لتحفيز على المشاركــــة

(صوت العراق) - 12-02-2015 | www.sotaliraq.com

د. يوسف بن مئير

لقد نشّطت نتائج الإنتخابات في اليونان مرّة أخرى النقاش عبر قارة أوروبا ما بين مؤيّدي التقشف ومعارضيه. فأيّ نهج يا تُرى سيحسّن من وضع الإقتصاديات المضطربة ويخلق مواطن عمل وثروة جديدة للمجتمعات والعائلات، أهو الحدّ من الإنفاق العامّ، بما في ذلك الحدّ من المشاريع التي تعزّز النموّ، أم زيادة هذه التكاليف، حتّى عن طريق الإقتراض ؟

هذه في الواقع قضيّة دوليّة يتردّد صداها حاليّا ً في مثالين آخرين وهما بالتحديد المقترحات الجديدة للرئيس الأمريكي باراك أوباما لضمان امتداد الطبقة الوسطى من المجتمع الأمريكي والخيارات التي تواجه حكومات بلدان الربيع العربي التي تسعى لتجاوز الإستياء العام والثورات السياسيّة المحتملة.

ولكن هناك بالفعل بديل آخر، أي طريق ثالث صعد على المستوى العالمي للتنمية الدوليّة منذ تسعينات القرن الماضي، غير أنّه أُغفل بشكل منتظم من قبل الحكومات لأنها تضع سياسات التنمية الوطنية لبلدانها بنفسها.

التنمية التشاركيّة نهج للتحفيز الإقتصادي الذي قد يرى آلاف المشاريع الصغيرة على المستوى المحلّي، أي مشاريع تحدّدها المجتمعات المحليّة وتديرها، هذا بدلا ً من بضعة مشاريع ضخمة وعلى نظاق ٍ واسع تكون محفوفة بمخاطر أكبر.

يلائم التحفيز التشاركي بشكل مشاريع تنمية بشريّة على وجه أمثل المساعدة على تقصير فترات الرّكود الإقتصادي وتعزيز النموّ بطريقتين. أوّلا ً، ازدياد مقدرة الناس على التكيّف على التغيير حيث أنّ العمليّة تبني مهاراتهم للتفكير العملي والنقدي وتعزّز ثقتهم بأنفسهم. وثانيا ً، يتمّ خلق تنوّع اقتصادي بمخاطر أقلّ تتوزّع على فئة كبيرة في مجال الإستثمارات في تكلفة مشاريع صغيرة، هذا إضافة إلى تشاركيات جديدة، شاملة مساهمات المجتمع المحلّي في العمل والموادّ.

تتواجد في هذا النموذج الجاليات والمجتمعات المحليّة بالقرب من بعضها البعض من الناحية الجغرافيّة، ويتواصل أفرادها مع بعضهم البعض وينشئون منظمات وجمعيّات تعكس اهتماماتهم المحليّة وهويّاتهم وتدير المشاريع التنمويّة مستخدمة موارد داخليّة وخارجيّة لتحسين الظروف المحليّة.

يُعتبر الجدول الزمني ومستوى المشاركة في غاية الأهميّة لنجاح مشروعات التنمية البشريّة المستديمة. ففيما يتعلّق بما سبق، تبيّن بأن أعظم الفوائد تعود للمجتمعات المحليّة التي يتمّ فيها تنفيذ مثل هذه المشاريع في أسرع وقت ٍ ممكن بعد الإتفاق على الفكرة الأوليّة.

وفيما يتعلّق بالأخير، الفرضية هي أن يكون توقيت الإجتماعات وتنفيذ المشاريع والعمليّة التنمويّة الإجماليّة بأيدي الناس العاملين في المجتمعات وهم الذين يحدّدون طبيعة المشاكل ويجدون حلولا ً لها وينفّذونها ويستفيدون من المبادرات التي أنشئت. لقد تبيّن بأنه عندما تعمل المجتمعات المحليّة بهذه الطريقة بحيث يقومون بفحوصاتهم الذاتيّة وتحليل وتنفيذ المشاريع، فإن قاعدة معرفتهم (المبنيّة بشكل ٍ جذري خلال عملية إيجاد البيانات والمشاركة في المعلومات) مرتبطة ارتباطا ً مباشرا ً بالنتيجة.

