البطران افة اجتماعية

نوري جاسم المياحي

الكثير من ابناء الجيل الحالي ربما لم يسمع بكلمة (بطر  او بطران ) في حين كانت هذه الكلمة او الصفة معروفة ايام زمان وكثيرة الاستخدام في المجتمع البغدادي الذي وعيت عليه ..

ولتفسير معنى كلمة البطر فهي تعني الطغيان بالنعمة (ويقصد هنا بها المال او الثروة ) أي ان الشخص عندما ينال النعمة او تنزل عليه بالصدفة او بالحظ …فهو يطغى في سلوكه وتصرفاته مع الاخرين …ويبدأ بمخالفة ما تعارف عليه اجتماعيا من خلق ايام زمان …

وهذا يعني ان الانسان الشبعان وابن العز والخير كما يقال ويوصف بلهجتنا البغدادية فانه كلما يزداد مالا وثروة يزداد تواضعا وتصاغرا مع الاخرين …اما من نصفه بالبطران فهو الانسان الذي يتعالى على اهله وربعه ورفاقه عندما يزداد مالا ويتعامل بنظرة فوقية ودونية …ولا يدرك ان هذا التصرف الاحمق لن يرفع مكانته اجتماعيا او عائليا او عشائريا بل يصغره في عيون الناس والى درجة الاحتقار والاذلال ولو بالسر وليس بالعلن امامه ..

فمنذ ان احتل الامريكان العراق وسادت الفوضى وانتشر الفساد نجد ان الكثير العراقيين ممن كانوا محرومين وجياع وفقراء ونزلت عليهم النعمة واصبحوا اغنياء فجأة سواء بطرق شرعية كالرواتب والمخصصات العالية او بطرق غير مشروعة كالنصب والاحتيال والرشوة او استغلال المناصب نجدهم يطغون حتى على اهلهم لانهم لا يتحملون عبأ الثروة والمال الذي نزلت عليهم فجأة وعقولهم الصغيرة لا تشيلها كما يقال بالبغدادية …فتجدهم يصرفون هذا المال بتبذير وغير حساب وفي مجالات اللهو والعبث ..واستغلال الاخرين ..

للأسف هذه الظاهرة جلبت انتباهي في مجتمعنا العراقي الجديد فأحببت مشاركتكم بها وربما لكل منكم نموذج جلب انتباهه. ولهذه الحالة كما اعتقد شخصيا اثارها السلبية في حالة عدم معالجتها تربويا والخطيرة على مستقبل المجتمع وحتى على العلاقات العائلية كمثل العلاقة بين الابن وابيه او البنت وامها او الزوج وزوجته او صلة الرحم التي تميز بها المجتمع العراقي ايام زمان…

فكم من زوج كان حريصا على زوجته وعائلته عندما كان فقيرا او مكتفيا ماديا ونزلت عليه النعمة فجأة فاذا به يركض ليتزوج زوجة ثانية وربما ثالثة ورابعة …فيترك العائلة والاطفال ولا يفكر الا بنفسه ..

ومن هذه النماذج عرفت شخصا اخر …كان فقيرا معدما ..ولا ادري كيف اغتنى ففجأة اصبح تاجرا كبيرا..واصبح ذا ثروة ويأمر وينهي ويركب ارقى السيارات وان مشى فانه يتبختر وان تكلم اصبح ابو العريف كما يقال …

فاذا به يتحول بين ليلة وضحاها شقاوة فاق الاشقياء البغدادي المعروف في زمانه (ابن عبدكة ) …والمصيبة الادهى انه تجلبب بجلباب الدين والتقوى والورع وتبرع ببناء حسينية ( جامع ) والحق بها قاعة لإقامة الفواتح للشهداء ولمن يبتلي بوفاة احدا من اهله …وقد علق احد الخبثاء  من ابناء المحلة غامزا لامزا الشخص المقصود بقوله لي …لا تغرك المظاهر …بنى الحسينية ليس حبا بالحسين وانما بواردات القاعة فتأجيرها نصف مليون دينار كل ثلاثة ايام لإقامة عزاء الفاتحة .. أي على الاقل تجيب وارد يقدر 15 مليون شهريا (ما يعادل راتب وزير نزيه ) …اي لو كان عنده قصر المرحوم شعشوع لما در عليه ايجاره هذه المبلغ شهريا …

للأسف هذه صورة من صور المجتمع الذي كنا نفخر به ايام زمان…وهي ليست الصورة الاسوأ وإنما هناك الادهى والامر …الى درجة تجعلني اردد مع نفسي لك الله ياعراق المحبة والحنية مال ايام زمان …

اللهم احفظ العراق واهله اينما حلوا او ارتحلوا ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close