أن يحكم الناس برجل يضع نفسه ممثلا للإمام والإمام ممثلا لله، مع أن الفقهاء أنفسهم غير متفقين عليه؟

لهذا يحاول الإسلاميون الإسراع في بناء مؤسساتهم، التي تضمن وجودهم كسلطة، بمال السُّلطة وقوتها، وإن أتاح الظرف في إيران تشكيل الجيش الثوري ومؤسسات ولاية الفقيه، وأتاحت الظروف لحزب الدعوة الإسلامية تشكيل القوات المسلحة على حسبة الميليشيات، من مهامها ردع المتظاهرين قبل الإرهابيين، فإن الحالة المصرية اختلفت تماماً، فالظرف هناك لم يخدم «الإخوان المسلمين»، فتسرعوا بأخونة وأسلمة الدولة، ولو تمثلوا بـالمثل: «إمشي شّهَرْ ولَا تُطْفُرْ نَهَرْ» (التكريتي، الأمثال البغدادية المقارنة)، لربَّما نجحوا، لكنهم طفروا النهر فصار ما صار. مع أن ما يمنع بينهم وبين الديمقراطية ليس نهراً بل قل بحراً! أقول: هل لمخلوق أن يدعي طفر البحار؟
الاتحاد الاماراتية




صحيفة صوت العراق ترحب بتعليقات القراء، وترجو من المشاركين التحلي بالموضوعية بعيداً عن التشدد والطائفية, علماً ان تعليقات الزوار ستخضع للتدقيق قبل نشرها, كما نحيطكم علماً بأننا نمتلك كامل الصلاحية لحذف اي تعليق غير لائق.

المقالات | اضغط هنا للمزيد

Privacy Policy