من علي شريعتي إلى محمد الصدر …. الفكر هو الفكر

بقلم : رضي فاهم الكندي

لا شك و لاريب أن الفكر الأصيل مهما تباينت أساليب طرحه و تنوعت فنون عرضه  و  شظّته جغرافية المكان و الزمان لا ينفك أن تلتقي روافده تحت منبع واحد هو الأصالة التي تعكس روح ذلك الفكر و ديمومته .

يذكر مؤلف كتاب ( شريعتي سيرة سياسية ) في ص 316  أنه في  ((  11 نيسان / أبريل 1965 انتشرت الأخبار عن محاولة اغتيال الشاه التي قام بها رضا شمس آبادي ، و هو حارس في قصر ” مرمر ” إذ فتح النار على الشاه و قتل ضابطين قبل أن يرديه الآخرون ، و لم يصب الشاه بأذى .

في اللقاءات الثقافية الراديكالية كان هناك إحساس عام بالحزن و الحسرة على فشل هذه المحاولة ، ففي اليوم التالي كان الجميع يناقش الأمر في منزل حاجي علي أكبر شريعت – رضوي ( والد زوجة شريعتي ) و فوجيء أصدقاء شريعتي بقوله : } إنه من حسن حظ الدولة أن المحاولة فشلت { قال لهم شريعتي : { إن اغتيال الشاه أمر ممكن التحقيق ، بيد أن الصعوبة تكمن في إعداد الظروف المواتية للتغيير الاجتماعي } و أضاف قائلا : { مجتمعنا ليس جاهزًا لا فكريًا و لامفاهيميًا لما ينبغي أن يأتي بعد الشاه ، بهذه الطريقة قد يصبح كارثيًا }  )) انتهى .

ولنا وقفة مع هذه النص كونه يمثل رؤية شريعتي الآيديولوجية التي على أساسها طرح مشروعه الإصلاحي التغييري ، ومهّد الطريق نحو إزالة نظام الشاه  وذلك في نقطتين :

الأولى : إن أي خطوة باتجاه الصدام المسلح مع النظام الظالم من دون أن يكون الشعب واعيًا للنتائج اللاحقة يُعد فشلاً ذريعًا بل و كارثة لأنه سيفضي إلى استنساخ تجارب مماثلة من الظلم والاضطهاد و الفساد و الواقع يشهد بذلك .

الأخرى : إن التغيير الحقيقي ينبغي أن ينبثق من شعور الأمة و إحساسها بالظلم و ضرورة وعيها في الحاجة إلى الإصلاح و اختيار البديل المناسب ، وهذا الأمر ينبغي تحقيقيه في طور تهيئة العقول ثقافيا و معرفيا لتبني مباديء الإسلام الأصيلة .

 

هذه الرؤية السياسية الإصلاحية المجتمعية التي طرحها شريعتي وأصل لها في كل أعماله الكتابية ذكرتني بأيام عشتها بكل وجودي و قطفت ثمارها في سلوكي إذ وجدت فيها تطابقا مع مشروع السيد الصدر الثاني ( رحمه الله ) ؛ حيث أدرك السيد الشهيد بوعيه الاجتماعي أن أي محاولة لتغيير الواقع الفاسد لا تمر إلا من خلال إصلاح المجتمع و ليست عبر المواجهة المسلحة التي قد تنجح لكنها تتقاطع مع ديمومة و نماء مشروعه الإصلاحي ، ولذلك سعى أولاً إلى إعادة بناء المنظومة المعرفية للمجتمع و عزز ثقتها بإسلامها من خلال إستجلاء نقاط القوة فيه ، و زرع فيهم القناعة اللازمة لتبني الإسلام نظاما قادرا على مجاراة الأحداث ، وما منبر الجمعة إلا آلية استظهارية لهذا المشروع  ؛ إذ كانت همزة الوصل بين القائد و القاعدة ، و شيئاً فشيئًا علت الهمة و ازدادت ثقة الناس بدينها و نفسها بعد أن طُمست في غياهب السجون و دهاليز القبور فتغيرت القناعات وكانت كلمة الختام ( أن الإسلام المحمدي بُعث من جديد ).

وقد استعجل النظام منيته حيث فهم فهمًا خاطئًا كما فهم الكثيرون أن السيد الصدر يستهدفه بذاته ولم يعلم أن مشروعه الإصلاحي طويل الأمد سيستهدف كل من يكون على شاكلته ، فأزاحه عن طريقه باغتياله .

هنا تكشفت الأمور لرعاة النظام العالمي أن صدام انتهت مهمته وأصبح وجوده يشكل خطرا على مشروعهم الإمبريالي ، لأن ارتقاء وعي الأمة وزيادة ثقتها بدينها يخلق أناسًا عصاةً عليهم سيكون من الصعب جدا ترويضهم كما ينبغي ، و ليحققوا أهدافا أخرى منها أن تكون أمريكا هي المخلص الحقيقي للشعب العراقي وليبقى تحت هيمنتها ، والأهم من ذلك هو الاستعجال بإدخال العراق ضمن كوكبة الدول المنفتحة على العلم الجديد المتجردة عن هويتها و إرثها و تأريخها الحضاري قبل فوات الأوان ، و من السهل تحقيق ذلك مع وجود التقنية الحديثة و الماكنة الإعلامية التي تقرب البعيد و تبعد القريب و تقلب الأمور و تخلط الأوراق .

فبدلا من الانضباط سيكون التحرر و بدلا من الالتزام الخلقي ستكثر حالات الطلاق و من الاستقرار ستقام الحروب على قدم و ساق ومن الاتزان سيكون التميع و الابتذال ، إلى الدرجة التي تذوب فيها الهوية و تمسخ الشخصية الإنسانية فيكون الإنصياع و العبودية لهم على أكمل وجه .

كل ذلك لأن الخطر الذي حذر منه شريعتي قد حصل وهو إسقاط النظام الظالم قبل أن توجد الأرضية الصالحة لاستبداله بالأصلح ، حيث لم يكن هذا المبدأ حاضرا في وعي الأمة بعد ، وهو ما سعى السيد الصدر إلى تحقيقه على أرض الواقع .

ولهذا نقول و لازلنا نعيدها و للمرة الألف لن يكون هناك حل لأي مشكلة من مشاكلنا الواقعية مالم نعد إلى الذات ، هذه الذات الإصيلة في فكرنا و تراثنا التي تمثل حقيقة وجودنا ، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الوعي المستند إلى الفكر الرسالي ، ذلك الفكر الذي يطرح الإسلام محركا للأمة أمام الظلم فيثمر الثورة بعد أن تخدرت العقول بحصولها على صك العبور إلى الجنان المرفهة ، لأن الله سبحانه قد قرر في محكم كتابه هذا المبدأ ((ِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ  )) الرعد – الآية – 11

والحمد لله أولا و آخرا .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close