ذكرياتي عن احتفالات عيد العمال في بغداد

نوري جاسم المياحي

لم اكن انوي الكتابة عن احتفالات عيد العمال العراقي …ولكنني ما شاهدته من عروض تلفزيونية على الشاشات يوم امس هيج ذكرياتي لما قبل ستين سنة عن انطباعاتي بهذا العيد والتي كانت يجب ان تكون مفرحة ( دك يا مزيقا ورقص وهزي يا وز ) واذا بها تتحول الى مسيرات احتجاج وحزن وغضب بسبب انتشار البطالة وغلق المعامل وعدم توفر فرص العمل بسبب الفساد المستشري …

وبعد ان كانت المسيرات يشارك بها الملايين تحولت الى تجمعات ومظاهرات احتجاجية  يشارك بها عدة مئات من الناس وبعد تضخم عدد السكان من 5 ملايين الى 35 مليون … وتناقلت وكالات الاخبار الخبر كما يلي … ففي وسط العاصمة بغداد، شارك المئات فى مسيرة حاشدة للاحتفال بعيد العمال، وانطلقت المسيرة من أمام مبنى المسرح الوطني وصولا إلى ساحة الاندلس وسط بغداد، وذلك تلبية لدعوة الاحزاب الشيوعية كما اعتقد..

انا اذكر ايام زمان كان المشاركون بالاحتفالات عمال حقيقيون فقد كانت هناك المئات من المعامل كمعامل السكائر والنفط والكهرباء الهاتف والطبابة وبقية الخدمات وفي كل المجالات الصناعية وكانت هناك نقابات عمالية تمثل وتدافع عن مصالح هذه الشريحة من الشعب ولكن بعد ان حولت الحكومة العمال الى موظفين وحجمت النقابات ونشاطاتها غابت الطبقة العاملة عن الميدان وتحولوا الى موظفين ياتمرون بأمر الحزب السياسي الحاكم في كل وقت وزمان ..

.اما بالأمس فقد كان واضحا ان من تبنى التظاهرة هم  الشيوعيون ومعظمهم من الرعيل الاول والرواد في الحزب والموظفين المتقاعدين او ابناءهم وهذا الامر ليس بغريب او جديد على الحزب الشيوعي فهو يعتبر حزب الطبقة العاملة وهم من فجروا ثورة اكتوبر البلشفية في روسيا وهم من بنى الاتحاد السوفيتي العظيم والذي تفتت على  ايدي القادة الشيوعيين انفسهم وهذا ليس مجال حديثنا اليوم …وللأسف هذا ديدن كل الاحزاب السابقة واللاحقة …فقادة الاحزاب هم معاول هدم احزابهم

عندما اتذكر طبيعة المجتمع العراقي قبل وبعد ثورة 14 تموز 1958 …كانت الغالبية العظمى من العراقيين هم من العمال الكادحين والفلاحين الفقراء المساكين المضطهدين من الاقطاع الزراعي آنذاك …وكان تعداد السكان يتراوح بين 5-6 ملايين نسمة …الغالبية العظمى منهم من الفلاحين الفقراء والمعدمين وتليهم وبنسبة ليست كبيرة هي طبقة العمال الكادحين وتليهم نسبة صغيرة جدا من المثقفين وموظفي الدولة …

اما الاحزاب السياسية الموجودة آنذاك وببساطة متناهية تقسم الى احزاب تقليدية يشكلها ساسة تقليدين ومحترفين تتلون احزابهم وفق المتطلبات الانتخابية آنذاك والتحالفات الحزبية … وهي التي كانت تقود وتحرك العملية السباسبة وتقسم بين المعارضة والموالاة مثل حزب نوري السعيد وحزب صالح جبر او محمد مهدي كبة او كامل الجادرجي وغيرهم ولكن بالنتيجة فان قوة وضعف هذه الاحزاب تحددها الانتخابات الصورية والموقف من بريطانيا ..

اما الاحزاب العقائدية فكان الحزب الشيوعي العراقي وهو الذي كان يسيطر على الشارع العراقي بحكم كون قياداته منبثقة من صفوف الشعب الفقير وثانيا البيئة المساعدة لانتشار أفكاره وثالثا محاولات الحكومات العراقية آنذاك من قمعه ومحاربته بقسوة وزج مناضليه بالسجون مما دفع بالجماهير الالتفاف حوله (وحسب قاعدة كل ممنوع مرغوب ) الى درجة يمكن اعتباره كان مهيمنا على مشاعر الجماهير ويحركها بسهولة لأنه كان حزبا منظما وذو تجربة طويلة عكس بقية الاحزاب العراقية مستفيدا من تجارب وتوجيهات بقية الاحزاب الشيوعية بالعالم ..

