قتيل الزمان السَهَرْعندي

(صوت العراق) - 04-07-2013 | www.sotaliraq.com

عدنان الظاهر

مقامة 14
ثانيةً مع الحلاّج
لا تجتمع نهايةٌ وبداية
( للحسين بن منصور الحلاّج ) *
أخطأتَ يا ابن منصور يا حلاّج . أخطأتَ لأنك تجهل مبادئ الهندسة فلِمَ ورّطتَ نفسك كما سبق لك وأنْ ورّطتها في فلسفة لم تفهمها جيداً ولم تتعمقْ فيها وعجزتَ عن الغوص في بحورها العميقة . خبرتك ومعلوماتك في التصوّف ضحلةٌ قصرّتَ فيها عمّن سبق ومن لحق من مجتهدي وفلاسفة الصوفية . لذا إتهمك سلاطين بغداد وخصومك بالشعوذة والجنون بل زادوا فدبروا لك مؤامرةَ التحرش بصبيّة . ما الذي منعك من البقاء في مسقط رأسك مدينة تستر في بلاد فارس ؟ قال بعصب بارد : منعني من ذلك ما منع الحسين بن علي من البقاء في المدينة ! لكنَّ الحُسينَ جاء العراق بطلب من زعماء عشائر الكوفة مع الوعد بمبايعته خليفةً على المسلمين . أما أنت يا حلاّجُ فمن دعاك لدخول بغداد ومن وعدك بتنصيبك إماماً للمسلمين ؟ قال : خانه الذين دعوه ووعدوه أما أنا فأتيتُ بغدادَ بمحض مشيئتي وفي صدري ثورة عظمى لإنقاذ الإسلام والمسلمين سلمياً دون الحاجة لرفع السلاح أو عصيان السلاطين . سلاحي ما في رأسي من عقائد وما في صدري من وجد وتعلق بخالقي وبارئ نفسي . إذا اتحد البشر بالله وحلوا فيه وحلَّ فيهم نجت من آثامها البشريةُ ونالوا الفردوس الأعظم . هذه فلسفتي وأنا كما تعلم رجلٌ مسلم بفطرتي وتربيتي وثقافتي أسير على نهج محمد وأستهدي بأنواره حسب تصوراتي ودراستي المتأنية لشخصيته إنساناً قبل أنْ يكونَ نبياً ورسولا . لكنْ يا إبن منصور أنت كذلك خانك أتباعك وبعض أصدقائك الأقربين فما تقولُ ؟ نعم ، قد خانني البعض ممن ذكرتَ تحت طائلة الخوف من القتل والإغراء بقوة الذهب . التعلق بالحياة في صميم الغرائز البشرية أما الذهب والمال فلقد قال القرآنُ فيها ما قال [ المالُ والبنونُ زينةُ الحياةِ الدنيا ] . أردتُ مشاكسة هذا الشيخ المنقطع للزهد والعبادة حسب طرائقه واجتهاداته الخاصة فقلت له إدعيتَ قبل قليل أنك جئتَ بغداد زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله ( 282 ـ 320 هجرية ) أنك صاحب ثورة إصلاحية جذرية ولكن تقومُ بها مستخدماً وسائل سلمية دون إراقة دماء وتحريض على الفتنة والتمرد وحمل السلاح . قال هذا الكلام صحيح . لكنكَ يا حلاّجُ ويا حُسين بن منصور أنت ، نعم أنت مَن قال [ ركعتان في العشق لا يصحُّ وضؤوهما إلا بالدم ] فهل رأيتَ في حياتك مسلماَ يتوضأُ بالدم ؟ أليس في هذا الأمر عصيانٌ وتمرّد وبدعة ممقوتة وخروج على الشريعة وتحريض على الثورة وسفك الدماء بحمل السلاح بوجه خليفة المسلمين ؟ قال قد أخطأتَ قصدك يا صديقي . أخطأتَ في إجتهادك وفي فهمك لما عنيتُ من قولي هذا . أخطأتَ بسبب جهلك لمبادئ الصوفية وعلم التصوف . وأخطاتَ أكثر لأنك لم تخالط أهل هذا العلم ولم تحاورهم ولم تجادلهم في علمهم الذي تجهلُ. كنت أتكلم عن العشق ، عشق الخالق الذي فطر السماواتِ والأرض ، وما العشق في هذا الباب إلا وسيلة الدنوّ منه والتقرّب إليه ثم محاولة الحلول فيه ففي الحلول المطلق فيه خلاصُ البشر وتطهرهم من ذنوبهم وخطاياهم والتبرؤ من اللعنة التي حلت بأبيهم آدمَ المعروفة . قلتُ ممتعظاً لكأنك يا ابن منصور تتكلم في هذا المقام بلسان عيسى إبن مريم الذي قال ما معناه إنَّ في دمه خلاص البشرية من الإثم القديم ، أي إنه يُضحي بجسده قرباناً وثمناً لخطيئة لم يقترفها البشر على سطح الكرة الأرضية ، إنما قارفها آدمُ في الزمان القديم هناك في الأعالي ، في جنات الخلود التي حُرِّمتْ عليه إلى يوم الدين . أنت تعشق عشقاً صوفياً غير مسبوق لتتخلّصَ من آثامك وخطايا غيرك من البشر بأمل الذوبان نهائياً في الذات الربانية أي أنك رجلٌ إنتهازي أنانيٌّ لا يهمك إلا أمرُ الخلاص بنفسك بالتخلص منها ومما فيها حلولاً أبدياً في ذات ربّك وخالقك . أي إنك رجلٌ جبان مهزومٌ عاجزٌ عن مواجهة نفسك وأعجز في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلك الحياتية الدنيوية ، أي أنك عاجزٌ عن التكيّف مع ما ومن حولك فما رأيُ شيخنا الجليل فيما قلتُ ؟ قال قد شططتَ بعيداً يا هذا . أنا في وادٍ وأنت تغرّدُ في وديانَ أُخَرَ غريبة عني وعن فكري وطبيعتي وفلسفتي . لو أعدتَ قراءةَ قولي موضوع خلافنا وحاولتَ فهم ما في ظاهره وما خلف ظاهره لأعجبكَ قولي ولما زدتني إلا إكباراً . [[ ركعتان في العشق لا يصحُّ وضؤوهما إلا بالدم ]] . إنما كنتُ أركع في صلواتي لله عاشقاً وأعشقه مصليّاً راكعاً ، وكنتُ في ذلك أتنبأ أنَّ نظام الخلافة وبطانة الخليفة والمنتفعين منهما من السماسرة والمضاربين بأقوات الناس وكبار تجار بغداد سوف يحللون دمي فدمي هو أُضحية عشقي لربي ومحاولتي الحلول فيه . لا بدَّ لذلك من ثمن باهض ودمي المسفوك هو هذا الثمن . ليس في الأمر دعوة للعصيان والثورة وإراقة دماء عباد الله ، حاشا ذلك وأنا رجلٌ مسلمٌ أي مسالمٌ والإسلامُ كما أفهمه دينُ رحمة وعدلٍ ومساواة بين البشر في الحقوق والحظوظ . هل فهمتَ فلسفتي في قولي الذي استفزّك وأخرجك من طورك ؟ تقريباً ! أجبتُ . إفترقنا على أنْ نلتقي ذات مساء على سطح داره في جانب الكرخ من بغداد بعد صلاة العشاء . في طريقي إلى بيتي في حي المنصور من كرخ بغدادَ رحتُ أقارن بين فلسفة وتفسيرات ومواقف هذا الرجل حول التضحية والفداء من أجل العدالة والمساواة وإحقاق حقوق الرعية وبين شجاعة كوكبة المناضلين السياسيين المعاصرين الذين تسلقوا أعوادَ المشانق وقتلوا في السجون أو أُغتيلوا في الشوراع والطرقات أو عبثَ الحكامُ الفاشيست بأجسادهم وشوهوها وعطلوا بعض أعضائهم تحت التعذيب الوحشي . فالحلاج هو الصورة المثالية المقلوبة لهذه الكوكبة من شجعان البشر ، إنه رمزٌ لمثالية الفيلسوف الألماني هيكل السماوية ، أما الآخرون فإنهم يمثلون واقعية كارل ماركس المادية الأرضية . إنه مع رب في السماء لا يلدُ ولم يولدْ ، لا ينامُ ولا يأكلُ طعاماً ... أما أولئك فإنهم مع إنسان من لحم ودمٍ وعظمٍ يمشي على الأرض يتنفس وينامُ ويأكلُ الطعام ثم يتناسل فيتكاثر أي يلدُ وقد كان مولوداً لأبوين . حريٌّ بنا أنْ نفهمه في أُطُر زمانه وحسبَ ظروف ومقتضيات ذاك الزمان لا أنْ نفلسفه وفق تعقيدات وتطورات زماننا . لقد سبقه رجالٌ من الصحابة تعلم منهم الزهد في الحياة والشجاعة في قول الحق والتعبير عمّا يعتقدون والجرأة في مواجهة السلاطين المنحرفين والمتعسفين والظَلَمة من بين خلفاء المسلمين ، فله فيهم أُسوة وله منهم مثال وبسبب شجاعته وجرأته في التعبيرعن قناعاته وإجتهاداته الدينية وتفسيراته لبعض آيات القرآن وأحكام الشريعة أُتُهِمَ بالشعوذة أو الشعبذة ولا عجب فلقد أُتهمَ بعضُ الأنبياءِ قبله بالكهانة والسحر وقول الشعر والجنون (**) وهذا شأنُ كل من خرج على قومه بفكرة جديدة أو عقيدةٍ أو دين جديد . لم أنمْ تلك الليلة لا بسبب إنشغال فكري بقضايا الحلاّج وتفسير بعض شعره حسبُ ، إنما لشدة حرارة جو بغداد إذْ كان التيارُ الكهربائي ـ كما تعوّدنا ـ مقطوعاً. حرارة الجو العالية تُبخّرُ ما في رأس الإنسان من أفكار حتى ليغدو هذا الرأس كأنه وعاءٌ معدني لغليّ ماء الشاي. حاولتُ ، رغم شعوري بالعجز ومصيبتي مع الحر والكهرباء ، أنْ أستعيدَ ما كان في ذاكرتي من أشعار إبن منصور لتفسيرها تفسيرات عصرية بعيداً عن معتقدات الرجل صاحبها فعجزتُ . قلتُ بل الأفضل أنْ أناقشها معه لأستجلي مكنونات هذا المتصوّف الزاهد العابد الورع . ما أنْ بزغَ الفجر حتى كنتُ مستعداً لمنازلة الحلاّج ومحاججته في فكره وفي شعره فبعض الرجال المتصوفة لا نجدهم إلا في أشعارهم المعروفة والحلاجُ من هذا الصنف .
