الآخرة مستقبلنا!!

التفكير عند بعض المجتمعات يتصف بسمات القرون الوسطى , التي لا تعرف غير أن هناك دنيا وآخرة , فلا حاضر يستحق الجد والإجتهاد , وإنما الحياة الدنيوية عبارة عن جسر لحياة أخروية يتأكد فيها المستقبل , أي أن الحياة الدنيوية مجردة من طعم الحاضر وفاقدة لقيمته ودوره وأهميته في صناعة الأيام الآتيات , وعليه فأن العمل المطلوب هو الإنتقال إلى الآخرة , ولهذا هيمنت التفاعلات الدينية على السلوك , وتحكّمت به إلى درجات مرعبة ومروعة.

وفي عالمنا العربي يسود المنهج المعفر بالموتانية الداعية إلا إنتفاء قيمة الحياة والسعي المتوثب نحو الموت , وفقا لمسميات وتصورات ومعتقدات تنهال على الحياة وتبخسها قيمتها وأهميتها وكرامتها وقدسيتها التي تكرَّم بها المَخلوق.

فالعقل العربي عموما يكاد يخلو من مفهوم الحاضر والمستقبل ولا يدركه وفقا لمفاهيم صناعة الحياة , ويتخندق في الماضي الذي تتجمع فيه أبعاد الزمن الثلاثة ولا يمكنها التحرر من قبضته , فالعرب عموما لا يعيشون حاضرا , وإنما هم في تفاعلات إستنقاعية ماضوية إستنزافية خالية من قدرات التحرك إلى أمام , بل أن الحركة تكاد تكون من المُحرمات , وأن القعود والتكسح والقنوط من المميزات المُستحسنة , التي تأخذ البشر إلى حيث الحياة الآخروية الغيبية , التي يكون فيها العز والحياة والمستقبل السعيد , أما سعادة الدنيا وبهجتها فأنها من الممنوعات بل وربما من الكفر والفجور.

وهذه النمطية القائمة في الأعماق والمتوارثة عبر الأجيال تساهم في إنتاج الفكر التدميري , والمناهج المتطرفة والأحزاب المغفلة المدجنة , والقِوى المُسخرة لإنجاز مشاريع التدمير الذاتي والموضوعي , وهي التي تديم ناعور الخيبات والهزائم العاصفة في أرجاء البلدان المبتلاة بهيمنة عقائد الضلال والبهتان , والمأسورة في أنظمة حكم تمعن بالتجهيل والتفقير والقهر والإضطهاد , والتبخيس الشامل والكامل للوجود الإنساني وتحويل البشر إلى أرقام على يسار رقم متوحش مفترس مِقدام.

وبناءً على هذا الأسلوب التفكيري والإقترابي من مفردات الواقع والحياة , يتم محق ما يشير إلى أن الإرادة الإنسانية مُسخرة للبناء والرقاء , وإنما كل ما في الإنسان يكون مُستعدا للهدم والتدمير وإشاعة الخراب والهلاك الفتاك.

ولهذا نرى ما يتحقق في العديد من الدول , والذي يلخصه أن الحياة لا وجود لها وأنها محطة للإنتقال إلى المستقبل , وعلينا أن نأنس بما يتحقق في ديارنا من المظالم , لأن الآخرة ذات نعيم وأمل ورجاء , وأن الموت أحب للبشر من الحياة , وما تساءل الناس لماذا جئنا إلى الدنيا , أ لكي نعاني ونقاسي ونشبع ظلما وقهرا وهوانا وذلة وبؤسا؟

أ هذه رسالة خالق الأكوان , وكأنه يخلق عبثا؟!!

إن المطلوب هو الإيمان بالحياة والنظر في حاضرها , والعمل الجاد على بناء مجدها وقوتها وصورتها الحضارية الجميلة , ومن واجبنا أن نحيل الدنيا إلى نعيم وجنان ورياض بهيجة , تحقق السعادة والرفاهية والألفة والمحبة السامية الخالصة لرب الرحمة الرحمن الرحيم.

أما القول بنفي الحياة والإجهاز عليها , والدعوة للموت وتحبيبه إلى الناس , وتسويغه بما تنوع من القول والإدّعاء , فأنه سلوك يتنافى مع إرادة الخلق ويتعارض مع نواميس الأكوان ومعادلات البقاء الكريم , فالإنسان مخلوق بأحسن تقويم , وعليه أن يتنعم بالنعيم , لا أن يجحده ويتفاعل بقلبٍ أثيم!!

نريد وعيا بالزمن وتقديرا لنعمة الحياة وسعيا رفيقا للنجاة؟!!

وإنّ الإنسان لربه لكَنود” 100:6

كَنود: كافر بالنعمة أو جاحدها , والكَنود:الكَفور.

دصادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close