عن الانتكاسة في محاولات النقد والمراجعة

الجدل والمخاض الفكري الذي شهدته الورش الثقافية والمعرفية في المنطقة العربية والاسلامية وحتى في بقية انحاء العالم كان يبشر بمرحلة جديدة لو استمر ذلك بذات الوتيرة، اضيفت مسحة من الحداثة على المناهج النقدية وادوات الناقد، ازيلت هالة وقدسية الكثير من الامور التي لا تستحق التقديس، اصبح الباحث والمتابع اكثر شجاعة في تناوله لمختلف الموضوعات الدينية، كما ان تساؤلات الباحثين وحتى المشتغلين على الموروث الديني اكثر جدية من ذي قبل.

ذلك المخاض احدث نواة تحول معرفي ثقافي له ارتدادات ايجابية نسبيا حتى على الفكر الديني، كان حافزا مهما لمراجعة ادوات النقد الديني حتى بالنسبة للمتدينين انفسهم. خصوصا وان الاسئلة كانت تثار على خلفية مراجعة التيارات المتشددة والسلفية الجهادية، الجدل في جزء منه كان يتكيء على تجارب اسلامية فاشلة في مصر، الجزائر، افغانستان، السودان وكذلك في تركيا، وايضا مع الاخذ بعين الاعتبار تجارب اسلامية قائمة نجحت في بعض المجالات وفشلت في مجالات اخرى مما كان يسمح للمتابع باخذها نماذج حية للنجاح او الفشل.

الملفت ان ذلك الجدل عطل بطريقة غريبة، وحصل تحول عكسي عدنا فيه من مرحلة الجمود الديني الى سقف مهول من التطرف، دائرة التطرف انعكست على النخب الثقافية واصبحت بدورها صدى لهذه الحالة الغريبة التي نمر بها. فسقطت في الفخ معظم الاسماء الكبيرة التي كانت تروج للتغيير وتدعو للمراجعة، كبار الاسماء انساقت مع موجة التطرف بشكل او بآخر وتخادمت معها مما ادى الى التشكيك بالعديد من المشاريع الجادة التي نشطت قبل عشرين عاما في هذا المجال.

الان وبعد انحسار وتراجع انتشار داعش على المستوى الميداني ومع تعالي الاصوات التي تطالب برفع الجهوزية لمرحلة ما بعد داعش سيما على الصعيد الفكري، الثقافي والديني من اجل محاصرة جذور التطرف كان لابد من اعادة الحيوية لمشاريع المراجعة الهادفة للتراث الديني، مع سقف من الجدية والصراحة في معالجة جذور التطرف. علينا جميعا تحمل المسؤولية والحديث بسقف مرتفع من الصراحة، ان المجاملات في هذا الجانب ستفتح المجال لصعود الفكر المتطرف بذات الطريقة الطريقة الجنونية التي رأيناها ولمرات اخرى.

من جهة اخرى فان مرحلة المراجعة لما بعد داعش تفرض ايضا مراجعة النقد وادواته، نحن بامس الحاجة الى نقد جريء من جهة وواقعي من جهة اخرى، نقد لا يعيش في مدن فاضلة، نقد ومراجعة تاخذ بعين الاعتبار عدة معطيات من بينها صعوبة فصل الدين بشكل تام عن السياسة، فالجذور الدينية تاخذ طريقها الى السياسة حتى في البلدان المتقدمة وكل المحاولات تقوم من اجل وضع حد للتدخل السافر من قبل رجال الدين في المجال السياسي واذا ما كان هذه الامور في بلدان لها تعليم رفيع المستوى فما بالك بالوضع في منطقتنا العربية التي يتراجع فيها الوعي بشكل كبير.

جمال الخرسان

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close