المشكلة في انتاج الطماطة لا استيرادها

محمد رضا عباس

ازمة الطماطة في السوق العراقية كشفت ان المواطن العراقي بخير , واصبح يبحث عن الطماطة بدلا من المعجون او اليابسة والتي كانت تعاني منهما ربة البيت سابقا . أتذكر ان الوالدة في كل صيف كانت تشتري عدد من صناديق الطماطة , تحول بعضها الى معجون والمتبقي منها تضعه تحت شمس تموز لتجف , بغية استخدامهما في موسم غياب الطماطة في الأسواق العراقية في أيام الشتاء والربيع . لم تكن هناك طماطة مستوردة في الأسواق وان وجدت لا يستطع شراءها الا الأغنياء . لقد تفاجأت بوفرة الفاكهة والخضر المستوردة في الأسواق العراقية في زيارتي الأخيرة الى العراق. فقد كان هناك رمان يماني وبرتقال مصري و طماطة وخيار سوري , منجه بنغالية , بطيخ إيراني , تين وعنب تركي . الأسعار لم تكن بالمرتفعة , حيث وجدت ان جميع العوائل التي زرتها لم تعاني من أسعار الفاكهة والخضر . أسعارها كانت ليست ثقيلة على ميزانية المستهلك العراقي.

احد أسباب رخص الفاكهة والخضر المستوردة في السوق العراقية هو ان الفلاح في الدول المصدرة لهذه السلع يتمتع بدعم غير محدود من بلدانهم , توفر جميع وسائل التسويق , من المخازن , الى الطرق مواصلات رئيسية , الى تسهيلات النقل . وهكذا اصبح دخل الفلاح في هذه الدول ان لم يكن مع خط الدخل العام في بلدانهم , فهو اعلى . قطاع الزراعة أصبح في البلدان المجاورة من القطاعات التي توفر الغذاء و العمالة , والدخل . وأصبحت الحكومات تذعن لمطالب الفلاحيين نظرا لما لهم من تأثير بالغ على اقتصاديات بلدانهم .

مسكين الفلاح العراقي , اصبح ليس له من يؤازره , فترك ارضه ومهنته والتحق في مهن المدينة . القطاع الزرعي لم يستطع توفير دخل للفلاح مقارب حتى الى أجور عمال المساطر . أجور عامل البناء هي على المعدل 25 الف دينار يوميا او 750 الف دينار شهريا او 4.5 مليون دينار في ستة اشهر , وهي الفترة الزمنية التي يحتاجها الفلاح لقطف محاصيله . الفلاح العراقي لا يستطيع الحصول على نصف هذا المبلغ , هذا مع العلم ان من يعمل في الحقل ليس فقط رب العائلة وانما زوجته واطفاله ومع هذا لا يساوي دخلهم من الإنتاج حتى نصف ما يحصل عليه عامل البناء . السوق يعمل وفق قانون الاواني المستطرقة , عندما يجد احد العمال ان أجور عمله اقل من أجور عمل اخر قادرا عليه , فان هذا العامل سوف يتحول الى العمل الذي يدر عليه دخلا اعلى . وهكذا , اضطر الفلاحون بترك مزارعهم و التحقوا بمهن و حرف المدينة .

ما العمل ؟ اعتقد ان على الدولة الإصرار على تطبيق قرارها القاضي بمنع استيرادات الفاكهة والخضر والتي من الممكن انتاجها محليا . ان قرار المنع هذا بدون شك سوف يرفع أسعار الفاكهة والخضر محليا , وسوف يجد من يريد التهجم على الحكومة الوقت والحرية الكافية , ولكن في الأمد البعيد سوف ينتج منه ما يلي :

أولا , ان القرار سوف يشجع المزارع الرجوع الى ارضه , لان الإنتاج الزراعي سيكون قطاعا مربحا , يغطي الكلفة و يدر الأرباح.

ثانيا , دخول الفلاحين بأعداد كبيرة الى القطاع الزراعي سوف يؤدي الى كثرة الإنتاج و انخفاض أسعاره . في الأمد الطويل سوف يتساوى العرض والطلب على المنتوجات الزراعية وسوف ينتج عنه أسعار ترضي المنتج والمستهلك على حد سواء.

ثالثا , المنافسة بين المنتجين الزراعين سوف تؤدي الى بقاء الأقوياء منهم ( من يستطيع انتاج اعلى باقل الكلف) ويجبر الضعفاء من المزارعين ( المزارعين غير الاكفاء) على ترك ارضهم الى مزارعين اكفاء قادرين على الإنتاج باقل الكلف .

رابعا, تحول العراق من مستورد للمنتوجات الزراعية الى مصدر للمنتوجات الزراعية , وسوف يجد أسواق جاهزة لمنتوجاته الزراعية نظرة لسمعتها الطيبة خارج العراق .

خامسا , ان إعادة الحياة الى القطاع الزراعي سوف يوفر الامن الغذائي للبلاد ويوفر العملات الصعبة له . حسب معلومات وزارة التخطيط , فان العراق يستورد الان ما يقارب 70% من حاجاته الغذائية , او ما يعادل 25 مليار دولار سنويا , وهو مبلغ يفوق عجز ميزانية الدولة السنوية.

سادسا , رجوع الحياة الى القطاع الزراعي سوف لن يعود رزية الطماطةمرة أخرى , وسيفهم المواطن ان الاكل من خير ارضه , خيرا من الف مرة من انتظار طماطة تركية او طماطة ايران . المواطن العراقي سيشعر بالفخر والاعتزاز عندما يتعود على اكل ما تجود بها ارضه.

إعادة الحياة الى القطاع الزراعي سوف لن ترجع بمجرد منع استيرادات المنتوجات الزراعية , وانما تعود عندما يكون هناك رجال ذو عزم وإصرار و قدرة , تماما مثل ابطال قواتنا المسلحة التي تحارب داعش بكل اقتدار, على انعاش هذا القطاع الحيوي . الحياة ستعود الى القطاع الزراعي عندما تتبني الدولة العراقية سياسة زراعية رصينة (منها اعانات وقروض للفلاحين وتطوير المدن الزراعية) يقع في حبها ليس فقط أبناء الريف العراقي وانما أبناء المدن أيضا. نعم , بالإمكان ان تكون حياة الريف الجديدة سبب في الهجرة المعاكسة من المدينة الى الريف . وبالمناسبة , من يزور الريف الأمريكي سيجد ان جيران الفلاح هو طبيب في مستشفى المدينة , واستاذ جامعي , ومهندس يعمل في احد المشاريع الصناعية والتي تبعد عن محل سكناه نصف ساعة بالسيارة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close