كوارث السيول في كردستان العراق

(صوت العراق) - 25-04-2011 | www.sotaliraq.com

الدكتور بيوار خنسي

تعرضت أقلیم کردستان العراق خلال الایام الماضیة ما بین 25 ولغایة 29 تشرین الاول الی سقوط امطار غزیرة أدت الی تعرض بعض المناطق الێ سیول جارفة مما نتج عنها خسائر بشریة ومادیة، أضافة ألی تعرض مدینة ( سه‌رێ کانئێ) في کردستان سوریا الی کارثة سیول جارفة نتیجة العامل الطبیعي( سقوط أمطار غزیرة) والعامل النشري( حکومة ترکیا) بسبب فتح السلطات الترکیة مجاري سد خانکێ بعد هطول الامطار مما أدت الی تعرض المناطق الحدودیة ومنها مدینة سه‌رێ کانیێ الی سیول جارفة مما الحق خسائر بشریة ومادیة بسکان المنطقة . ونظرآ لأهمیة الموضوع، أنشر مرة أخری عن وسائل الاعلام هذه‌ الدراسة المتواضحة حول مفهوم کوارث السیول ومخاطرها وسبل مواجهتها. آملیین من الجهات المعنیة الاسفادة منها من خلال أتخاذ الاجراءات التي تقلل من تأ‌ثیر مخاطر السیول علی‌ شعبنا وبلدنا.

مفهوم السیول:
السيول هي ظاهرة طبيعية لا دخل لأرادة البشر فيها من منعها أوإحداثهآ بهدف التقليل من مخاطرها أو بهدف محاولة الاستفادة منها. السيول هي من أبرز مظاهر الكوارث الطبيعية السنوية الناتجة عن هطول المستمر للأمطار والتي تهدد معظم بلدان العالم ومنها كردستان ، وهو ما يلحق خسائر فادحة في الارواح والممتلكات وأكثر مما يلحق الكوارث الطبيعية الاخرى.
من الملاحظ خلال السنوات الاخيرة يشهد تحولات عامة في طبيعة المناخ ومنها في كردستان العراق،ربما يكون صعبا ان نعرف اسبابها الكونية. هذه التحولات المناخية غيرت كثيرا من المعطيات السابقة،نشطت الاحزمة الزلزالية وزادت معدلات السيول في العالم ومنها في كردستان،وهذا ما يستوجب الانتباه الیه‌ والتعامل مع المتغيرات باسلوب يناسب مع المرحلة الحالیة ،لاسيما التعامل مع الازمات الطبيعية ، كالكوارث بانواعه المختلفة ، لكي تقلل الاضرار التي تنجم من الكوارث .

ظروف واوقات السيول:
يحدث السيول عندما تتساقط امطار غزيرة قبل أو مع أو بعد سقوط الثلوج كما هو الحال في كردستان ، تتجمع الماء في احوض صرف لتأخذ المياه التي تفيض عنها طريقها في صورة سيول جارفة الى مصاب الانهار والبحار وبعضها ينتهي في الوديان والمنخفضات العميقة.
يحدث السيول غالبا في فصل الشتاء والربيع كما هو في كردستان ، وتسقط الامطار في بعض الدول في فصيل الصيف الخريف، لذا يحدث أحيانا سيول في بعض البلدان في فصل الخريف .
هناك سيول موسمية وسيول مفاجئة. يحدث السيول الموسمية عندما تنحدر مياه الامطار والثلوج تملأ الوديان والانهار بمكيات كبيرة من المياه التي تتدفق غالبا في الوديان بسرعة فائقة. يمكن التنبؤء بهذا النوع من السيول وتوقعه لحدوثه سنويآ في فصل الشتاء والربيع أو تخمين وقوعها خلال دورات مناخية ،وهذا النوع من السيول يحدث في كردستان .
تحدث السيول المفاجئة من جراء الترسيب الشديد الذي يغمر بعض المناطق، مما يعلو المياه الزائدة لتشق طريقها عبرالاراضي المنخفضة،التي غالبآ ما تكون طارئة ولا قاعدة لها.هذا النوع من السيول يحدث في السهول الشبه المغلقة التي تحصر بين سلاسل الجبال والمرتفعات .هناك الكثير من هذه المواقع في كردستان، مثل منطقة سهل عقرة / شيخان، مخمور،وغيرها.