وفي تلك الفترة من الخمسينات وبعد ثورة عبد الناصر في مصر برز نشاط الاحزاب القومية في العراق ولاسيما حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب وهنا يجب ان اشيد بدور الرحوم عبد الناصر في تأجيج المشاعر القومية عند الشباب العربي ولاسيما بعد الاعتداء الثلاثي على مصر وخطاباته الثورية …ولكن بالرغم من ذلك كان كاس السبق في السيطرة على الجماهير العراقية هي للحزب الشيوعي العراقي ولكي ادلل على ذلك ومن ذكرياتي لتلك المرحلة وكنت شاهد عيان للتظاهرات التي خرجت لتأييد ثورة تموز ومجلس قيادتها وفي الايام الاولى التي اعقبت تفجير الثورة … كانت حشود المتظاهرين التي اخرجها الحزب الشيوعي كانت تعد بعشرات الالوف بينما كان تعداد المتظاهرين القومين وبما فيهم البعثيين لا يتجاوز المئات ….وهذه شهادة للتاريخ وبدون مجاملة لاحد

وهنا قد يسال سائل كيف ميزت بين حجم المتظاهرين القوميين والشيوعيين آنذاك ؟؟؟ والاجابة بسيطة على هذا السؤال ..فمن خلال الشعارات التي رفعها الطرفان …فقد رفع وردد البعثيون والقوميون العرب شعار ( وحدة –وحدة عربية لا شرقية ولا غربية ) بينما الشيوعيون رفعوا وبنفس الوقت والساعة ( وهذه من الظواهر التي اثارت استغرابي وحتى يومنا هذا ) شعار ( اتحاد فيدرالي وصداقة سوفيتية ) … ومن هذه الساعة المشؤومة وهذا اليوم البائس وهذه المناسبة والمفروض ان تكون مفرحة وموحدة لصفوف الشعب …لاحظت وجلب انتباهي انشقاق الصفوف وبدأ الصراع بين الشيوعيين والقوميين وما ال اليه من قمع وقتل وملاحقة استمرت لعقود من الزمن وربما حتى ليومنا هذا …

منذ ما يقارب الستين سنة وكما ذكرت اعلاه … هكذا كانت شرارة الفتنة وتوقيت اندلاعها وبالرغم من كون الطرفين اعلاه كانا شريكين اساسين في الجبهة الوطنية التي كانت الظهير الشعبي لقادة الثورة من الضباط الاحرار … وبعدها مباشرة لاحظنا كيف رفع فيما بعد بعض الحاقدين شعار الشيات الثلاث ( شيوعي –شيعي- شروكي ) ومن اغرب الغرائب التي اتذكرها ان معظم قادة الحزب الشيوعي كانوا من السنة والاغرب ان الشيوعين في ذلك الزمان كانوا ملحدين ولا يعترفون لا بالدين ولا بالطائفة والمذهب  ….وبالسنة او الشيعة …

وقد يسأل احدهم الم تكن هناك احزاب دينية في تلك الحقبة …وللأمانة التاريخية فانا لم اكن متدينا ولست محتكا بالمتدينين اسلاميا ولا زلت حتى يومنا هذا ولكن كان من بين زملائي في الكلية من كان ينتمي الى حركة الاخوان المسلمين وحزب التحرير وكانوا قلة قليلة ويعدون على اصابع اليد ولم يكن لهم نشاط سياسي حركي مكشوف وحتى جماهير الشعب لا تميل للاحزاب الدينية … ولكن بعد احتدام الصراع بين التيار القومي والتيار اليساري .. تحالف الاسلاميون مع القوميين لمحاربة الشيوعيين …وبعد تصفية الشيوعيين انتقل الصراع الى ما بين البعثيين والاسلامين …