طرقتُ باب الرجل في الوقت المحدد حسب الإتفاق بعد صلاة العشاء فقادني كما كنتُ أتوقع إلى سطح داره إذْ ليس في بيت الرجل الكثير التواضع تيارٌ كهربائي لأنه يعتقد أنْ ضياء مصابيحه يُدنّسُ طبيعة وقدسية نور الإله الشعشعاني ، فهذا نور على نور يُضيء كالشمس دون وقود ودون أنْ تمسسه نارٌ كما كان يعتقدُ . لذا لا مروحة سقفية أو منضدية في بيته المتهاوي ولا مكيفات هواء عدا مراوح خوص النخيل المتهرئة الأطراف والمقابض . لا تحلو المحاورات مع الحلاّج إلا في الظلام سوى ضوء القمر الصيفي وبريق النجوم الشديد الخفوت . طرح تحتي بساطاً ملوَّناً مزرّكشاً من بُسُط الأهواز ثم إضطجع على حصيرة من القصب عارية . كان ذاهلاً منصرفاً عني يتطلع في نجوم سماء الصيف الصافية . إحترتُ كيف أصرفه عن ذهوله لينصرفَ لي بدل إستغراقه في النجوم . كنتُ أعرفُ أنه على علم بالنجوم ومنازلها وحركاتها وابراجها والسيمياء وبعض الطب فقلتُ لعله غارق في تتبع مسار نجمةٍ أو كوكب سيار . ولما شعرتُ بمللٍ مُمضٍّ شرعتُ أقرأ بصوت عالٍ بعض ما حفظتُ من شعره الصوفي عسى أن يسمعني فيفيقَ مما هو فيه من خواطر فلكية .
أنا الحقُّ والحقُّ للحقِّ حقُّ
لابسٌ ذاتَهُ ، فما ثَمَّ فرقُ ؟
لم ينتبهْ . أعدتُ قراءةَ هذا البيت بصوتٍ أعلى قليلاً . ظلَّ سادراً مع نجومه . رفعتُ نبرةَ صوتي أعلى فأعلى فتبسّمَ الحلاّجُ وأشرق وجهه بنور خفي التعبير . سألني بجدٍّ : ماذا قلتَ يا ضيفي ؟ أعدتُ عليه قراءة البيت فقطّب ما بين حاجبيه مفتعلاً التعجب . إنتظرته لكي يُعلِّق لكنه لم يفعل . لذا وجدتُ نفسيَ مُضطراً أنْ أساله : ألستَ أنت قائل هذا الشعر ؟ أجاب نعم ، وما فيه ، سألني ؟ لم أجدْ فيه شيئاً من الشعر أو المنطق وإنه خالٍ من إيحاءات الشعر الحقيقي ، اي إنه اقرب لسخيف القول ... مجرد سفسطة أو لعبة تصفيف كلمات لا أكثر . لم ينزعجْ الرجل وظلَّ متماسكاً ثابت القلب كثير الصبر فكَبُر في عيني . أردتُ تحريكه فقلت ألا ترى هذا البيت في التحليل النهائي غيرَ مُختَلفٍ عما قلتَ في بيتك الآخر:
أنا من يهوى ومن يهوى أنا
نحنُ روحانِ حللنا بدنا
قال نعم ولا . فيهما مشابه وفيهما وجوه إختلاف لكنَّ أوجه الشَبَه أكثر من أوجه الإختلاف . خلاصة البيتين من معنى هي أني والله متحدان إثنان في واحد وواحد في إثنين . أنا حقٌّ والله كذلك حقٌّ أي [[ أنا الحقُّ والحقُّ للحقِّ حقُّ ]] فهل فهمتَ المعادلة المركّبة من طرفين لا ينفصلان ؟ قلتُ قد فهمتها حسب شرحك ومنطقك ولكن لي منطقي المغاير وتفسيري الذي لا يٌقنعك . قال ماذا تقصد ؟ أقصد أنك تحاول الإتحاد بشئ لا وجودَ له وتتصور أنك بالفعل قد إندمجتَ به فحلَّ فيك فغدوتما شيئاً واحداً غيرَ قابلٍ للإنفصام . إني أجدها ضرباً من الهلوسة يا شيخ وإضاعة للوقت وضحك على ذقون العباد . إنك تعاني من أزمات نفسية سببها ضيقك الشديد من ثقل وطأة الزمن الذي تراه يمرُّ بطيئاً فلا تصبر على مروره بعمرك فتتعجل نهايتك خلاصاً من عذاب محنتك بالزمن ومعه . أوَلمْ تقلْ ذات يوم [[ أيها الناسُ ، إعلموا أنَّ اللهَ تعالى أباحَ لكم دمي فاقتلوني ... أقتلوني تؤجروا وأسترح ]] . أنتَ بَرِمٌ بالحياة ولا تعرف كيف تُصرِّفها ولا كيف تُمضّي أيامك ، دائم القلق دائم الترحال والسفر . وقد أعربتَ أنت عن ذلك ببيانٍ تام الوضوح حين أضفتَ بيتاً من شعرك { البيت الثالث } لبضعة أبياتٍ من شعر أبي العتاهية :
طلبتُ المستقَّرَ بكلِ أرضٍ
فلم أرَ لي بأرضٍ مُستَقرا
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني
ولو أني قنعتُ لكنتُ حُرّا
{ فنلتُ من الزمانِ ونالَ منّي }
{ وكانَ منالُهُ حلواً ومُرّا }

قال واللهِ قد فعلتُ . إنما فعلتُ ذلك إذْ وجدتُ نفسي مُعجباً بقول أبي العتاهية حتى لقد خلته مثلي متصوفاً . أردتُ مداعبته ـ وقد أثقلتُ أو ثقّلتُ عليه ـ فسألته هل يودُ سماع ما قال الشاعر أبو الطيّب المتنبي في موضوعة الترحال والأسفار وقد كان الرجلُ كذلك دائم القلق لا يستطيع الإقامة طويلاً في أرض واحدة . إنبسط وأشار برأسه أنْ نعم ، وأضاف بل وأحب . قرأتُ :
فما حاولتُ في أرضٍ مُقاماً
ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا
على قَلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي
أوجهها جَنوباً أو شَمالا
هزَّ رأسهُ ومسّدَ شعر لحيته الخفيف ثم تنهّدَ قائلاً : لكأني أرى هذا الشاعر واحداً منا أو إنه جزءٌ مني . علّقتُ قائلاً : الزمن ، محنة الزمن فيكما توحّدكما وتربطكما بأقوى الروابط . محنة الوجود فيكم أو تمحّنكم بهذا الوجود يا شيخنا . أضفتُ : ما كان الرجلُ متصوفاً لكنه كان قرمطي الهوى والنزعات ... وأنت كذلك متهم بالتواطؤ مع القرامطة وقبلهم مع الزنج وثورتهم في البصرة وقد كنتَ أنتَ شاهد عيانها . أطرق مُغمضَ العينين ولم يجبْ .
تهيأ لي أنَّ صاحبي قد دخل فيما يشبه الغيبوبة إذْ إنبطح على ظهره وتدثرَ بجبته الرثة فقلت سأترك الرجل لينام دون وداع . قلتُ بصوتٍ عالٍ : موعدنا غداً تماماً كما كان موعد اليوم ومضيتُ وسط الظلام الدامس أتلمّس سلّمَ بيته الحجري المتداعي خوفاً من السقوط .
كانت مادة اللقاء الثالث جاهزة في رأسي وكنتُ قد أعددتُ نفسي جيداً لمقارعة الرجل ومحاججته فلقد كان ـ ولم يزل ـ قراري أنْ أكشف الرجلَ أمام نفسه وأمام التأريخ وأنْ أُعرّيه مما أحاط نفسه به من أوهام وغلالات وضباب وأدخنة بخور وغير البخور حقيقية وأدخنة أخرى غير حقيقية . إنه رجل ضعيفٌ وربما كان متأثراً بما قرأ عن عيسى المسيح فاتخذَ منه مَثلاً يقتفيه سواء في معنى التضحية والفداء أو في إشفاء المرضى وإتيان الخوارق مما أُشيع في حينه عن الحلاّج .