دور الخصوصيات الجيولوجية للمنطقة على السيول:
طبيعة الارض الجيولوجية المتمثلة ب(الطبقات الصخرية المتنوعة والانواع المتنوعة من التراكيب الجيولوجية التي ترسم السمات الاساسية لطبيعة تضاريس سطح الارض). تشكل عنصرآ أساسيا في السيول العنيفة والمفاجئة. أن لطبيعة الارض الجيولوجية شأن كبير في التأثيرات الضارة للسيول. يمتص الارض في المناطق الجافة المياه بسرعة، في حين ان الاراضي الصخرية( المنطقة الجبلية في كردستان) او الاراضي المشبعة بالماء لا تمتص من مياه السيول إلآ القدر القليل، لذا تزداد كمية لمياه المتدفقة لدرجة ان المجاري الطبيعية (الانهار ، الجداول الموسمية ، الوديان وغيرها) والجداول الاصطناعية( الشبكات المائية في المدن) لا تتسع للمياه المتدفقة، لذا تخرج من سيطرة الانسان مسببة الدمارللمنشئات والتجمعات السكنية والمزارع التي تقع في مجرى السيول.
عندما تسقط الامطار الغزيرة في منطقة جبلية محصورة كما هو في كردستان،فأن كميات المياه التي تصب في المجاري والوديان يؤدي الى إعاقة التدفق بسبب ما تجرفه المياه من التربة والاشجار والصخور وما يتعرضها من مواد اخرى، وتسبب سرعة المياه الشديدة والمختلطة بالرمال والطين من اقتلاع القطع الصخرية التي تبلغ وزنها مابين60 الى 100 طن. تقل سرعة المياه في الاراضي المنبسطة ومع ذلك أنه يكون قادرا على تهديم المباني وازالة الحواجز واقتلاع الاشجاروتدمير الجسور .

شدة السيول:
تتوقف شدة السيول على جملة من العوامل الاساسية، ومن ابرزها( كميات المياه الساقطة. الفترة الزمنية التي تستغرقها سقوط الامطار والثلوج. أتساع حوض الصرف الذي يتجمع مياه السيول فيه. درجة أنحدار مجرى السيول. سرعة المياه المتدفقة. نوعية الصخور التي ينزلق عليها السيول ودرجة مسامية الصخور التي تسمح بتسرب المياه الى ما تحت سطح الارض. توافر الغطاء النباتي الذي يقلل من سرعة حركة المياه).
تتوفر اغلب هذه العوامل في كردستان التي تزيد من شدة السيول ، لذا تتعرض العديد من المناطق في كردستان الى كوارث السيول، والامثلة كثيرة ومنها ما حدث مؤخرا في كردستان

خطورة السيول:
تزداد خطورة السيول في ظل وجود التجمعات السكانية أومنشئات حضارية( الطرق ،الجسور، سكك الحديد، المطارات، المصانع، المزارع القرىوغيرها) التي تتعرض في طريق مجرى السيول. توقف حجم الخسائر الناجمة عن السيول على شدة اندفاع السيول وعلى نوعية المباني والمنشئات ومدى مقاومتها لهذا الاندفاع القوي، وعلى قدرة المؤسسات الحكومية والغير الحكومية والمواطنين الاستعداد في مواجه الازمات ومنها كوارث السيول.

التنبوء بالسيول:
لم يتمكن علماء الارصاد لحد الآن من التنبوء بحدوث السيول أو كمية المياه التي تجتاح في الوديان.
يمكن تحديد السيول على وجه الدقة في الوقت الحالي على ضوء تحديد مسار السيول القديمة،والوديان التي تأتي منها السيول على مدار عشرات السنوات عن طريق تحديد مسار السيول الاقدم.
الاهتمام بمسارات السيول مهمة جدا في التنبوء من أحتمال حدوث السيول في المستقبل حتى وان كانت المسارات جافة خلال سنوات، لذا فان مجرى السيول القديمة والجداول والأنهار الموسمية او مجاري الانهار القديمة (يوجد كل هذه الانواع في كردستان) والذي تتلازم وتتربط بها مجارى السيول في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل،لذا يجب تركها خالية من الزراعة والعمران وغيرها من المشاريع .
الجديربالذكر، تقع مواقع بعض القرى في الوديان التي تعرضت سابقا للسيول وليس بعيدا عن تأثير السيول بالرغم من تواجد آثار السيول في الموقع (مثل تواجد مواقع بعض القرى في منطقة عقرة ، شيخان)، لذا فأن مستقبل تلك القرى مهددة عاجلآ أم آجلا.
يجب عدم الاطمئنان بعد مرور سنوات مهما طالت دون حدوث السيول من مجرى السيول القديمة. الانتظار الى وقت حدوث الكارثة مستقبلآ هو نوع من اللامبالاة التي تتصف بقلة النظر وضعف الارادة.