منهجيّة بنتائج مبرهنة:

لقد تمّ تطبيق النهج التشاركي بنجاح في مجال ٍ واسع ومتنوّع من الظروف. ففي المناطق الريفيّة حدثت تحسينات في الأنظمة والأساليب الفلاحيّة لإنتاج الطعام، في الموارد الطبيعيّة وإدارة المناطق المحميّة (المحميّات الطبيعيّة) وكذلك في الجمعيّات التعاونيّة واستغلال الأرض وإصلاحها. وفي مجال الخدمات التجاريّة والعامّة، فقد لوحظت تحسينات في مشاريع البنية التحتيّة، في التخفيف من حدّة الفقر والتطوّر التكنولوجي والتخطيط المعماري والشرطة المجتمعيّة.

لقد لوحظت زيادات في التواصل مع المعاقين وتمكينهم وكذلك في التحكم بالأمراض والثقافة الصحيّة والتغذية. وتساعد الطرق التشاركيّة في التعليم الرسمي والغير رسمي والتعليم التجريبي والإتصالات وتعليم الكبار و – في حرم الجامعات – زيادة مشاركة الطلاب في اتخاذ القرارات الأكاديميّة والشراكة ما بين الجامعة والمجتمع والذكور والإناث وتنمية الشباب وفي التغلّب على الأحكام العرقيّة المسبقة وأشكال أخرى من التمييز العنصري.

لقد لوحظ تحسّن أيضا ً في مجالات إدارة الكوارث، وفي بناء السّلام وأداء المنظمات الخيريّة. وأخيرا ً، فقد أشيد بالمنهجيّة التشاركيّة كعامل أساسي في النجاح المتزايد من حيث التطوير التنظيمي وبناء المجتمع المدني وتقييم المشروعات وتطوّر السياسات والدّفاع.

النظريّة السياسيّة والتطبيق العملي:

وفي الأمور السياسيّة، يمكن تمييز التنمية التشاركيّة كحركة اجتماعيّة تشكّل طريقا ثالثا ً وذلك نظرا ً لثنائيتها أو نتائجها بعيدة المدى التي تبدو متناقضة. مثالا ً على ذلك: مصالح يمكن اعتبارها أنها تستبعد بعضها بعضا ً - مثل دفع عجلة التنمية وحماية البيئة – تجدها صنعت من قبل مجموعات في شراكات تعاونية. وكلّ هذا يفضي إلى استقلال ذاتي عند مستويات إقليميّة ووحدة وطنيّة معزّزة مع ثقة شعبيّة أكبر. وما يجدر التأكيد عليه هنا هو أنّ هذه النتائج قد تكون معزّزة للإستقرار بشكل ٍ خاصّ في سياق الربيع العربي المعاصر.

وفي حين أنّ الجذور الفلسفيّة للمنهجيّة التشاركيّة قديمة جدّا ً وتعتمد على أساس اتخاذ القرارات بالتشاور، غير أنها جزء لا يتجزّء من العصر الحديث. فالتنمية البشريّة التشاركيّة تقف في المكان الذي يلتقي فيه "اليسار" و "اليمين" الكلاسيكيين للطيف السياسي بحيث يخلقان أنظمة لامركزيّة ويبنيان مجتمع يمكّن على المستوى المحلّي وحيث يقرّ الناس تنميتهم الفرديّة والمجتمعيّة ويدفعوا بها إلى الأمام.

مثال على ذلك، في سياق الساحة السياسية الأمريكيّة، تربط التنمية التشاركية ميزات أساسيّة لكلا الحزبين السياسيين الرئيسيين. فهي مكرّسة للحدّ من الفقر الذي يفسّر على أنه خلق من الناحيتين المنهجيّة والتاريخيّة (من وجهة نظر الديمقراطيين) في حين أنّه يعتبر في نفس الوقت التخطيط المركزي للتنمية المحليّة على أنّه ضارّ ومسرف وفاشل، ساعيا ً بدلاً من ذلك لنقل السلطة للشعب بحيث يمكّنهم من إدارة شؤونهم الخاصّة (النظام الفيدرالي، مبدأ الحزب الجمهوري.)

والشرط الأساسي لتطبيق التحفيز التشاركي هو أنه مدعوم بشكل مناسب من القوانين والسياسات الوطنيّة التي تعزّز التخطيط الديمقراطي المحلّي وتنفيذه.

تعكس الديون الأجنبيّة على المستوى الوطني المركزي موافقة المقترضين على النموّ الوطني. ويعتبر التحفيز التشاركي التأمين الذكي الذي على الدائنين دعمه لضمان تسديد قروضهم على الوجه الأكمل. ومع الإرتباطات التي ترقى للخطوط الحزبيّة والمنافع في مجالات عديدة، قد يكون أيضا التحفيز التشاركي أفضل مسار مقبول سياسيّا ً على الساحة الدوليّة.
______________________________________

د. يوسف بن مئير رئيس مؤسسة الأطلس الكبير.