وهنا اطرح على نفسي وعلى من يقرأ ذكرياتي … من كانت الايدي الخفية والحقيرة التي تدخلت وغيرت مسيرة التاريخ العراقي والعربي ؟؟؟اليس غريبا ما حدث آنذاك وما لحقه من مواقف قذرة ومأساوية وقاتلة في بعض المواقف ؟؟؟ وهل كانت عفوية او مدبرة ومدروسة ومخطط لها مسبقا ؟؟؟ وهل من قام بها افراد او منظمات ؟؟؟ اية ايادي خفية وخبيثة مزقت الاحزاب الشيوعية في كافة انحاء العالم وحتى مزقت المعسكر الاشتراكي المتمثل في الاتحاد السوفيتي ؟؟؟ وهل من قبيل الصدف ان يخنق المد الثوري والانساني والقومي العربي الذي تمناه وضحى من اجله الاحرار المناضلين من خيرة شباب الامة العربية ؟؟؟ اليس غريبا ان يمزق حزب البعث العربي الاشتراكي وتشرذم الحركات القومية العربية الى فتافيت تتقاتل فيما بينها ؟؟؟ انني واثق مما جرى ومما سيحدث كله تم بفعل فاعل ..ولكن من هو فلا ادري ؟؟؟ والبعض يدعي ان من وراءه هي الصهيونية العالمية ..وللأمانة التاريخية اعترف انني لا ادري ومثل ما يقال بالعراقي ( تاهت عليه الحسبة …وشليلة وضاع راسها … او كما كانت تكرر امي رحمها الله …ظلمة ودليلها الله ) ..

وهسه ارجع لسالفتنا عن عيد العمال … ففي اول ايار من عام 1959 اي اول عيد لعمال العراق بعد الثورة خرجت كل شرائح الشعب العراقي للاحتفال بهذا اليوم فقد كان فعلا يوم عيد فاحتفلت فيه جماهير بغداد بمسيرة مليونيه تلاحمت فيها الجماهير رقصا وغناء وقطعت شارع الرشيد من باب المعظم وحتى الباب الشرقي واستمرت لمدة 24 ساعة مستمرة ونقلها تلفزيون بغداد وتفنن المشاركون بالمسيرة بتزيين العربات (اللوريات ) بمختلف الالوان والاشكال ومزينة بالزهور الجميلة والتماثيل العملاقة والنفاخات وكانت موسيقى الفرق الشعبية تصدح بأحلى الالحان والاعاني الشائعة آنذاك وكان الرقص على هذه العجلات يدخل الفرحة للنفوس وحتى في نهر دجلة سارت مسيرات نهرية …وانا شخصيا عيدا احتفاليا فرحا مثل ذلك اليوم طيلة حياتي …

ومن  ابرز شعارات المسيرة آنذاك تلك التي كانت تردد على لسان كل عراقي عربي او كردي وبصوت فرح وواحد  ( هربجي كرد وعرب فد حزام ) والتي اكدت بعفوية تلاحم مكونات الشعب القومية وقبل ان تتدخل الايادي الخفية الملعونة لتمزيق هذا التلاحم المصيري الواحد …واليوم يحزنني ان اسمع قادة وساسة الكرد يقاتلون من اجل الانفصال وهنا ايضا السائل من هي تلك الايادي الخفية وراء ذلك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ولكي اقرب صورة الكرنفال والاحتفال في ذلك العيد  …شاهدوا الاحتفالات والكرنفالات التي تجري في الكثير من دول العالم اليوم كموسكو وبكين …وتذكروا ان مثلها جرت قبل ستين سنة على ارض العراق … ولكن بخت العراقيين ماكو فالفرحة مادامت علينا .. لاننا لم نتعلم على ممارسة الفرح وانما تعودنا فقط على الدك واللطم والبكاء بدموع غزيرة

والبارحة شاهدت بضع مئات يرفعون اعلام حمر ولافتات مرسوم عليها المنجل والمطرقة من قبل اناس معظمهم من كبار السن والمتقاعدين وقلة من الشباب والمثقفين  وهو شعار الحزب الشيوعي … واكرر السؤال لي ولكم …من كان وراء هذه النكسات النضالية للأحزاب العقائدية العريقة ؟؟

بالتأكيد الجواب ليست جماهير هذه الاحزاب هي المسؤولة عما يصيب الاحزاب من فساد وخيانة وعمالة وانما اصابع الاتهام يجب ان توجه وتركز على القيادات فهي المسؤولة مسؤولية مباشرة عن توجيه سلوكية قواعد احزابهم و التي معظمها بريئة وعفوية تركض وراء القيادات الملوثة والتي لا يعرف حقيقة ارتباطها ومع من وما الهدف …الا  الله والراسخون في العمالة وحسنة ملص المعروفة عراقيا …

اللهم احفظ العراق واهله اينما حلوا او ارتحلوا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close