الجهل بالوطن جلاّبٌ للمِحن!!

الآخرون يعرفوننا أكثر مما نعرف أنفسنا وأوطاننا وتأريخنا وحضاراتنا وما فينا من الطاقات والقدرات وما عندنا من الثروات , فهم الذين أدلونا على آثارنا , ولا يوجد منّا واحد أدّلَ الدنيا على حضاراتنا , أو أسهم في إكتشافها.

ففي مصر على سبيل المثال, جميع الآثار مُكتشفة من قبل الألمان والفرنسيين والإنكليز , وكذلك في العراق , وهذه أدلة على أننا من الجهلاء بأحوالنا وبلداننا.

وبسبب الجهل الوطني أو البُلداني المروّع أصابنا ما أصابنا من الويلات والتداعيات , ذلك أن معظم الدول العربية تولى أمرها قادة يجهلونها , ويتوهمون بمعرفتها , والآخرون الطامعون بها يعرفونها ويعرفونهم حق المعرفة , وبذلك يتم تمرير الخطط والمشاريع وإنجاز الأهداف المطلوبة بسهولة وسرعة.

ولا يزال العرب يتنعمون بقادة يجهلونهم , ولا يعرفون البلدان التي يمتلكون زمام السلطة فيها , ومن غير البديهي أن يتمكن قادة يجهلون ما يقودون من تحقيق أي إنجاز إيجابي وصالح للوطن والمجتمع.

فلو أخذنا بلدا كالعراق , بثرائه الحضاري والمادي وتأملنا مسيرته , لتبين أن السبب الأساسي في مآسيه المتلاحقة , عدم توفر القائد الذي يعرفه , فقد أبتليَ بالقادة الذين يجهلونه تماما , ومنذ تأسيسه إلى اليوم لم يحضَ بقائد يعرفه , حتى وصلنا إلى مرحلة أجهل الجهلاء به , وبسبب هذا الجهل المدقع فأنهم يعادونه ويكرهونه وينكرونه , عملا بأن البشر عدو ما جهل.

قد يقول قائل أن الذي أصاب الوطن بسبب كذا وكذا , ويمكنه أن يؤلف موسوعات وموسوعات ولا يستطيع أن يصل إلى جزيرة نجاة في يم التداعيات المتلاطم , لكن عبارة واحدة تغني عن جميع الكتابات , إنها الجهل بالعراق , فما جرى في ألفين وثلاثة وما بعدها وقبلها نابع من هذه العلة المريرة التي تنخر الوجود الوطني وتمزق المجتمع , وتقدم البلد على طبق من ذهب للطامعين به والذين يعرفونه حق المعرفة , ويبنون سياساتهم ومصالحهم على ضوء ما يعرفون , وقادتنا يقررون كل شيئ على ضوء ما يجهلون.

فلو إمتحنت أي قائد أو مسؤول بموضوع العراق لإكتشفتَ رسوبا مذهلا , فهم لا يعرفون جغرافيته ولا تأريخه , ولا ما فيه وما حوله ودوره وقيمته الستراتيجية والإقتصادية والحضارية , إنهم مغيبون في متاهات الضلال والبهتان , وما يشغلهم هو الفساد والمتاجرة بالبشر الحيران.

إن الخروج من المأزق الفاعل في البلاد يستدعي الجد والإجتهاد بمعرفة العراق , والعمل الدؤوب على فهمه وإدراكه والتفاعل معه بدراية واضحة , توفر المنارات الكفيلة برؤية المنطلقات السلوكية الصالحة للوجود العزيز.

أما الإمعان بجهل الوطن , فأنه يساهم بتحويل القادة إلى دمى وموجودات مسلوبة الإرادة , وفاقدة للقدرة على صناعة الحياة , فالفرق بين الذي يعرف والذي يجهل كالفرق بين النهار والليل.

فهل سنعرف العراق لكي يعزنا العراق؟!!

دصادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close