الكلام المُباح (136) مَاَ لْكْمْ .. مَاَ تْهبّونْ؟

 يوسف أبو الفوز

مع حلول الاول من ايار، عيد العمال العالمي، وتكرر المرات التي صار صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، بمعية أَبُو جَلِيل، يستذكران فيها شيئا من نضالات الطبقة العاملة، خصوصا تلك التي تسنى لهما المساهمة فيها، برزت أمامنا الاسئلة عن الاحوال الحالية للطبقة العاملة، والعوائق امام نهوضها لتعيد تلك الايام البهية التي كان فيها صوت العمال ونقاباتهم يخيف الحكومات والانظمة. وخلال غمرة الاحاديث قال لي أَبُو سُكينْة وعيناه تومضان بتآمر: آآآخ لو يهبون .. هبوااا .. مالكم ما تهبون؟

وهو هنا يعود بي الى ذكريات سنوات الكفاح المسلح للشيوعيين ضد النظام البعثي الديكتاتوري. وكان ذلك في ايار 1982، في مقر انصار الفوج التاسع في مناطق ريف السليمانية، على مقربة من قرية حدودية أسمها دولكان، حيث نظم المقاتلين الانصار حفلا بمناسبة عيد العمال، وكان عريف الحفل الشهيد أَبُو رِياض ــ محسن شنيشل، الشخصية الآسرة والمربي ذو التجربة، الذي أعتقل وأعدم عام 1983 أثناء اداءه مهامه الحزبية في مناطق الفرات الاوسط أثر وشاية من خائن. في هذا الحفل أراد أَبُو رِياض ان يقدم شيئا جديدا، فوزع مجموعة من الانصار بين صفوف حضور الحفل، وهؤلاء الانصار تم تجميعهم واعتبارهم الفرقة الفنيةإذ تدربوا سريعا على بعض الاغاني الثورية ومنها النشيد الاممي. أخبرهم الرفيق أَبُو رِياض بأنه ما ان تنتهي دقيقة الحداد على ارواح الشهداء ويقول شكراحتى يبدؤون معا غناء النشيد الاممي : هبوا ضحايا الاضطهاد .. الخ .

تقاطر سكان القرى القريبة ،حضر ممثلي بعض القوى السياسية من المعارضة الايرانية والعراقية، وكان هناك رفيقان من قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وقد زين المكان بشكل يليق بألمناسبة، والروائح الزكية تهب من المطبخ، حيث ينتظر الجميع بعد الحفل وجبة طعام مع اللحم وهذا أمتياز لا يتكرر في حياة الانصار الا ثلاث مرات في الشهر. كان البرنامج حافلا بالكلمات السياسية والفقرات الفنية، واداره أَبُو رِياض ببراعة وظرافة. يملك أَبُو رِياض صوتا جهوريا مما أهله لعرافة الحفل لعدم وجود ميكروفات ومكبرات صوت، ويحب رفاقه لكنته الريفية التي تتسلل رغما عنه الى لغته العربية القويمة. بدأ الحفل بترحيب أَبُو رِياض بالحضور والضيوف واعضاء قيادة الحزب، وقرأ كلمة استهلال قصيرة تحييّ المناسبة، وطلب من الحضور الوقوف دقيقة حداد على ارواح شهداء الطبقة العاملة والانصار والحركة الوطنية. ثم رفع راسه ودار بين الوجوه باحثا عن اعضاء الفرقة الفنيةوقال شكرا“. لم ينشد أحد! غمز بحواجبه للنصير أبو سيفوقال بصوت أعلى شكرا“. لم ينطق أحد. رفع يده مثل مايسترو وقال بصوت غاضب شكرا“. لكن أحد من اعضاء الفرقة الفنية لم يبادر للغناء. سادهم الارتباك وزاد من ذلك انفعال أَبُو رِياض وطريقته بتحريك حواجبه لتذكيرهم بواجبهم فغص بعضهم بالضحك، ففار الدم في عروق أَبُو رِياض الفلاح، وصاح بصوت عميق وغاضب: يا أبو سيف.. يا هدى .. وأنته يا.. أشبيكْم .. وينكْم ..هبوا.. هبوا .. مالكْم ما تهبون .. هبووووووا ضحايااااا الاضطهااااااد !

طريق الشعب العدد 175 ليوم الثلاثاء 2 أيار 2017

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close