طرق التقليل من مخاطر السيول:
تكمن اهم الطرق للتقليل من مخاطر السيول بما يلي:
1- ابتعاد التجمعات السكانية والمنشئات الحضارية من مسارات السيول القديمة والحديثة.
2- ترقب حدوث السيول في المناطق المحتملة حتى بعد مرور سنوات طويلة متواصلة لم يحدث خلالها السيول.
3- اقامة السدود الركامية على تفرعات المجرى الرئيسي لمسارات مجاري السيول بهدف التقليل من سرعة اندفاع المياه انثاء جريان السيول.بناءالسدود على بعض وديان لتخزين المياه أنثاء موسيم السيول.
4-تحويل مسارات اليسول التي أقيمت على مسارها المشاريع المتنوعة.

حماية المناطق المعرضة للسيول:
حماية المناطق المعرضة للسيول يتم من خلال تحديد المناطق التي تهددها السيول من حيث درجة الخطورة التي تلحق بها على ضوء الاخطار التي سبق التعرض لها. تعيين المناطق التي تهددها السيول حسب طبيعتها الجغرافية( تضاريس سطح الارض) ، من حيث درجة ميل مسار السيول وتقدير سرعة المياه بالثانية( على ضوء تقدر معدل نسبة سقوط الامطار والثلوج في تلك المناطق، ليتم على ضوئها امكانية التدخل بالوسائل اللازمة لأعمال الانقاذ. تحديد الزمن الذي تحدث فيه السيول من خلال الاعتماد على معرفة الفترة الزمنية التي تسقط فيها الاطار والثلوج ونسبة سقوط الامطار على مدارالفترة الزمنية ليتم الاعداد اللازم لمواجهة الحالة الطارئة.
هنا من الضروري العودة الى تاريخ السيول في كردستان بالرغم من قلة توفر المعلومات عن ذلك ،لاسيما بالنسبة للسيول القديمة،إلآ انه تتواجد بقايا آثار السيول القديمة في العديد من المناطق ،ولاسيما بالقرب من مداخل الوديان على امتداد السلاسل الجبلية في كردستان . ولحصر الموضوع، لو يتم اجراء مسح جيولوجي عن مسارالسيول القديمة يمكن اعداد خرئط واضحة لمسارات السيول، اضافة الى تحليل ودراسة التصاوير الجوية التي تظهرعليها بوضوح مسارات الجداول ومسارات السيول القديمة والحديثة ، يساعد على تدقيق المعلومات على خرائط مسار السيول القديمة في كردستان.
تعرضت كردستان العراق الى العديد من كوارث السيول المحلية، وقد اشرت في دراسة تحت عنوان (تاريخ الكوارث في العراق) وكردستان العراق جزء من ذلك التاريخ من ناحية الكوارث الطبيعية ومنها كوارث السيول، ولذا لا مجال هنا للعودة الى تكرار تاريخ الكوارث القديمةالتي تعرضت لها المنطقة.
من الضروري الاشارة الى بعض كوارث الاخيرة. يمكن تحديد اثار عشرات كوارث السيول فقط على امتداد السفح الجنوبي لسلسلة الجبلية بين مدخل وادي ديركي بناحية باعذرى/ قضاء الشيخان غربا وناحية مريبا غربا التابعة لنفس القضاء. يمكن مشاهدة أثار بقايا كوارث السيول بالقرب من مداخل الوديان بالقرب من قرى( ديركي،بنلي، ئافريفا ، كليكي، خنس، شيخكا، بركرى، بيساتى ، مريبا)، وهناك الكثير من الامثلة في أغلب مناطق كردستان العراق.
تكرركوارث السيول على امتداد مسار مجرى الانهار القديمة التي اصبحت جافة منذ اكثر من أربعون سنة ، مثال موقع ( تجمع جرة/ قضاء الشيخان) مثال على ذلك. حيث استغرب سكان المنطقة في عام1989 عندا تدفق المياه السيول في مجرى النهر القديم وغرق التجمع بالمياه،وبعد حوالي 17 سنة ، في قبل ايام من هذا العام تكرر كارثة السيل مرة اخرى في نفس الموقع وفي مواقع اخرى في كردستان نتيجة استمرار سقوط الامطار الغزيزة والثلوج في المنطقة، وستكرر كوارث السيول في نفس المناطق في المستقبل.
الجدير بالجدكر، تتكرر مثل هذه الدورات المناخية في كردستان بين فترة واخرى وتتراح معدل الفترة الزمنية بين تلك الدورات المناخية( التقلبات المناخية) ما بين (13 الى 17 سنة)، وكانت الفترة الزمنية بين كارثة السيل والاول والثاني في تجمع جرة بحوالي 17 سنه، عليه نتوقع تكرارها بعد 13 الى17 سنة ، اي خلال الفترة مابين(2019 الى2023).