ما حاجتي لطرق باب بيت الحلاّج ؟ كانت باب داره مُشرعةً على الدوام فلا من قفل فيها ولا مفتاح أو مزلاج تدخله اللصوص وقطّاع الطرق متى شاؤوا كما تفعل القططُ والسائبُ من كلاب الطُرُقات . مع ذلك طرقتُ الباب طرقاتٍ خفيفةً وحثثتُ خطايَ نحو سطح الدار فقد كان الرجلُ في إنتظاري . حاول القيامَ لإستقبالي فرجوته أن لا يفعل . عاد إلى حصيرته في مقابلتي ودعاني للكلام فيما شئتُ . قلتَ يا ابن منصورٍ يوماً :
للناسِ حَجٌ ولي حجٌ إلى سَكني
تُهدي الأضاحي وأُهدي مهجتي ودمي

قال أجلْ واللهِ قد قلتُ . ألا ترى يا ابنَ منصور أنكَ في قولك [[ وأُهدي مهجتي ودمي ]] قد تشبّهتَ بالمسيح فهل قرأتَ الإنجيل وهل تقمصتَ شخصية عيسى أو تعتقد أنه قد حلَّ فيك وحللتَ فيه خاصةً وإنه (( إبن الله )) حسب عقيدة بعض طوائف المسيحيين (( الأبُ والإبنُ وروح القدس )) ؟ فكّرَ الحلاّجُ طويلاً ، إعتدلَ في جلسته وإنه قلّما يعتدل إذْ يفضّلُ الإنبطاح على أحد جنبيه مُسنداً رأسه إلى كفه. قال بثقة عالية وثبات الواثق من نفسه ومما سيقول : تعرف يا أخي أنَّ بعض عرب الجاهلية ـ وشعوباً ساميةَّ أخرى سبقتهم ـ كانوا يذبحون أطفالهم الأبكار أضاحيَ وقرابينَ لأربابهم الأصنام . وقد دأب اليهود وبعض شعوب أرض الكنعانيين في فلسطين في قديم الزمان على ممارسة هذا الطقس وأخبارُ ذلك كثيرة الورود في التوراة . هل نسيتَ ، أضاف الحلاجُ ، قصة إبراهيمَ مع ولده إسماعيلَ ؟ أفلم يُعدّه للذبح قرباناً لولا تدخل ربه وتعويضه ب < ذِبح عظيم > ؟
هنا أصل الفكرة كما أعتقد ، قال الحلاّج ، ومنها أخذ المسيحُ عقيدته في التضحية بدمه تكفيراً عن خطايا الإنسان . أنا إذاً وعيسى المسيح في خط واحد ونهج واحد وعقيدة واحدة فلا فضل له عليَّ إلا في إلتزامي بسلوكه المسالم ورفض العنف وسفك الدماء . إذاً قرأتَ الإنجيل يا صديقي ؟ قال نعم ، بل ودرسته كما درست القرآن فإنهما كتاب واحد أُنزلَ على مرحلتين وحقبتين مختلفتين في التدرج الزماني . لا أناقشك في هذا الكلام لأنني أتحاشى إحراجك ... قلتُ له ، لكنْ أمامي بيتٌ شعريٌّ لك هل لديك مانعٌ من مناقشتك فيه ؟ قال كلا ، هات :
بدا لكَ سرٌّ طالَ عنكَ اكتتامُهُ
ولاحَ صباحٌ كنتَ أنتَ ظلامُهُ

ما هذا السر أولاً وكيف كنتَ ظلاماً لصباح لاحَ ؟ أجاب على الفور : جانبٌ من هذا السر الأكبر هو الله ، أما جانبه الآخر فإكتشافي أنَّ اللهَ حالٌّ فيَّ وإني حالٌّ فيه جزءاً منه متمماً له . سكتَ عن الشق الآخر فحثثته أنْ يفسّرَ ما جاء فيه لكنه لم يفعل. لذا كنتُ مضطراً أنْ أقولَ له يا شيخيَ الكريم ، الا ترى مجوسية أجدادك في قولك [[ ولاحَ صباحٌ كنتَ أنتَ ظلامُهُ ]] ؟ إنفعلَ قليلاً محتجّاً لينفي علاقة هذا القول بدين المجوس حول النور والظُلمة . قال إنه في صُلب فلسفتنا نحن المتصوفة أنَّ النور في الظلمة والظلمة في النور فهما ضدان لا ينفصلان فإذا إنفصلا إنطفأ النور واختفت الظلمة وتعطّلَ الزمنُ وتوقفت الحياةُ لأنها أساساً قائمة على إتحاد هذين النقيضين ، لا من وجود لأحدهما دون الآخر . رحتُ عن صاحبي بعيداً وقد تذكرتُ ما قال المتنبي تماماً بهذا الصدد :
أمِنَ ازدياركِ في الدجى الرُقباءُ
إذْ حيثُ كنتِ من الظلامِ ضياءُ
فهل أخذ الشاعرُ المتنبي قوله هذا من الحلاّج أم أنها كانت فلسفة قديمة معروفة شائعة تداولها الفلاسفة كما تداولها الشعراءُ ؟
قبل أنْ نفترقَ عنَّ لي أنْ أطلبَ منه تفسيرَ بيتٍ شعريٍّ له قال فيه :
وأقبلَ الوجدُ يُفني الكلَّ من صفتي
وأقبلَ الحقُّ يُخفيني وأبديهِ
قال متضايقاً : اللهُ هو الكل ، والحق كذلك هو الله . يُخفيني حلولاً فيه لكني بعد خفائي أُظهرُ الصفات الألهية فيَّ فيتجلى الربُّ . مرةً أخرى برز أمامي بيتٌ شعريٌّ لأبي الطيّب المتنبي من قصيدة مدح بها إبن العميد في أرجّانَ من بلاد فارس :
نافستُ فيهِ صورةً في سترهِ
لو كنتُها لخفيتُ حتى يظهرا
أفلا يشبه هذا البيت عجز بيت الحلاّج إذا نظرنا إليه في العمق ؟
أخيراً ، وجدتُ أربعةَ أبياتٍ شعرية كل ما فيها يوحي أنها للحلاج نفسه ، لكنَّ المشكلة أنها تتكلم عن القتل والصلب والوجد والغيبة ، فهل كان يتنبأُ في حياته بالكيفية التي سيموت فيها مصلوباً ثم مقتولاً ؟ أم أنَّ قائلها أحدُ أتباعه ومريديه كتبها بعد قتله ؟ الأبيات هي :
هيهاتَ ما قتلوهُ
كلاّ ، ولا صلبوهُ
لكنهمْ حينَ غابوا
عن وجدهِ غيّبوهُ
سقوهُ صِرفاً وراموا
كِتمانَ ما أوعدوهُ
فما أطاقَ ثبوتاً
لثِقلِ ما حمّلوهُ .
هوامش
( *) أخذتُ جميع أشعار الحلاّج من كتاب ( الحلاج أو وضوء الدم ) / المؤلف ميشال فريد غريب . الطبعة الأولى ، بدون تأريخ ، بيروت .
(**) فيما يلي نماذج من إتهام الأنبياء بالجنون والكهانة والسحر وقول الشعر :
(( قالَ إنَّ رسولَكم الذي أُرسِلَ إليكم لمجنون / الكلام لفرعون عن موسى / سورة الشعراء / الآية27 )).
(( فذكّرْ فما أنتَ بنعمةِ ربّكَ بكاهنٍ ولا مجنونْ . أم يقولونَ شاعرٌ نتربّصُ به ريَبَ المنون / الكلام للنبي محمد / سورة الطور / الآيتان29 ـ 30 )) .
في القرآن آيات غير قليلة تتكلم عما تعرض له النبي محمد من إتهامات وتخرّصات وأقاويل . ففي سورة ( ص ) نقرأ (( وعَجِبوا أنْ جاءهم مُنذِرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحرٌ كذّابٌ / الآية 4 )) .