أسلوبب مواجهه كوارث السيول في كردستان العراق:
تتطلب التعامل مع السيول في كردستان العراق ال ضرورة اتخاذ بعض الخطوات الاساسية ، ومن أبرزها:
1- اعداد الخرائط التفصيلية لجميع الوديان في كردستان مع حساب المساحة وكمية الامطارالتي تتجمع فيها كل واد ،مع تحديد مسارالسيول القديمة والحديثة في الوادي، ليتم على ضوئها تخمين حجم فترة احتمال تكرار كوارث السيول في تلك ا لمواقع.
2- حماية مسارات الوديان من التنمية العشوائية وإلزام المحافظين بأحترام مسار السيول، ومنع اقامة القرى والمناطق السكنية والفنادق السياحية والمصانع والمزارع في هذه المسارات. يفصل ان يطبيق ذلك في كردستان من خلال اعداد قانون خاص بهذا الشأن.
3-- أقامة سدود صغيرة في شرايين الوديان بغرض الاقلال من سرعة تجمع المياه بالوديان.
4-حماية المواقع الاثرية من مخاطر السيول.كردستا العراق غنية بالعديد من المواقع الاثرية التي تقع بعضها في او عند مداخل الوديان.
5- تحديد الخطة للمناطق المعرضة للكوارث الطبيعية ،ومنها كوارث السيول، مع تحديد وسائل انقاذ المواطنين من هذه المناطق الخطرة وتأمين الوصول اليها ونقلهم الى اماكن اكثر سلامة.
6-تكثيف الغطاء النباتي في المناطق التي تتعرض للسيول لأعاقة حركة المياه.
7- إنشاء انظمة انذار مبكر في المنطق الشديدة الخطورة حتى يمكن الاستعداد لمواجهة السيل القادم مع توفير كافة المستلزمات والمعدات الخاصة لهذا الغرض.
8- ارشاد المواطنين ونشر ثقافة التعامل مع الازمات، ومنها كوارث السيول.
9-تدريب الافراد والمسوولين على كافة مراحل خطة مواجه كوارث السيول.
10- ازلة جميع العوائق على امتداد مسارات السيول القديمة مع التأكيد عل احتمالية تواجد الالغام الذي زرعه النظام البائد في الكثير من المناطق في كردستان ،وربما تقع بعض مزارع الالغام في بعض المواقع على امتداد مسار السيول، التي ربما تنجرف الالغام أثناء تعرض تلك المواقع الى سيول مما سيزيد من مخاطره.
11-إنشاء معهد الكوارث الطبيعية في كردستان مع يالتأكيد على فتح قسم تنمية الموارد المائية، وانشاء مراكز لأدارة الازمات في كافة المحافظات ومنها فرع ادارة ازمات الكوارث.
12- دعم مراكز الارصاد الجوية والزلزالية والجهات العلمية الاخرى من مواجهة الازمات المقبلة خلال القيام بجمع كافة المعلومات والبيانات المتعلقة بهذا الشأن ،ورسم الخط المطلوبة والتوقعات المحتملة والتقلبات المناخية التي تشكل الاساس العام من مواجهة كوارث السيول وغيرها من الكوارث والازمات في المستقبل ، كل ذلك كفيلة ذلك في تقديم اقل الخسائر المادية والبشرية في كردستان.

المصادر:
1- د. بيوار خنسي. الكوارث الطبيعية في العراق . نشرت في جريدة التأخيعام 2004.
2- ماهي الجيولوجيا؟. تأليف ويليان . ماثيوز. ترجمة دكتور مختاررسمي ناشد.
3- كوارث السيول. تأليف الدكتور عادل عبدالرحمن نجمة.
4- معجم الجيولوجيا، الطبعة الثانية, في جمهورية مصر العربية.
5- د. بيوار خنسي : المياه , النفط والبيئة . كتاب طبع في اربيل عام 2001.
6- الميستر ستيفن هيملي اونكريك. اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث .ترجمة جعفر الخياط ، الطبعة السابعة,